قراءة في أوراق ترشح وتراجع الفريق شفيق

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

تزامن إعلان الفريق أحمد شفيق التراجع عن ترشحه مع إعلان اللجنة الوطنية للانتخابات عن بدء الإجراءات الانتخابية، وقبل ساعات قليلة من الإعلان رسميًّا عن موعد الانتخابات الرئاسية، بدا تراجع شفيق في صورة مبايعة للسيسي، وظهر الفريق في صورة مغايرة بدرجة كبيرة للصورة التي ظهر عليها حين قدم نفسه من الإمارات كبديل قادر على وقف التدهور والتردي القائمين، وفي مصر وبعد أربعين يوماً اكتشف شفيق أنه ليس الرجل الأمثل، وتأكد من الإنجازات التي حققها النظام،  ثم جاءت صورته عبر بيان التراجع على هيئة الرجل غير المناسب للمرحلة.

 

وجاءت ثالثة الأثافي متزامنة مع تراجع شفيق عن الترشح وإعلان بدء العملية الانتخابية حين انفجرت موجة جديدة من التسريبات التي ـ إن صحت أو لم تصح ـ تفصح عما هو معروف بمجرد المتابعة للإعلام وخاصة لبرامج “التوكشوز”، والمتابع لهذه البرامج ليس في حاجة إلى تسريبات النيويورك تايمز، ولا تسريبات قنوات الاخوان، لكي يتيقن من أن الأبواق الاعلامية تردد ما يملى عليها؛ ويكاد يكون بنفس العبارات؛ ونفس الألفاظ ونفس الايماءات؛ كأنهم جميعاً يؤدون دوراً مرسوماً وضع لمساته مخرج واحد.

 

ويكفي أنهم جميعاً هاجموا الفريق شفيق أشد الهجوم وبنفس العبارات على شتى المحطات الفضائية يوم أعلن ترشحه، ثم تراجعوا جميعاً حين تراجع هو عن الترشح، وانقلب التهجم إلى مديح، وصار المرشح المتهم في وطنيته سابقاً هو رجل المواقف الوطنية الكبرى حين تراجع.!

 

واضح لكل ذي عينين يقرأ بهما مجريات الأحداث وتصاعدها أن النظام ظل يسعى بالإجراءات والتشريعات لكي تخرج الانتخابات الرئاسية على مقاس واحد، لا يسمح بغير التجديد المريح للرئيس السيسي لفترة رئاسية ثانية.

 

وقبل أكثر من سنة جرت محاولات كثيرة للتعامل مع تلك الانتخابات، بعضها حاول إطالة الفترة الرئاسية الحالية إلى ست سنوات، وبعضها حاول تعديل الدستور لفتح المدد الرئاسية من دون قيد الدورتين فقط، ثم جاءت الإجراءات التي أعلنتها اللجنة الوطنية للانتخابات التي ستبدأ يوم 20 من الشهر الحالي، على أن تتسلم الأوراق اللازمة لقبول المرشحين بصورة كاملة  في مدة تنتهي في 29 من الشهر نفسه ليغلق باب الترشح بعدها، إضافة إلى أنها حددت شهراً واحدا للدعاية يكون المرشح ملزماً بتقديم نفسه إلى الناخبين في ربوع مصر من الاسكندرية لأسوان ومن العريش إلى مطروح، وهي فترات زمنية لا تسمح بإجراء انتخابات حقيقية من الناحية العملية لمنصب له أهمية وحساسية منصب رئيس الجمهورية.

 

تراجع شفيق حقق للنظام نتيجة إيجابية لكنها محدودة التأثير، حيث بات الناس يتساءلون عن جدوى العملية الانتخابية نفسها بعد تراجع المرشح صاحب الحظ الأوفر في منافسة حقيقية وجادة، فانقلبت الانتخابات إلى استفتاء، وصارت الحملات الانتخابية مقصورة على مرشح واحد له أكثر من حملة مبايعة.

 

تراجع شفيق جعل فكرة الكومبارس صعبة التطبيق هذه المرة، ولن ينظر الناس إلى أي مرشح يستطيع الحصول على أوراق الترشح المطلوبة في هذه المدة القليلة إلا باعتباره المرشح الكومبارس الذي سمح له بالولوج إلى معركة انتخابية سابقة التجهيز ومعروفة النتائج، مجرد مرشح يضفي الشكل الانتخابي على عملية استفتاء جربتها مصر طويلاً.

 

الشكل وحده لا يكفي لإضفاء شرعية حقيقية على الانتخابات الرئاسية وسيكون الحضور الجماهيري في العملية الانتخابية واحدة من أهم المشاكل التي تواجه مخططي ومهندسي الانتخابات، ويكفي أن نتذكر المشهد في الانتخابات السابقة وأبواق النظام تناشد المواطنين النزول إلى المقار الانتخابية التي بدت خاوية على عروشها في الكثير من الدوائر، وقد جرت تلك الصورة على مسمع ومرأى من العالم كله وقد كانت شعبية السيسي في أوج قمتها وفي اندفاعتها الكبرى، فما بالك اليوم وقد جرت مياه عكرة في نهر هذه الشعبية المتراجعة إلى حدودها الدنيا.

 

لست من الحالمين الذين تصوروا أنه بالإمكان إدخال مرشح قوي إلى قصر الاتحادية، وإن كنت مع القائلين بأن ترشح شفيق كان يمكن أن يوفر مجالاً لمنافسة ليست صورية، وما زلت أعتقد أن الرئيس السيسي يمكنه رغم التراجع الواضح في شعبيته ورغم الاهتزاز الملحوظ لشرعيته إلا أنه قادر على الفوز بفترة رئاسية ثانية حتى في ظل منافسة مع مرشح مثل الفريق شفيق، ولكن النظام المتوتر والمرتعب من التصويت العقابي ضد الرئيس المرشح أراد إخراج المشهد الانتخابي على هذه الصورة السيئة.

 

فقدان ورقة شفيق أفقد النظام مصداقيته في اجراء انتخابات نزيهة رغم أنه بقليل من التزوير كان يمكن للنظام أن يستعيد بعضاَ من شرعيته المفقودة، والتي سوف تتأثر أكثر فأكثر بتحول الانتخابات الرئاسية القادمة إلى استفتاء على شاكلة استفتاءات مبارك التي بقي عبرها ثلاثين سنة في الحكم بدون شرعية حقيقية غير شرعية الأمر الواقع.

 

القوى المدنية التي تطرح نفسها كبديل خسرت بدورها معركة الانتخابات الرئاسية قبل أن تبدأ، خسرتها أولاً بعدم قدرتها على التوافق على مرشح من بينها يكون قادراً على المنافسة من ناحية وأن يكون قادراً على لم شمل هذه القوى في معركة جامعة من ناحية أخرى، وبدت تلك القوى كالجوعان الذي يحلم بسوق العيش، فحلمت بمرشح من خارج صفوفها ـ يفتح المجال العام لإمكانية منافسة حقيقية، وتطلعت إلى أن يمثل ترشح الفريق شفيق مفتاحاً إلى الدخول في عملية انتخابية يتوفر فيها الحد الأدنى من الشروط الموضوعية للمنافسة، فخسرت بتراجعه رهانها وخرجت من كل حساب انتخابي جاد وحقيقي.

 

انطوت صفحة شفيق من الحياة السياسية، وانطوت معها فرصة كانت سانحة لتفتح المجال العام، ولم يستطع النظام أن يغالب هواجسه ولا أن يعلو فوق مخاوفه من أن يتمكن مرشح له مواصفات الفريق شفيق من استغلال الظروف الأمنية والاقتصادية والسياسية والمناخ العام في مصر التي تعمل كلها لصالح مرشح قوي خاصة إذا كان من داخل النظام وله ثقل بين أروقته الخلفية.

 

في المحصلة غنم الفريق أحمد شفيق السلامة، وخسر الرئيس عبد الفتاح السيسي فرصة كبيرة لترسيخ شرعية نظامه عبر اجراء انتخابات حقيقية على مقعد الرئيس، وخسرت المعارضة مرتين، وخسرت الحياة السياسية إمكانية نفخ الروح في أوصالها وجريان الدم في عروقها المتصلبة حتى باتت جسدا ميتاً وهو أمر يفتح المجال واسعاً أمام المجهول.