خطوات الاقتصاد التركي في إفريقيا.. مقدمات الحضور السياسي والعسكري

لم تكن الخطوة التركية بإدارة ميناء سواكن السوداني فتحًا تركيًّا “جديدًا” في إفريقيا، بقدر ما جاءت كتتويج طبيعي، بل ومتأخر ربما، للنفوذ التركي المتنامي في القارّة، نفوذ غير واضح ظاهريًّا، وإن قام على جذور ترجع إلى أواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي، حين وضعت الدولة التركيّة، كدولة صناعية صاعدة، خطة عمل لـ”الانفتاح على إفريقيا” وفق تعبيرها، ومن هنا تم تدشين الخطوات الاقتصادية التركية الثابتة، والمتزايدة باطراد، وصولاً إلى العقد الحالي، الذي شهد عملقة تجارية تركية في القارّة الغنيّة بالموارد، والتي تمثّل ميدانًا خصبًا للاستثمار بأنواعه، كما تمثل سوقًا ضخمًا للصادرات، وعلى النقيض تتسم الأغلبية الساحقة من دولها بالضعف البالغ والفقر والتخلف في البنية والانهيار التنموي، الأمر الذي يفتح باب الاستفادة والاستغلال للدول والكيانات الأقوى والأكثر تطورًا والأعلى إمكانية للفعل.

اقتصاديًّا وعسكريًّا وعلى صعيد البحث العلمي والتقني، ترتكز تركيا، إقليميًّا على عدة نقاط ومساحات للحضور والنفوذ والتحالف المباشر وغير المباشر، تضمّ منطقة القوقاز ومجموعة الدول الناطقة بالتركية، وإفريقيا، والحضور العسكري التركي في قطاعات بشمال سوريا وشمال العراق، والنفوذ العسكري التركي بالوكالة في ليبيا، والتحالف مع الكيان الصهيوني في المجالات الاقتصادية والبحثية والعسكرية.

البدايات

في نفس عام تولّى الرئيس التركي الحالي رئاسة الوزراء، 2003، وضعت مستشارية التجارة الخارجية التركية استراتيجية لتطوير العلاقات الاقتصادية مع إفريقيا، وبحلول عام 2005 انضمت تركيا إلى الاتحاد الإفريقي بصفة مراقب، وفي ذات العام تم اعتماد السفارة التركية في العاصمة النيجيرية أبوجاشريكا في ثاني أكبر تكتّل اقتصادي إفريقي، المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ECOWAS التي تضم 14 دولة بخلاف تركيا، هي نيجيريا والسنغال وساحل العاج وغانا والمملكة المغربية والنيجر ومالي وليبيريا وجامبيا وغينيا بيساو وبوركينا فاسو وسيراليون وتوجو وبنين.

شهد عام 2008 انطلاقة عملية للحضور الاقتصادي، والسياسي المترتب عليه، لتركيا في القارّة، فأعلن الاتحاد الإفريقي تركيا شريكًا استراتيجيًّا، وعُقدت في أغسطس من ذلك العام قمة التعاون التركي الإفريقي الأولى في إسطنبول، وتمخّضت عن “إعلان إسطنبول للشراكة التركية الإفريقية”، الذي شمل إطارًا عمليًّا لتفعيل الشراكة الاقتصادية البينية، وآلية لمتابعة التفعيل، أثمرت بدورها عقد اجتماع على مستوى الرؤساء في ديسمبر عام 2010، ثم على المستوى الوزاري عام 2011 في إسطنبول، وعُقدت القمة الثانية في غينيا الاستوائية عام 2014.

العقد الحالي.. الانتشار الاقتصادي التركي

مع الحضور الفاعل في المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا، التي تُعد تركيا أغنى مكوّناتها بطبيعة الحال، تم اعتماد السفارة التركية في العاصمة التنزانية دار السلام شريكًا في مجموعة شرق إفريقيا الاقتصادية EAC عام 2010، وتضمّ المجموعة 5 دول، هي تنزانيا وكينيا وأوغندا ورواندا وبوروندي، وبحلول عام 2012 تم اعتماد السفارة التركيّة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا شريكًا في الهيئة الحكومية للتنمية IGAD التي تضم 8 دول، هي المكوّنة لمنطقة القرن الإفريقي ومحيطها، حيث المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهي إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي والصومال وكينيا وأوغندا وجنوب السودان والسودان، وفي ذات العام التحقت السفارة التركيّة في لوساكا، عاصمة زامبيا، بالسوق المشترك لشرق وغرب إفريقيا، مجموعة دول الكوميسا COMESA التي تضم 19 دولة على طول وعرض خريطة القارة، تقع في مناطق البحيرات العظمى والقطاعين الجنوبي والشمالي من القارّة والقرن الإفريقي وساحل المحيط الهندي، وبعد خطوات الانتشار تلك، التي تتضح منهجيتها في إطار استراتيجية اقتصادية مُحكمة، كانت خطوة إضافية عام 2013 باعتماد السفارة التركيّة في ليبرفيل، عاصمة الجابون، شريكًا في المجموعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا ECCAS، التي تضم 10 دول، هي تشاد والكاميرون وأنجولا ووسط إفريقيا والكونغو والكونوغو الديمقراطية وبوروندي والجابون وغينيا الاستوائية وساو تومي إي برنسيب.

على جانب آخر رأست تركيا عام 2010، بالشراكة مع مصر، المؤتمر الدولي لمانحي إعادة إعمار وتنمية دارفور السودان، الذي عُقد في القاهرة، كما استضافت إسطنبول مؤتمر الأمم المتحدة الرابع للبلدان الأكثر فقرًا، منتصف عام 2011، والذي ضم عددًا كبيرًا من الدول الإفريقية، فضلاً عن تولّي تركيا تفعيل “إطار عمل” للأمم المتحدة بخصوص أزمة الصومال، الغارق في الانهيار المالي والسياسي والإداري لعقود، بإقامة مؤتمرين بعنوان “إسطنبول – الصومال” عامي 2010 و2012، الأمر الذي لحقه افتتاح منتدى الشراكة مع الصومال في فبراير 2016، ليحمل سبتمبر من عام 2017 تتويجًا عسكريًّا للعلاقات بافتتاح القاعدة العسكرية التركيّة في الصومال، التي بلغت تكلفتها 50 مليون دولار، وتتولى كذلك تدريب وتشغيل عناصر عسكرية صومالية، بعد أن وقّعت تركيا اتفاقية للدفاع المشترك مع إثيوبيا منتصف عام 2015، في توقيت هام تضمّن أيضًا إحدى محطات الخلاف الإثيوبي المصري حول مياه النيل وقضية سد النهضة، وبالتزامن مع بداية تقارب قطري إثيوبي، تزايَد حتى أثمر في نوفمبر من عام 2017 عدة اتفاقيات ثنائية، منها واحدة بين وزارتيّ الدفاع في البلدين، وفي نفس العام شهدت إثيوبيا استثمارات تركيّة هائلة في مجالات الطاقة وصناعة الأدوية والمعالجة الصناعية للمنتجات الزراعية.

إجمالاً ارتفعت الصادرات التركية إلى دول جنوب الصحراء الكبرى، أي العمق الإفريقي الكامل جنوبيّ دول الساحل الإفريقي، من 1.5 مليار دولار عام 2006 إلى 4 مليارات دولار عام 2013، مع اعتماد نسبي لهذا السوق على سلع تركيّة منخفضة التكلفة، كالأجهزة المنزلية الصغيرة على سبيل المثال، ما جعل من جنوب إفريقيا، بحجمها الاقتصادي الفارق عن محيطها، ومعها نيجيريا، أكثر الأسواق نموًّا لمنتجات تلك الصناعة في تركيا، وفي منطقة شمال إفريقيا ارتفعت الصادرات التركيّة من نحو 3 مليارات دولار عام 2006 إلى أكثر من 8 مليارات عام 2015، بعد أن بلغت 10 مليارات عام 2013، مع الاستثمارات المباشرة في مجالات الطاقة والبنية التحتية وأغلب القطاعات التي أحجمت عنها الاستثمارات الصينية، التي سبقت مثيلتها التركيّة في غزو القارة اقتصاديًّا.