من ثوراتنا المنسية.. انتفاضة 1935 (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

لم ترق وزارة محمد توفيق نسيم لتطلعات المصريين، فبعد إيقاف العمل بدستور 1930، لم تُعِد العمل بدستور 1923، وكان مما أجج شعور المصريين بالغضب تصريح لوزير الخارجية البريطاني السير “صمويل هور” قال فيه “كانت نصيحتنا ضد إعادة دستور 23 لأنه غير صالح للعمل به، وضد إعادة دستور 30 أيضا لأنه ضد رغبة الأمة بالإجماع”. لقد جرح هذا التصريح كرامة المصريين جرحا عميقا إذ كان إعلانا فجا عن تدخل بريطانيا السافر في أدق شؤون مصر الداخلية، وقد جاء هذا التصريح قبل عيد الجهاد الذي كان المصريون يحتفلون به في13 نوفمبر بعدة أيام؛ فاستغل طلاب الجامعة تلك الذكرى وعقدوا اجتماعا داخل الجامعة، ثم خرجوا في مظاهرة حاشدة تصدى لها “البوليس” وطالب بتفريقها؛ لكن زعماء الطلاب أبوا، فأطلق رجال الشرطة النار على المظاهرة؛ فأصيب طالبان إصابة خطيرة، وأصيب آخرون بإصابات طفيفة.

صباح اليوم التالي عزم الطلاب على الخروج في مظاهرة تتجه إلى وسط القاهرة؛ وكانت قوات “البوليس” قد احتشدت بكثافة منذ الصباح الباكر.. وعلى كوبري عباس حاصرت القوات نحو 300 طالب، وأطلقت عليهم النيران، فارتقى أول شهداء تلك الثورة وهو محمد عبد المجيد مرسي الطالب بكلية الزراعة، وأصيب محمد عبد الحكيم الجراحي طالب الآداب بإصابة خطيرة أدت لاستشهاده في اليوم التالي.. فأصدرت الجامعة قرارا إداريا بتعطيل الدراسة لمدة أسبوع.

كما خرج طلاب المدارس الثانوية في مظاهرات حاشدة كان على رأس إحداها الطالب جمال عبد الناصر الذي نجا من الموت بأعجوبة بعد إصابته برصاصة في جبينه مزقت الجلد دون أن تنفذ إلى داخل الرأس.. وحمله زملاؤه إلى مقر دار جريدة الجهاد القريب، ونشر اسمه صبيحة اليوم التالي بين أسماء الجرحى.

وكان لاستشهاد علي طه عفيفي طالب دار العلوم في 16 نوفمبر فعل السحر في امتداد المظاهرات إلى جميع أنحاء القاهرة قبل أن تمتد إلى الأقاليم.. وفي22 نوفمبر تم تمديد إغلاق الجامعة لأسبوع آخر.

وقد شهد يوم 27 نوفمبر الذي صادف أول أيام شهر رمضان المعظم انعقاد المؤتمر الطلابي العام الذي أصدر عدة قرارات منها إقامة حفل لتأبين شهداء الثورة، وتنظيم مقاطعة واسعة في القطر المصري بكامله للبضائع الإنجليزية.. وكان من الآثار الطيبة لهذا المؤتمر الذي حضره أكثر من ألف طالب- تنظيم إضراب عام في اليوم التالي حدادا على أرواح الشهداء، تم فيه إغلاق المحال التجارية في القاهرة، وتعطيل المواصلات، واحتجاب أغلبية الصحف.. كما أوفد المؤتمر الطلابي ممثلا في لجنته العليا وفدا طاف برؤساء الأحزاب لدعوتهم لتكوين لجنة إنقاذ وطنية، والتمسك بعودة دستور1923م.

توالت المظاهرات والفعاليات الثورية، وشهد يوم7ديسمبر إزاحة الستار عن النصب التذكاري لشهداء الجامعة، بمشاركة أحمد لطفي بك السيد مدير الجامعة المصرية، والدكتور “بانجام” عميد كلية العلوم الإنجليزي.. لكن اليوم التالي شهد تصعيدا للأحداث بتحطيم السيارات والمصابيح في الشوارع، وألقت قوات “البوليس” القبض على 78طالبا.. فصدر القرار بإغلاق الجامعة إلى أجل غير مسمى، فاعتكف أحمد لطفي السيد في منزله وهدد بتقديم استقالته، احتجاجا على محاصرة “البوليس” لكلية الطب حيث كان مقررا إقامة مؤتمر عام لطلاب جامعة القاهرة.. واندفع الطلاب في غضب محموم؛ فأحرقوا مركبات الترام، وحطموا المصابيح، واقتلعوا الأشجار.. وانضم إليهم طلاب المدارس: شبرا الثانوية والتوفيقية والأمير فاروق ومدرسة العباسية الصناعية ومدرسة الصناعات الميكانيكية، وطالبات المدارس الثانوية والعليا اللائي اُعْتُدِيِّ عليهن بالعصي من جانب أفراد “البوليس” فكان ذلك سببا في ثورة الجماهير ونزولها إلى الشوارع بأعداد غفيرة في القاهرة والأقاليم، وتعددت المواجهات بين المصريين وقوات “البوليس” التي لم تتورع عن إطلاق النار لتفريق المتظاهرين.

كان زعماء الأحزاب قد شكلوا جبهة وطنية للإنقاذ قامت في 11ديسمبر بتوجيه كتاب للملك فؤاد تطالبه فيه بإعادة العمل بدستور1923، كما وجهت كتابا آخر للمندوب السامي البريطاني السير “مايلز لامبسن” لإبلاغ حكومته بأن عليها التصريح بقبول إبرام معاهدة بينها وبين حكومة مصر الدستورية بالنصوص التي انتهت إليها مفاوضات “هندرسون ـ النحاس” عام1930..” وفى منتصف ليل هذا اليوم أبلغ المندوب السامي دولة نسيم باشا بأن الحكومة البريطانية لا تعارض إعادة دستور 1923 ولا داعى لتقديم استقالة الوزارة”.

في صباح اليوم التالي، وتحت ضغط الأحداث التي تشتعل بها البلاد أصدر الملك فؤاد أمرا ملكيا بإعادة العمل بدستور 1923، ورغم ذلك فقد استمرت المظاهرات في القاهرة والأقاليم منددة بالحكومة ومطالبة بالعفو عن الطلاب المعتقلين، وكذا المطالبة بسرعة الرد البريطاني على كتاب الجبهة الوطنية.

وفي 30 ديسمبر استؤنفت ـ أثناء انعقاد مؤتمر الجراحة الدولي بالقاهرة ـ تظاهرات الطلاب وانقسموا على بعضهم بسبب هتاف البعض بهتافات غير متفق عليها، ومع استمرار الضغط الشعبي أجبرت وزارة توفيق نسيم على الاستقالة في 20 يناير 1936.

ولم تهدأ هذه المظاهرات إلا عندما صدر المرسوم الملكي بتأليف الوزارة الجديدة وزارة علي ماهر الأولى في 30 يناير 1936، وهكذا توج كفاح الشعب فأعيد دستور 1923 وأطيح بوزارة توفيق نسيم، ودخلت مصر في طور جديد من حياتها السياسية.

لقد كانت هذه الثورة بمثابة جسر بين ثورة 1919، والحراك الوطني الذي تمخضت عنه حركة الجيش في1952، وما أعقبها من إجراءات ثورية، وهي ثورة طلابية بامتياز قام بها الشباب الذين تفتح وعيهم الثوري وهم أطفال على مشاهد ثورة1919، ولعل ما حدث من تعاطف شعبي جارف مع الشباب الثلاثة الذين كانوا يصدرون جريدة الصرخة واعتقلوا عام 1933، وهم فتحي رضوان ، وحافظ محمود، وأحمد حسين قبل أن تقضي المحكمة بتبرئتهم بعد مرافعة وزير الحقانية الأسبق محمد علي باشا علوبة عنهم، ومطالبته للقاضي بحبسه مع هؤلاء الشباب لأنه يوافقهم تمام الموافقة على ما كتبوه في جريدتهم- يؤكد أن التراكم الثوري لا بد أن يؤتي ثمرته ولو بعد عقود من الزمن، وأن الثورة من الممكن أن تخبو نارها لكنها لا تنطفئ أبدا.. ولو كره الكارهون.