عبد الناصر راعي الكرامة ونصير «الغلابة»

يتميز الزعيم جمال عبد الناصر عن غيره من الرؤساء الذين جلسوا على كرسي الرئاسة بمصر أنه كان دائمًا ما يحرص على عزة مصر والمصريين على المستويين الداخلي والخارجي؛ لينفرد بمميزات جعلته مختلفًا عن غيره. وفي التقرير التالي نرصد مواقف من قائمة طويلة في هذا الشأن.

الإصلاح الزراعي

بعد أن قضت ثورة يوليو على الملك، بدأت في القضاء على الإقطاع أحد ركائز الاحتلال الانجليزي، فصدر قانون الإصلاح الزراعي في 7 سبتمبر 1952، بعد الثورة بخمسة وأربعين يومًا؛ بهدف إعادة توزيع ملكية الأراضي الزراعية في مصر بحد أقصى 200 فدان للفرد.

بلغ مجموع الأراضي التي تم نزع ملكيتها في ظل قانون الإصلاح الزراعي ما يزيد على نصف مليون فدان، أي ما يزيد على 8% من إجمالي المساحة المنزرعة في مصر في ذلك الوقت، حيث وزعت هذه الأراضي على الفلاحين، الذين عانوا تحت وطأة الاحتلال، وأراد عبد الناصر أن يرد جزءًا من حقوقهم، وقد وزعت هذه الأراضي وفقًا لنظام معين من الأولويات، بحيث أعطيت الأولوية عند التوزيع لمن كان يزرع الأرض فعلاً مستأجرًا أو مزارعًا، ثم لمن هو أكبر في العائلة من أهل القرية، ثم لمن هو أقل مالاً منهم، ثم لغير أهل القرية.

الخبز

لعل أبلغ المواقف التي تدل على مدى اهتمام عبد الناصر بتفاصيل دولته رغم انشغاله بالحرب ما يرويه أمين هويدي، الذي كان وزيرًا معاونًا للزعيم لشؤون مجلس الوزراء في الفترة من “1967 – 1970” في كتابه “مع عبد الناصر”، حيث قال إنه في إحدى جلسات مجلس الوزراء عرض عبد الناصر عددًا من أرغفة الخبز أمام الوزراء، أحضرها من مواقع شتى في عاصمة البلاد، معبرًا عن غضبه من وزير التموين؛ بسبب الحالة التي وصل إليها الرغيف، سواء من ناحية الحجم أو الوزن أو اللون، قائلاً للوزراء “من يقدر يأكل مثل هذا الخبز؟ هل هذا معقول؟”، مطالبًا بعلاج سريع للموقف عبر أجهزة التموين، مع موافاته بالنتائج التي تشهد بما تم من إصلاحه في رغيف العيش، كل هذا يحدث وفي نفس الوقت تجد عبد الناصر في الجبهة الأمامية للقتال، ويطلع على آخر استعدادات الجيش وحالته التدريبية، ثم يأخذ جولة إلى القضايا السياسية وقضايا الأمة العربية.

تأميم القناة

أدرك عبد الناصر خيوط اللعبة، وأن الأمة التي لا تمتلك قوت يومها ستكون عرضة للتبعية والذل والهوان من الجميع؛ لذلك كان قراره تأميم قناة السويس ونقل ملكيتها من الحكومة الفرنسية إلى الحكومة المصرية مقابل تعويضات تمنح للأجانب، خصوصًا وأن ما تحصل عليه مصر من أرباح القناة وقتها كانت نسبته لا تزيد على 5% من أرباح القناة مجملاً، وهي نسبة ضئيلة جدًّا ومجحفة بحق المصريين.

العدو اللدود إسرائيل كانت القناة بالنسبة له عنق الزجاجة، فمن خلالها تمر السفن إلى الكيان الصهيوني، وتمده بكل احتياجاته من سلع أساسية واستراتيجية، فقد أراد عبد الناصر أن يكون لديه ورقة ضغط دائمة على الكيان الصهيوني، وهو بالفعل ما استغله بإغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، وما تبعه من نكسة 1967 ثم حرب 1973.

التسليح

تسليح الجيش أيضًا تعرض فيه القائد المصري لمواقف كشف فيها عن حكمته وذكائه، فبعد رفض الغرب تزويد مصر بالسلاح والغارة الإسرائيلية على غزة عام 1955التي أزالت الستار عن ضعف الجيش المصري، حيث كان يمتلك 6 طائرات صالحة للاستعمال وكمية من الذخيرة تكفي لمعركة مدتها ساعة واحدة، ولكي تواصل إنجلترا إذلالها لمصر بعد اتفاقية الجلاء، أرسلت لمصر في عام 1955م 40 دبابة من نوع منتريون، دون أن تكون معها طلقة واحدة من الذخيرة، وعندما احتجت مصر، شحنت لها 10 قذائف لكل دبابة، وهذا يعني أن هذه الذخيرة لا تكفي لمجرد التجارب الأولية فقط.

من المواقف السابقة أدرك عبد الناصر أن تبعية التسليح ستكون شوكة دائمة في ظهره، فقرر التوجه إلى المؤتمر الآسيوإفريقي في باندونج بإندونيسيا، وعقد صفقة الأسلحة التشيكية لمصر، وبموجبها اشترت مصر أسلحة سوفييتية، من بينها مقاتلات “ميج”، وقاذفات اليوشن، ودبابات ستالين، وغواصات، ومدافع، وزوارق طوربيد، وعربات ميدان، وأنظمة رادارية.

صفقة عبد الناصر وجهت رسائل للغرب، على رأسها أن مصر لن تربط تسليحها بكتلة أو دول معينة، الأمر الذي دفع بريطانيا إلى المطالبة بحظر تصدير السلاح للشرق الأوسط، كما أزعجت هذه التطورات إسرائيل؛ لأنها اعتبرت أن تطوير تسليح الجيش المصري سيشكل خطرًا عليها، خصوصا وأنها كانت تعتبر الوجود البريطاني في منطقة قناة السويس بمثابة حماية لها، لكن بعد الجلاء أصبحت في مرمى نيران عبد الناصر.

أطفال لومومبا

موقف آخر أدرك فيه عبد الناصر أن الحفاظ على كرامة أبناء رئيس إفريقي كالحفاظ على كرامة المصريين أنفسهم، ضاربًا المثل بالزعيم الذي يضع في اعتباره دائمًا البعد الإفريقي لدولته، فقد نجح وعن طريق الفريق سعد الدين الشاذلي الذي كان قائدًا للكتيبة المصرية الموجودة في الكونغو؛ للسيطرة على الأوضاع في البلاد عقب حودث أول انقلاب عسكري، في تهريب أبناء باتريس لومومبا أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية، فبعد أن اغتيل لومومبا، كلف عبد الناصر الشاذلي بتهريب أبناء الزعيم الإفريقي بأي شكل، وهو ما نجح فيه بالفعل بإخراج أبناء لومومبا من هناك على أنهم أبناء عبد العزيز إسحق، حتى وصلوا إلى مصر، فقد أنقذهم من أن يلقوا مصير والدهم، وهو القتل، ووفر لهم حياة كريمة في مصر.