صفعة عهد على وجه صفقة القرن

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

لست أميل إلى ذلك التلخيص المخل الذي يلجأ إليه البعض حين يختصرون انتفاضة روح المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال في بطولة عهد التميمي، تلك الفتاة الشقراء التي شبت على مقاومة الاحتلال وكانت لها مواقف مشهودة يوم لم تكن تتجاوز الثانية عشرة من عمرها.

 

ذلك أنني أرى أن الرمزية الحقيقية فيما فعلته عهد التميمي تتمركز حول بطولة جيل جديد تبشر عهد بقدومه وبفاعليته وعنفوانه، وربما صارت هي الآن أحد عناوين جيل يتجاوز كل أزمات الأجيال التي مضت على طريق المقاومة، ويعرف طريقه ببصيرة نافذة، ووعي كبير، جيل أكثر صلابة من جيل سبق، وأكثر وعياً من جيل سبق، وأكثر جذرية من كل الأجيال.

 

شاركت عهد كما طلائع جيلها في العديد من التظاهرات في مواجهة الاستيطان ومصادرة إسرائيل أراضي قريتها النبي صالح، ولم تتخلف عن المشاركة فيما جرى خلال الأسابيع القليلة الماضية في أعقاب القرار المجنون باعتبار القدس عاصمة إسرائيل الأبدية ونقل سفارة واشنطن اليها، وهي الانتفاضة التي تثبت كل يوم أن عهد المقاومة تشرق شمسه من جديد وأن هذا الشعب لا يمكن تغافل وجوده أو التغاضي عن عدالة قضيته.

 

مشهد الصفع الذي تصدر وسائل الاعلام العبرية والعالمية أزاح الغمامة التي أغلقت عيون العالم عن أن ترى وجه إسرائيل القبيح، كأن عهد التميمي قد كتبت بيديها الصغيرتين افتتاحية جديدة للمقاومة، وأقدمت بصلابة تفوق صلابة الرجال الشجعان على مفتتح المقاومة بالصفعة إلى جانب المقاومة بالحجر والسكين، تلك الصفعة التي زلزلت إسرائيل اصابتها في كرامتها، لأنها كانت صفعة الكرامة والعز من فتاة فلسطينية ترفض الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأراضي، كما ترفض الفكرة الشيطانية التي يتبناها ترامب وبعض حكام العرب والتي تقوم على تصفية القضية الفلسطينية، واعتبارها بقايا تاريخ لابد له أن ينزاح من طريق التطبيع بين العرب والصهاينة.

 

صفعة تلك اليد الصغيرة التي سطرت كرامة أمة، لم توجه فقط على وجه الجندي الإسرائيلي المدجج بالسلاح في مواجهتها وهي لا تملك غير يديها العاريتين من أي شيء غير الكرامة والعنفوان، يل كانت كأنها صفعة شعب مقاوم في مواجهة صفقة القرن المشبوهة.

 

ولدت عهد في زمن استشهد فيه ياسر عرفات «أبو عمار»، واستشهدَ خالها أمامها، وعاشت وهي ما تزال طفلة صغيرة مشهد اعتقال والدها، وأصرت على زيارته في الأسر وكانت لا تستطيع ملامسة وجه أبيها وهي تحادثه من وراء الزجاج من دون أن تستطيع تضع قبلة على وجنتيه.

 

هذه الفتاة الصغيرة البريئة الخجولة هي ابنة بيئة مليئة بمظاهر الاشتباك المستمر مع الاحتلال الإسرائيلي، وقد نشأت في ظل أقسى الظروف، ولم تكن تحلم بغير أن تصبح لاعبة كرة قدم، وقد عرفت مبكراً ان الاحتلال سرق منها ومن كل أطفال فلسطين كل شيء حتى أحلامهم الصغيرة والبريئة، وهي لا تحب تمثيل دور الضحية في مأساة شعبها مع الصهاينة، ولا تطلب الشفقة من أحد، ولذلك جاءت صورة مقاومتها على هيئة صفعة تسقط بها كرامة المحتل وترفع بها كرامة الشعب الذي تمثل.

 

لا تنتمي عهد إلى حركة ولا إلى حزب، بل لعلها مثل جيلها على امتداد رقعة الوطن العربي قد سئمت من الحركات والأحزاب التي تراوح مكانها لا تتقدم ولا تتأخر، وحسب كلام أبيها فقد كانت تقول: «أنا فلسطينية»، وطالما رأت في الأحزاب سبيلاً لتحرير الوطن ليس إلا، وقد قالت عهد مرة في أمسية شاركت فيها، مخاطبة الأحزاب «إذا ما قدرتوش تلموا شملكم وتتوحّدوا، وبالتالي ترجّعلونا حيفا ويافا وكل فلسطين، فأنا أقول لكم مثلما قال غسان كنفاني: «إذا كنتم مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغير المدافعين، لا أن نغير القضية».

القيمة الحقيقية لما مثلته عهد التميمي تتمثل في اكتشافها أو ربما كشفها عن أن وسائل المقاومة لا تتوقف عند حد، ولا تتوقف على وسيلة دون أخرى، المقاومة بكل ما أوتي المقاومين من وسائل، وأثبتت أن المقاومة بالصفعة يمكن أن تكون أجدى حتى من مقاومة السكين والخنجر والحجارة، هي مقاومة نزع كرامة المحتل وتثبيت كرامة المقاومين.

 

ذكرتني عهد بالشهيد باسل الأعرج، بعهدٍ جديد ليست هي أوله ولن تكون آخر حباته الغضة، بهذا الجيل الذي يرفض الخنوع، ويرفض تفرق الفصائل، وتشرذم القوى الفلسطينية، وقد كان الأعرج نموذجا فذاً في مقاومة الاحتلال ومقاومة واقع الانقسام حتى الاستشهاد، ولم يوقف نضاله اليومي بدعوى البحث عن الإجماع الوطني، رأى أن مجموع النضالات الفردية يمكن أن تقفز فوق الانقسامات التنظيمية، والولاءات الحزبية الضيقة، اشتبك باسل الأعرج مع واقعه، وظل في حالة اشتباك بالوعي والمقاومة حتى آخر لحظة في حياته حين كان اشتباكه الأخير في مواجهة غير متكافئة مع قوات الاحتلال التي سعت إليه في مخبأه وظل يقاومهم لمدة ساعتين، وبعد نفاد ذخيرته، اقتحمت قوات الاحتلال المنزل الذي كان يتحصن فيه وقتلته وسط أقلامه وكتبه واختطفت جثمانه.

 

حياة قصيرة (31 عاما) قضاها الأعرج وانتهت إلى نهاية تليق بهذه النوعية من الرجال، تقدم الدرس ببلاغة الفعل وليس بفصاحة الكلمات، تقول إن الأعرج الفلسطيني عرَّى وكشف كساح الكثيرين والكثيرين من مثقفي العرب العجزة.

 

عهد بنت هذه النبتة وهذه البيئة وهذه التوجهات، بنت مشروع التجاوز الذي تحمله تلك الأجيال الجديدة التي تمثلها عهد التميمي وشعارها لن تمر صفقة القرن وفي قلوبنا رمق من روح وفي عروقنا بقية من أنفاس تتردد في صدورنا.

 

هذه الصفعة مزقت كل أستار الخوف، كسرت عهد التميمي الهيبة التي يتخفى وراءها جنود الاحتلال مدججين بالسلاح، كما أنها وجهت صرخة احتقار في وجوه العرب المتخاذلين والعرب المتواطئين والعرب الصهاينة والعرب المتصهينين.

 

صفعة عهد التميمي جاءت لتوجه لطمة قوية على وجه صفقة القرن ولتصرخ في وجه الجميع بأن فلسطين قضية غير قابلة لطي صفحاتها وعصية على اغلاق ملفاتها طالما يولد على أرضها أجيال ترضع مع لبن الام حليب الكرامة والتشبث بالأرض والمقاومة ولو بالصفع.

 

هذه اليد الصغيرة التي صفعت وجه العالم تبشر بأن هذا الجيل سينجح فيما فشل فيه الأبناء والأجداد.