“كل انتخابات رئاسة وإنت طيب يا حاج”!

يراقب أغلبنا تفاصيل المشهد السياسي في مصر بروح يائسة ومستسلمة، وكأن ما يدور داخل أروقة “البيت الكبير” لا يخص أحد، فالجميع يعرف مقدماً من سيتوج بطلاً لموقعة الانتخابات الرئاسية، ومن سيحمل رايات النصر المزعوم، وكيف سيبدو مشهد “الفينالة” حين يحتضن الوطن قائده المغوار، وفي الخلفية هتافات الشعب الهادرة تكاد تزلزل الأرض: “المجد لحارس الوطن وسيده”.

فيلم سخيف ومُكرر يفتقد إلي الحبكة والسيناريو المُحكم، وأبطاله فقدوا بريق النجومية للأبد لكنهم ما زالوا يصرون علي فرض وجودهم قسراً، وإكراه الجمهور علي مشاهدة الفيلم لآخره، والتصفيق الحار للبطل عند كل ظهور وكلمة وإيماءة، وويله من ينتقد تلك الملحمة الدرامية لركاكة الأداء وضعف الإخراج والقصة المنسوخة عشرات المرات في كل دور عرض العالم العربي.

في أولي تجاربه الإخراجية لما يعُرف بـ”انتخابات كده وكده” يبدو النظام الحاكم مرتبكاً إلي درجة أفقدته ملكة الإبداع، فالفيلم غير مطلوب منه أن ينافس أفلام الغرب أو يكون مقنعاً للمشاهد المصري، لكن يشترط تسليم النسخة النهائية في الموعد المحدد ليتسني تمثيل اسم مصر بشكل شرفي أمام النظام العالمي الجديد، لذا اندفع النظام إلي التعجيل بالتصوير دون بروفات لقطع الطريق علي أي مستجدات قد تُفسد الترتيبات المُعلبة سلفاً، فشهدنا بدايات مهزوزة وحبكة انتخابية لا تقنع طفلاً في الخامسة من عمره.

عزف المشاهد في الخارج عن موجة “أفلام الفانتازيا” ليرتقي بذوقه إلي مستوي يتناسب مع إنسانيته وعقله، فتم تصدير هذه المخلفات إلي دول تفضل إراحة عقول شعوبها بدلاً من إرهاقهم، فليس مطلوباً منك أن تفكر وتفاضل وتختار من ترغب، لكن أن تبصم فقط علي اختيار وحيد تم إقراره نيابة عن الجميع، ولا نية لدي النظام الحاكم من باب الأخوة في الوطن والمصير إلي تغيير هذه المعادلة المستقرة منذ سنوات طويلة، ولو بثورة شعبية.

لا يشكل فارقاً عند صناع الانتخابات في مصر مضمون ونزاهة عملية تداول السلطة بوصفها العمود الفقري لأي تجربة ديمقراطية، ولا يشكل فارقاً بالأساس وجود نظام ديمقراطي من عدمه بل شاغلهم الوحيد هو تمرير عملية “تناول السلطة” من يد الحاكم اليمني إلي يسراه بسلاسة دون منغصات، والتأكد من اكتمال السرد حتي لحظة الانتصار العظيم حين يُحمل البطل علي أكتاف البسطاء، ثم نزول التترات لتعلن النهاية السعيدة لفيلم الموسم.. “كل انتخابات وإنت طيب يا حاج”.

يبدو ملفتاً أن تنحصر أحاديث انتخابات الرئاسة عند المصريين بين جانبين يتيمين، فإما ضمان بقاء الرئيس الحالي علي وضعه معززاً مكرماً علي كرسيه أو القيام بثورة للإطاحة به، ولا أحد يمكنه أن يصدق إمكانية التغيير بشكل سلمي عبر تداول نزيه للسلطة، فهذا أمر غير وارد في قواميس الدول التي تمجد الرئيس وتجدد العهد به دون حساب لما حققه طيلة فترة شغله للوظيفة.

في دول العالم الذي يتآمر علينا يخضع الحاكم في نهاية ولايته لحساب عسير لا تُستثني منه الحياة الشخصية.. وفي مصر “المتآمر عليها” لا يجوز لنا أن نسأل الرئيس ولو بأدب جم: ماذا حقق طيلة 4 سنوات مضت؟ هل نهض بالاقتصاد والتعليم والصحة واستقلال المؤسسات وارتقي بمستوي معيشة البسطاء؟ هل استطاع أن يحقق انتصاراً ملموساً في قضية المياه، باستثناء الخطابات العنترية؟ هل وطد الوجود المصري في محيطها الخارجي، باستثناء خطاب الشجب المُعلن والتفريط سراً؟ هل دعم الحياة السياسية وأطلق سراح المعارضة ورفع يده عن الأحزاب والنقابات والجامعات، باستثناء تنظيمه لمؤتمرات الشباب؟.. وأخيراً هل ننتظر الإجابة بشفافية أم ننتظر التقييد والتنكيل والمحاكمة للتجرؤ في أمور لا يحق للبشر تداولها، وكأنها مقدسة لو اقتربنا منها لاحترقنا.

بالتأكيد، يحق لخالد علي الترشح للرئاسة استناداً إلي حقه الدستوري والإنساني في الطموح السياسي والشخصي، وحتماً سينال كل ما تيسر من تشويه واغتيال معنوي من جانب نظام يؤيد التعددية كلاماً لكنه يكّفر بها ويحاربها لو أصبحت فعلاً واقعاً.. لا يجب أن يُلام خالد لجسارته علي مواجهة دولة “محدش يتكلم في الموضوع ده تاني”، بل يستحق منا أن نقدر صنيعه متمسكين بأي شعاع أمل حتي لو كان خافتاً، ولكن في قناعاتي وحدي أري أنه.. “مفيش فايدة”.

هي ليست دعوة إحباط لكن هذا جزء مُبسط من الحقائق المجردة بلا مساحيق، فإن شئتم الاستغراق من جديد في خيالات مؤلف “سينما الترسو” مصدقين أسطورة البطل المنقذ، فهذا شأنكم.. ولو شاء الجمهور الممتليء بالغيظ والضجر أن يتمرد علي “أفلام المقاولات” التي بدأت بظهور باهت لأفلام “المبايعة” ثم “الاستفتاء” وصولاً لـ”انتخابات كده وكده”، فعليه أن يقاوم سينما الإلهاء بعدم التفريط في صوته إن شاء استعادة حريته وآدميته ووطنه المخطوف…..!