«صهينة الجولان».. هدف يضعه الاحتلال نصب عينيه

يحاول الاحتلال الإسرائيلي بكافة الطرق والوسائل إيجاد موطئ قدم له في الجولان السوري المحتل، مستخدمًا تارة أسلوب الترغيب والتودد لأهالي الجولان الرافضين للتطبيع مع الاحتلال الصهيوني، وتارة أخرى محاولة الدخول من بوابة الانتخابات؛ لفرض شرعية على وجوده هناك، وتارة ثالثة استغلال الأزمة السورية لفرض أمر واقع على المدينة المحتلة، لكن أهالي الجولان المتمسكين بالوحدة الوطنية ومواجهة التطبيع مع الاحتلال على اختلاف مواقفهم السياسية، لا يزالون يمثلون شوكة في حلق الاحتلال وعقبة كبيرة أمام تحقيق مخططاته.

تنظيم الانتخابات.. ذريعة جديدة

أكد وزير داخلية الاحتلال الإسرائيلي، أرييه درعي، أمس الأحد، أن الوزارة قررت إجراء انتخابات محلية في الجولان السوري المحتل في أكتوبر المقبل؛ وذلك “لتمكين المواطنين هناك من اختيار ممثليهم بحرية، بدلًا من نظام التعيين الذي كان مُعتمَدًا طوال العقود الماضية”، وأضاف “درعي” المسؤول عن قرار الانتخابات في الجولان: “هذه خطوة تاريخية، وحان الوقت ليتمكن المواطنون في الجولان، وبالتحديد في قرى “مجدل شمس” و”مسعدة”، و”بقعاثا” و”عين قنيا”، من اختيار ممثليهم في السلطات المحلية بحرية وديمقراطية”، فيما أكدت صحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية أنه “تم في الجولان تعيين مجالس محلية مؤقتة لإدارة أمور هذه القرى الجولانية، لحين الانتخابات المحلية المزمعة في أكتوبر المقبل”.

الجدير بالذكر أن محاولات إسرائيل، هذه المرة الدخول من بوابة تنظيم الانتخابات في الجولان، لم تكن الأولى، فالعدو الصهيوني حاول مرارًا فرض الانتخابات المحلية على قرى الجولان، التي يعتبرها جزءًا من محافظة الشمال الإسرائيلية، لكن الأهالي دائمًا ما كانوا يعترضون ويُفشلون المخطط الصهيوني، ففي يوليو الماضي بعث وزير داخلية الاحتلال أيضًا برسالة إلى رؤساء المجالس المحلية المعينة في القرى السورية المحتلة، أبلغهم فيها بأن “وزارة الداخلية تبحث الخطوات اللازمة لإدارة المجالس المحلية في المرحلة الانتقالية، حتى موعد الانتخابات المقبلة سنة 2018″، وهو ما رفضه رؤساء المجالس هناك، كما رفضته الحكومة السورية، وبعثت حينها رسالتين إلى الأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، تحذر فيهما من مخططات الاحتلال التي تهدف إلى “سلب الشخصية العربية للمنطقة”.

غضب جولاني

هذا القرار الصهيوني أثار غضب الجولانيين، الذين لا يزالون منذ احتلال إسرائيل للأراضي العربية، بما فيها هضبة الجولان السورية عام 1967، يرفضون حمل الهوية الإسرائيلية وإجراء انتخابات محلية تسعى إسرائيل لتنظيمها منذ سنوات، بهدف فرض المواطنة الإسرائيلية على أبناء القرى الجولانية، وإقرار واقع جديد قبل ضم مرتفعات الجولان السورية إلى قوام إسرائيل بشكل نهائي وفق المخطط الصهيوني.

في ذات الإطار أصدر الأهالي في المدينة السورية المحتلة بيانًا يعبر عن رفضهم للقرار الصهيوني، معتبرين  إياه خطوة مدروسة للاستحصال منهم على الاعتراف بشرعية الاحتلال، وشدد الأهالي في بيانهم على “تمسك أبناء الجولان بالوحدة الوطنية على اختلاف مواقفهم السياسية، لمواجهة مخططات الاحتلال التي كثرت في الآونة الأخيرة، وترمي إلى قنص هوية الجولان السورية، مستغلة الأوضاع المأساوية والمؤسفة التي يمر بها وطننا الغالي”.

دعم المليشيات

يبدو أن الاحتلال الصهيوني لا يبالي برفض أهالي الجولان وجوده في مدينتهم المحتلة، وإصرارهم على عدم إعطائه أي شرعية سياسية أو قانونية داخل أراضيهم السورية الأصل، كما أن الاحتلال لم يظهر أي احترام أو مراعاة للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، التي سبق أن أقرت ببطلان مزاعم الاحتلال بسلطته على الجولان وفرض قوانينه عليه، حيث أكد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قرار برقم 497، صدر في 17 ديسمبر عام 1981، أن الاستيلاء على الأراضي بالقوة غير مقبول بموجب ميثاق الأمم المتحدة، واعتبر قرار إسرائيل حينها بفرض ما يسمى “قانون الجولان” الذي يحكم من خلاله القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية قبضته على الهضبة المحتلة، مُلغًى وباطلًا ودون فعالية قانونية على الصعيد الدولي.

لم يجد الاحتلال الصهيوني أفضل من الأزمة السورية، التي اندلعت في عام 2011، وسيلة لتشريع وجوده هناك، حيث بات الحديث عن دعم الاحتلال الصهيوني للجماعات المسلحة الإرهابية في سوريا مؤكدًا لا يقبل الشك، ويأتي على رأس هذه الجماعات تلك التي تسمى بـ”لواء فرسان الجولان”، التي دعمتها إسرائيل مرارًا بالأسلحة والأموال، ناهيك عن الدعم العسكري من خلال قصف مناطق القنيطرة والجانب السوري من الجولان بين الحين والآخر، كخطوة لتقديم الدعم للجماعات المسلحة هناك وكسب ودها.

من جانبها لم تتوانَ المعارضة السورية المسلحة عن إظهار استعدادها لتسليم الجولان إلى الاحتلال في حال إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، كشكل من أشكال رد الجميل للكيان الصهيوني على دعمه إليها خلال الأزمة، حيث عرض عضو الهيئة السياسية لما يسمى ائتلاف المعارضة السورية “كمال اللبواني”، في مارس عام 2014، أن تتدخل إسرائيل لدعم ما يسمى الجيش الحر مقابل التنازل عن الجولان السوري للصهاينة، وقال “اللبواني” حينها في حديث لصحيفة العرب اللندنية: لماذا لا نبيع قضية الجولان في التفاوض أفضل من أن نخسرها ونخسر معها سوريا؟

ونتيجة للدعم والقبول اللذين تلقتهما إسرائيل من جانب الجماعات المسلحة، تجرأت الحكومة الإسرائيلية في 17 إبريل عام 2016، وعقدت اجتماعها التاريخي الأول على أرض الجولان، برئاسة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، في محاولة لتوجيه رسالة سياسية إلى المجتمع الدولي والدولة السورية وأهالي الجولان المحتل، بأن الجولان” أصبحت أرضًا إسرائيلية.

محاولات التودد

العمل على تطوير البنية التحتية في الجولان السوري شكّل أيضًا بوابة طرقها الاحتلال الصهيوني لكسب ود الأهالي هناك وترغيبهم في وجوده، ففي سبتمبر الماضي كشفت مواقع إسرائيلية أن منظمة “إسرائيلية أمريكية” يديرها رجل أعمال إسرائيلي يحمل الجنسية الأمريكية يدعى “موتي كهانا” قد أنشأت مدرسة في محافظة إدلب شمال سوريا، وتعتمد منهاجًا يؤسس لنظرة مختلفة تجاه إسرائيل، وقالت المواقع الإسرائيلية حينها إن المدرسة تضم 90 طالبًا و15 مدرسًا، وتضاف إلى مدرستين أنشأتهما المنظمة ذاتها جنوب سوريا في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة قرب حدود الجولان، وحسب “كهانا” فإن هذه الخطوة هي واحدة من مجموعة خطوات تهدف إليها المنظمة لإحداث تغيير في موقف الشعب السوري تجاه إسرائيل.

في ذات الإطار فإن الاحتلال يحاول تقديم عدة امتيازات من أجل ترغيب اليهود في الإقامة والعيش في الجولان المحتل؛ لفرض الأمر الواقع في المدينة، على غرار ما حدث في العديد من المدن الفلسطينية، حيث يتم إعفاء السكان اليهود هناك من الضرائب، فضلًا عن رفع كفاءة البنية التحتية وإقامة المزيد من المستوطنات هناك وتوسيعها وتطويرها ومنحها مساحات جديدة لأغراض البناء والزراعة والسياحة، وتلبية مطالب اليهود هناك كافة، في محاولة لجذب المزيد من السكان للإقامة في هذه المستوطنات، بهدف تغيير الواقع الديموجرافي لصالح اليهود الذين يعدّون أقلية هناك حتى الآن.