قطع المساعدات.. ورقة أمريكية جديدة لإخضاع الفلسطينيين

لم تترك الولايات المتحدة الأمريكية ورقة ضغط لإخضاع السلطة والمقاومة الفلسطينية لأوامرها وتنفيذ مخططات طفلها المدلل “الاحتلال الصهيوني” إلا واستخدمتها؛ فمن استغلال حق النقض “الفيتو” لإسقاط القرارات الأممية والدولية، إلى استخدام نفوذها السياسي والاقتصادي لحشد التأييد للاحتلال، وصولًا إلى التلويح بورقة المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية.

التلويح بورقة المساعدات

يبدو أن قائمة المطالب الإسرائيلية التي أخذت الإدارة الأمريكية على عاتقها تنفيذها لا تزال طويلة، فبعد أن أشعل الرئيس الأمريكي المتصهين، دونالد ترامب، انتفاضة جديد في الأراضي الفلسطينية على خلفية قراره بنقل سفارة بلاده إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، وأعطي الضوء الأخضر للعدو الإسرائيلي بتشريع القوانين الجائرة للسطو على المزيد من الأراضي الفلسطينية من خلال قانون “السيادة على الضفة” و”القدس الموحدة” اللذان أيدهما الكنيست هذا الأسبوع، ناهيك عن قوانين أخرى تتعلق بإعدام الأسرى وتسعير حملات الاعتقال والقتل بدم بادر، أقدم ترامب بوقاحة تخطت كل الخطوط الحمراء والأعراف والمواثيق والقوانين الدولية، على التلويح بوقف المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية، بذريعة أن “الفلسطينيين لا يريدون الدخول في محادثات سلام”.

وقال ترامب، في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، مساء أمس الثلاثاء، إن الولايات المتحدة قد توقف التمويل للفلسطينيين لأنهم “لم يعودوا مستعدين للمشاركة في محادثات السلام”، وأضاف: “واشنطن تعطي الفلسطينيين مئات الملايين من الدولارات سنويًا، ولا تنال أي تقدير أو احترام، هم لا يريدون حتى التفاوض على اتفاقية سلام طال تأخرها مع إسرائيل”، زاعمًا: “أمريكا قد لا تدفع بعد الآن مئات الملايين من الدولارات سنويًا للفلسطينيين في ظل عدم استعدادهم للمشاركة بمحادثات السلام”.

التغريدة المثيرة للجدل جاءت بعد ساعات من تصريحات أدلت بها المندوبة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي، ردًا على سؤال صحفي حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تعتزم الاستمرار بتمويل منظمة غوث لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، على خلفية قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة إدانة اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، حيث أكدت أن الرئيس ترامب قال سابقًا إنه لا يريد تقديم أي تمويل حتى يوافق الفلسطينيون على العودة إلى طاولة المفاوضات، وأضافت: “ما شاهدناه في ما يخص القرار في الجمعية العامة لم يكن أمرًا مجديًا بالنسبة للوضع الحالي، نسعى لدفع عملية السلام قدمًا نحو الأمام، لكن في حال لم يحدث ذلك، فإن الرئيس لا ينوي مواصلة التمويل”.

غضب فلسطيني

باتت السلطة والفصائل الفلسطينية تقف على فوهة بركان، فخطوات الاحتلال الإسرائيلي وحليفه الأقرب أمريكا، تتسارع بشكل غير مسبوق باتجاه فرض السيادة الإسرائيلية ليس فقط على القدس، إنما تمتد الطموحات إلى الضفة وأراضي فلسطينية أخرى، كمقدمة للاستيلاء على المقدسات الإسلامية أيضًا وطرد وتشريد العديد من الفلسطينيين لصالح بناء المزيد من المستوطنات وكسر الصمود الفلسطيني وتدمير ما يعرف بـ”حل الدولتين” من الناحية السياسية، الأمر الذي أثار ردود فعل منددة بهذا القرار في فلسطين، حيث أكدت عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية، حنان عشراوي، اليوم الأربعاء، أن الفلسطينيين لن يخضعوا للابتزاز بعد تهديد ترامب، وأضافت: “الرئيس الأمريكي خرب سعينا إلى السلام والحرية والعدالة، والآن يلوم الفلسطينيين على عواقب أعماله اللا مسؤولة”.

المقاومة الشعبية

وعلقت الرئاسة الفلسطينية، صباح اليوم الأربعاء، على تلويحات ترامب بوقف المساعدات الأمريكية لفلسطين، بأن “القدس ليست للبيع”، وقال المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية، نبيل أبو ردينة، إن القدس العاصمة الأبدية لدولة فلسطين ليست للبيع لا بالذهب ولا بالمليارات.

تداعيات القرار

محاولة الابتزاز الإجرامية التي تخضع لها فلسطين حاليًا من أجل إجبار السلطة على اتخاذ قرارات سياسية مُعينة بشأن القضية الفلسطينية، فتحت الحديث حول تأثيرات قرار وقف المساعدات الأمريكية التي تقدمها الأخيرة للسلطة الفلسطينية سنويًا منذ عام 2008، والمقدرة بنحو 300 مليون دولار، في حال اتخاذه بشكل نهائي، حيث رأى البعض أن ميزانية السلطة الفلسطينية تعتمد بشكل أساسي على المساعدات خاصة الأمريكية، بالإضافة إلى الضرائب ما يجعل الموازنة في وضع حرج إذا قررت أمريكا وقف المساعدات، فيما قلل العديد من السياسيين والخبراء في الشأن الاقتصادي الفلسطيني، من تداعيات وقف المساعدات المحتملة على الاقتصاد الفلسطيني باعتبار أن حجمها بما فيها المقدمة من الولايات المتحدة تُشكل 16% فقط، فيما تستكمل باقي الموازنة وبنسبة الـ84% من الفلسطينيين أنفسهم، وباعتبار المساعدات الأمريكية متذبذبة وغير ثابتة وفي تناقص بشكل سنوي.

وقال الأمين العام للمبادرة الوطنية، مصطفى البرغوثي، قبل أسابيع، إن الفلسطينيين ليسوا بحاجة للأموال أو المساعدات الخارجية التي تقدم لهم لدعم موازنة السلطة خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، معتبرًاً أنها “غير مؤثرة بشكل كبير”، مضيفًا: التهديد بورقة المساعدات المالية والإنسانية لإجبار الفلسطينيين على الرضوخ للغة للابتزاز والإملاءات السياسية التي تستهدف القضية الفلسطينية، باتت مكشوفة ونحن لسنا بحاجة لها، وأشار إلى أن “الجميع يعتقد أن السلطة الفلسطينية تعتمد بشكل كبير في نفقاتها على تلك المساعدات التي تقدم لها من الخارج، لكن حقيقة الأمر أن هذا فهم خاطئ فمجمل ما يقدم لنا من مساعدات لا يمثل 16% من الموازنة المالية للسلطة، والباقي يتحصل عليها من المواطنين وبنسبة 84%”.

وأوضح الأمين العام للمبادرة الوطنية، أننسبة الـ16% لا تشكل خطرًا كبيرًا على الفلسطينيين في حال قطعها عنهم، وسيكون الفلسطينيون أكثر تحررًا من التبعية الأمريكية وحتى الإسرائيلية، كون تلك المساعدات غير المستقرة لن تقلب الأوضاع الاقتصادية في فلسطين ولن تسقط مؤسسات السلطة، وأشار إلى الدعم المالي الأمريكي الذي يقدم للسلطة الفلسطينية لا يتجاوز الـ300 مليون دولار سنويًا من أصل1.2 مليار دولار قيمة المساعدات الخارجية الممنوحة لها، ومعظمها لا يذهب مباشرة إلى خزينة السلطة، إنما لصالح المشاريع الإنمائية التي تنفذها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية”.

فشل الضغوط السعودية

تلويح ترامب بورقة المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية، دليل جديد على فشل المخططات الصهيوأمريكية التي كانت تقودها المملكة العربية السعودية، حيث حاولت الرياض بكل ما أوتيت من قوة ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على السلطة الفلسطينية للقبول بما يسمى “صفقة القرن”، وقد ظهر ذلك في استدعاء المملكة للرئيس الفلسطيني، محمود عباس، مرتين خلال أقل من شهرين.

وعرض ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، على عباس في المرة الأولى مطلع نوفمبر الماضي، أن تكون مدينة “أبو ديس” عاصمة للدولة الفلسطينية بدلًا من القدس، وأن يقبل بالإملاءات الصهيوأمريكية، مقابل إغداق الأموال عليه شخصيًا وعلى السلطة الفلسطينية بشكل عام، لكنها رفض، وتبعتها قرار ترامب في 6 ديسمبر بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، الأمر الذي وضع عباس في موقف لا يحسد عليه أمام شعبه والفصائل الفلسطينية المقاومة، لتضطر المملكة إلى استدعائه مجددًا في 19 ديسمبر، ورغم التكتم الواضح على نتائج زيارة الثانية، إلا أن المؤشرات وتصريحات رئيس السلطة الفلسطينية التي تلت الزيارة توحي بأن المفاوضات فشلت وأن الضغوط السعودية الأمريكية لم تجد نفعًا.