لست وحدك يا إبراهيم

خلال إلقائه محاضرة في ورشة نظمها مركز «موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا» بجامعة تل أبيب الإسرائيلية، عن مصر والثورات التي شهدتها منذ ثورة 1919 وحتى الآن، قاطع طلاب فلسطينيون الدكتور سعد الدين إبراهيم، مدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية مساء أول أمس الثلاثاء بهتاف: “يحيا نضال الشعب الفلسطيني.. ويحيا الشعب المصري”.

الطلاب الفلسطينيين اتهموا إبراهيم بـ«الخيانة والعمالة»، وقال أحدهم «الشعب المصري برئ منك ومن أمثالك» وصاح آخر «أنت خاين وعميل»، وهتف الجميع وهم في طريقهم إلى مغادرة قاعة المحاضرة «التطبيع خيانة».

أستأنف إبراهيم محاضرته «دروس من قرن الاضطرابات في مصر»، بعد خروج الطلاب العرب، تحدث فيها عن التغيرات السياسية التي تشهدها مصر، مؤكدًا أنها حالة فريدة من نوعها، ولا يمكن مقارنتها بأي دولة أخرى.

بعد دقائق رفع الطلاب الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، فقامت الدنيا ولم تقعد حتى كتابة هذه السطور، وشن مغردون عرب حملة على إبراهيم سعد الدين “المطبع الخاين العميل”، الذي زار الكيان الصهيوني في وقت يقتل فيه جيش الاحتلال أبنائنا في القدس والضفة الغربية.

لم يسأل أحد من الغاضبين نفسه، هل زيارة إبراهيم لعاصمة الكيان الصهيوني في هذه الفترة بمنأى عن سياسات القاهرة الرسمية وسياسات باقي العواصم العربية الغير رسمية؟، هل اتخذ مدير مركز ابن خلدون قرار الزيارة دون الرجوع إلى الأجهزة المعنية؟.. ألم يمر من مطار القاهرة وفحص ضباط الجوزات جواز سفره وسألوه عن وجهته؟.

بالطبع لم يقرر إبراهيم زيارة تل أبيب إلا بعد الاتصال بأصدقائه في أجهزة الأمن، بل أكاد أجزم أن الزيارة كانت بتنسيق مع مؤسسات سياسية مختلفة على رأسها رئاسة الجمهورية، فخطوة الرجل جزء من سياسة “السلام الدافئ” الذي دعا له الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل شهور، بعد عقود من “السلام البارد”.

زيارة إبراهيم المثيرة للجدل تأتي في إطار حملة محمومة من شخصيات فلسطينية وعربية تدعو إلى التطبيع المجاني مع العدو الصهيوني، ففي اليوم الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نقل سفار بلاده إلى القدس، استقبل الكيان وفدا بحرينيا من جمعية “هذه هي البحرين”، بحسب ما كشفت القناة الثانية الإسرائيلية، بدعوى توصيل رسالة لتشجيع التسامح والسلام والحوار بين الأديان، وبالرغم من التأكيد الرسمي البحريني بأن الزيارة لا تمثل أي جهة رسمية في البحرين، إلا أن المحلل الإسرائيلي ايهود يعاري، أشار إلى إن “العاهل البحريني سيسمح من الآن فصاعداً، لمواطنيه بزيارة إسرائيل”، معتبرا أن الزيارة خطوة في مشوار العلاقة بين البحرين وإسرائيل، سبقتها إشارات مهمة مثل ترميم الكنيس اليهودي في المنامة، بالتعاون مع الجالية اليهودية هناك.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس دافع علنا عن زيارة العرب للأراضي المحتلة تحديدا القدس “زيارة السجين لا تعنى تطبيعا مع السجان”، وجدد دعوته تلك من على منصة القمة الإسلامية الطارئة، التى انعقدت بإستنبول للرد على اعتراف الرئيس الأمريكى بالقدس عاصمة لإسرائيل وقراره بنقل سفارة بلاده إليها، كما ردد ذات الدعوة وزير خارجيته رياض المالكى أمام الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب بالقاهرة الشهر الماضي.

الدعوات الخجولة لكسر الجمود مع العدو الصهيوني لم تتوقف منذ توقيع “كامب ديفيد”، لكن اللافت في السنوات الأخيرة أن المطبعين تعدوا مرحلة الخجل، فأصبحت المجاهرة بالتطبيع لا تقتصر على مجموعة “كوبناهجن” القاهرية، فكم من مفكرين ونشطاء ورجال أعمال ودبلوماسيين عرب زارو الكيان مؤخرا مدفوعين من سلطات بلادهم أو لرغبتهم في لفت أنظار بعض المنظمات والجمعيات الغربية إليهم باعتبارهم دعاة سلام.

زيارة سعد الدين إبراهيم الأخيرة للكيان جزء من رؤية قادة المنطقة الجدد، فاستمرارهم على عروشهم مرتبط بدفن القضية الفلسطينية وتحويل العدو الإسرائيلي إلى “صديق وفي”.