خفض الجناح للناس

فى كتابه “عشرة أدباء يتحدثون”، سأل الكاتب الصحفى فؤاد دوارة الأديب الكبير توفيق الحكيم: “متى اهتديت إلى أسلوبك فى الكتابة؟”، أجاب توفيق الحكيم بدهشة: “وهل أنا اهتديت إلى أسلوبى بعد؟ إنى عملة ضائعة فى كومة من القش أبحث عن نفسى باستمرار، وكلما أبصرت شيئا لامعا وسط القش وظننته العملة ومددت يدى لالتقاطها فرت من أمامى واختفت مرة أخرى وسط الظلام”. متى قال توفيق الحكيم هذا الكلام؟ قاله فى عام 1964، أى وهو فى قمة مجده الأدبى فى الستينات، وبعد أن أصبح هو من هو، ليعطينا درسا كبيرا فى التواضع.

وفى لقاء تليفزيونى مع الأديب الكبير نجيب محفوظ، فى أعقاب فوزه بجائزة نوبل فى الآداب عام 1988، سأله المذيع الشاب وقتها جمال الشاعر، متى سيكتب سيرته الذاتية فى كتاب؟ قال نجيب محفوظ بكل تواضع إن الذين يكتبون سيرهم الذاتية تكون حياتهم ثرية بالمواقف الصعبة والأحداث الكبيرة المؤثرة فى المجتمع، أما الإنسان البسيط مثله، فحياته تفتقد تلك الأشياء ليكتب عنها.

والأديب السورى الكبير حنا مينه كتب وصيته وهو فى الرابعة والثمانين ونشرها فى الصحف، وأعرب فيها عن رغبته فى ألا يُحتفى به ميتا، وألا يبكيه أحد ولا يحزن عليه أحد، وألا تقام له حفلة تأبين. وأصر على جنازة بسيطة ومتواضعة مثل حياته، يحمل نعشه فيها أربعة أشخاص من دائرة دفن الموتى، ثم يهيلون التراب على جثمانه وينفضون أيديهم من بعد وكأن أمرا لم يحصل. هذا ما منى حنا مينه نفسه به بُعيد وفاته، وكأنه يريد أن يموت بهدوء بعيدا عن صخب الإعلام والضجيج الذى يرافق عادة وفاة الأدباء الكبار، وفى منأى عن مراسم العزاء وحفلات التأبين الرسمية.

هكذا هم متواضعون أغلب العظماء فى التاريخ, لأنهم لا يتوقفون عن مقارنة انفسهم, لا مع الآخرين, وإنما مع تلك الفكرة عن الكمال التى يملكونها أمام أنفسهم, ويعرفون إلى أى درجة هم بعيدون عن بلوغها. أنهم يعرفون حقيقة أنفسهم، ويعترفون صراحة بما هم عليه من ضعف وعجز، ويعاملون البسطاء من الناس على قدر عقولهم بدون غرور أو تكبر.

والتواضع هو خفض الجناح للناس ولين الجانب لهم، وسُئل الفضيل بن عياض عن التواضع، فقال: “أن تخضع للحق وتنقاد له وتقبله ممن قاله”. ويرتبط التواضع بثلاث فضائل، هى: الصدق والعدل والشجاعة. والمقصود بالصدق، صدق الإنسان مع نفسه، وفى هذا يقول الفيلسوف الفرنسى رينيه ديكارت: “كلما قلت معرفة الإنسان بنفسه ازداد كبرياء”. ذلك أن معرفة الإنسان لنفسه تجعله يدرك ما فى نفسه من عيوب ونقائص، فيتواضع ولا يستكبر على الناس. ومعرفة الإنسان لنفسه تجعله يعرف نفسه على حقيقتها، لا كما يريد أن يوهم الناس، يعرفها بلا تزويق ولا نفاق ولا خداع. وإذن فالتواضع نتيجة لمعرفة الإنسان لحقيقة نفسه.

كما أن التواضع مصاحب للعدل، لأن العدل الذى يعطى لكل ذى حق حقه هو الترياق المضاد للأنانية، التى لا ترى إلى أبعد من نهاية أنفها والتى تجعل من الأنا مركز الكون. فى كتابه “عشرة أدباء يتحدثون”، سأل فؤاد دوارة الأديب الكبير يحيى حقى: “يأخذ عليك البعض أنك تكاد تكون رئيس التحرير الوحيد الذى لا يكتب بانتظام فى المجلة التى يرأس تحريرها، فما السبب؟”، أجاب يحيى حقى قائلا: “أنا أتصور أن الدولة قد سلمت رئيس التحرير وظيفته لا ليتبحبح فيها كما يشاء، ولا ليطلع على القراء بمقال له كل عدد، بل لينشر على القراء أحسن ما يصله من مقالات، ومن بين ما يصله مقالته هو، فإذا وجد فيما يصله ما هو أفضل منها نشره دونها”.

ومثل هذه الصراحة مع النفس، وهذه العدالة مع الناس، تقتضى بالضرورة الشجاعة فى كل لحظة. الشجاعة ليتغلب الإنسان على أنانيته، وليتخلص من انحيازه لنفسه فى آرائه ووجهات نظره، وليخلع قناع الخداع للآخرين، وليمزق مظاهر الكذب على الناس، وليصفى نفسه من مخدر غروره بنفسه وبملكاته، خصوصا وأن الغرور كثيرا ما يتخذ عند الخبثاء الماكرين قناع التواضع الزائف. ولهذا ينبغى على المتواضع حقا، لا نفاقا، أن يتخلص من هذا القناع الذى طالما لبسه المنافقون من أمثال طرطوف، ذلك المنافق النصاب الذى صاغه بإبداع الكاتب المسرحى الفرنسى موليير. إن التواضع ليس معناه ألا تُشعر الآخرين أنك أفضل منهم، بل ألا تشعر أصلا أنك أفضل منهم، فالتواضع فضيلة تنتفى لحظة أن يخطر بتفكيرك أنك متواضع.

المهم فى التواضع ألا يتحول إلى وضاعة، وألا يكون عن ضعف وخضوع وإذعان، وألا يكون أساسه شعور الإنسان بفقدان الثقة فى نفسه. فى كتابه”الخيارات التى تغير الحياة”، حدد المؤلف الأمريكى هال أيربان أربعة أشياء يتجنبها المتواضعون: لا يعتقدون أنهم يعرفون كل شىء، لا يعتقدون أنهم دوما على حق، لا يتفاخرون، لا ينتقدون غيرهم. وقديما قال أحد الحكماء: لا تنتقد غيرك وإلا فسينتقدك الآخرون. فبنفس الطريقة التى تحكم بها على غيرك يحكم غيرك عليك، وما تقيسه عليهم يقيسونه عليك. فلماذا تنشغل للذرة فى ثوب أخيك، ولا تنتبه للبقعة فى ثوبك أنت؟

لم يختر أى شخص منا والديه ولا وطنه ولا دينه، ولم يكن له أى خيار فى ظروف ولادته ونشأته. فأى شخص منا قد يولد بصحة جيدة أو يولد بصحة ضعيفة، وقد يولد بملامح جميلة أو يولد بملامح قبيحة، ويمكن أن تبدأ حياة أى شخص منا فى مدينة حديثة أو فى قرية فقيرة، فى قصر فخم أو فى بيت بسيط، فى أسرة مسلمة أو مسيحية أو يهودية أو أى ديانة أو عقيدة أخرى. إن كم الاحتمالات لا حدود لها، وبالتالى فنحن لا نستحق أى شىء مما نحصل عليه فى بداية حياتنا. لا يستحق أى شخص منا أن يكون جميلا أو قبيحا، ثريا أو فقيرا، من أغلبية مميزة أو من أقلية مضطهدة، كل هذه الأشياء لا دور لنا فيها، وتفهم تلك الحقيقة وإدراكها جيدا، هو بداية الشعور بالتواضع والتسامح وقبول الآخر.