“جوجل” تحكم العالم

طالما روجت شركة جوجل صورة مثالية عن نفسها ومؤسسيها والخدمات التي تقدمها، بينما هناك جانب آخر من الصورة يبدو شديد القتامة حول سطوة واستغلال جوجل للمعلومات الشخصية التي بحوذتها عن مستخدمي الإنترنت والهواتف المحمولة.

يركز كتاب “ملف جوجل” للباحثان الألمانيان أليفه تورستن فريكه وأولريش نوفاك على كشف كيف تحولت جوجل من شركة تقدم خدمات في مجال الإنترنت والفضاء الرقمي إلى مؤسسة عملاقة يمتد نفوذها لعشرات المجالات التي تتحكم من خلالها في حياة ومصائر ملايين البشر حول العالم.”منذ أمد ليس بقصير، لم تعد جوجل محرك بحث فقط. لقد تحولت جوجل إلى شركة عملاقة تضم بين جناحيها مئات من شركات، إنها إمبراطورية أسهمنا، نحن جميعًا في تأسييها، حين زودناها، طواعية، بالكثير من البيانات، وهكذا تجمع لدى جوجل بيانات يندرج بعضها في خانة معلومات نحرص كل الحرص على حجبها عن فضولية الآخرين. ولم تجمع جوجل هذه البيانات اعتباطا بل من أجل توظيفها في نشاطات تجارية عملاقة”.

 

الكتاب الصادر في نسخته العربية ضمن إصدارات سلسلة عالم المعرفة بترجمة: عدنان عباس علي، يحتوي على تسعة فصول تتبع وتحلل مسيرة شركة جوجل ومؤسسيها “لاري بيج” و”سيرغي برين” منذ بدايتهما في منتصف تسعينيات القرن الماضي، مرورًا بالتحولات الكبيرة التي شهدتها جوجل مع بداية الألفية الجديدة، وصولًا إلى اللحظة الحالية التي امتدت سطوة جوجل للعديد من المجالات العلمية والصناعية، بالإضافة لهيمنتها على سوق محركات البحث، وتطبيقات مثل “جوجل كروم” و”جي ميل”، بالإضافة لحضورها البارز في مجال الهواتف النقالة من خلال نظام ” أندرويد”.

كنز المعلومات

يحذر مؤلفا الكتاب من همينة جوجل التي أصبحت متواجدة في كل مكان، وتترك بصمتها على حياتنا، وتتسلل الى خصوصياتنا، وتحدد الأجندة الاقتصادية والسياسية لكثير من الدول والمجتمعات. “جوجل قوة عظمى، إن تاريخ البشرية لم يشهد، مطلقا، مؤسسة تمارس بمفردها الفاعلية والتأثير اللذين تمارسهما جوجل، بلا رقابة ولا محاسبة. الإنترنت ألغى حدود الدول، جعل العالم لا تحده آفاق؛ ليس لما فيه من خير البشرية فحسب، بل الوبال عليها أيضا، وهكذا، أضحى بمستطاع جوجل أن تصول وتجول في العديد من الميادين الاقتصادية والمجالات التجارية، محتكرة لنفسها فروعا اقتصادية بكاملها، وملزمة إياها وإيانا بالانصياع لقواعد تخدم مصالحها الخاصة، أولا وأخيرا”.

تشير الاحصائيات التي يتضمنها الكتاب إلى أن شركة جوجل استطاعت خلال الفترة بين عامي 2002 و 2014، الاستحواذ على 170 شركة. كما أن محرك البحث سيطر على ما يقرب من 70% من إجمالي عمليات البحث في الشبكة العنكبوتية. “بحسب ما تنبأ به كولين غيليس المحلل في شركة الاستثمار المالي الأمريكية، فإن في مستطاع شركة جوجل أن تصبح مستقبلاً أول شركة مسجلة في بورصة أمريكية يزيد رأس مالها السوقي عن تريليون دولار أميركي، وهو ما يعني بالتبعية أن لاري بيج وسيرغي برين اللذين يمتلكان معاً نحو 60% من الأسهم الحالية للشركة، سوف يمتلكان وقتها ثروة تبلغ 300 مليار دولار لكل منهما، وهي ثروة تبلغ أربعة أضعاف ثروة بيل غيتس الحالية”.

تسعى جوجل لرقمنة البشر عن طريق المعلومات التي تحصل عليها من خلال محركات البحث أو الهواتف النقالة، ولم تكتف جوجل بذلك بل تسعى لأن تراقب البشر في ممارساتهم الحياتية العادية من أجل أن تصنع نموذجًا لكل شخص قادر على معرفة احتياجاته وتطلعاته ورغابته، ثم تأتي المرحلة التالية، وهى توجيه وتحفيز هذه الرغبات تجاه منتجات ومواقف محددة، وعبرهذه المنهجية تضمن جوجل السيطرة على كافة الأسواق التي تدخلها. “إن جوجل تعرف أين يسكن مستخدمو محركها، وما يفرحهم وما يقلقهم، وماهية المنتجات التي تحظى باهتماماتهم، والأمراض التي تستحوذ على أفكارهم، ومن هم جيرانهم ومن هذه المعلومات، بإمكانها تصميم صورة تفصيلية يمكن من خلالها التعرف على سبيل المثال على الجدارة الائتمانية أو على الوضع الصحى. وغني عن البيان أن تصميم هذه الصورة قد يسفر عن تداعيات لا يستهان بها بالنسبة إلى مستخدمي موقع جوجل؛ فقد يطلب منهم، بين ليلة وضحاها، دفع معدلات فائدة أعلى على ما بذمتهم من قروض، أو أن ترفض شركة التأمين الصحي التأمين عليهم”.

ممارسات احتكارية

يوضح مؤلفا الكتاب أن ما تحققه جوجل من مكاسب وطفرات لا يدعو للفخر، بقدر ما يدعو للتساؤل والقلق في ظل العديد من قضايا التهرب الضريبي التي تواجه جوجل، بالإضافة لممارسات جوجل الاحتكارية في العديد من المجالات، فضلًا عن إختراقها للبيانات الشخصية لمستخدمي الإنترنت “إن جوجل تكسب أكثر من ثمانين في المائة من دخلها من جمع وفهرسة وتخزين المعلومات، وذلك من أجل أن تخلق لنفسها صورة عن شخصية أصحاب هذه المعلومات، للتعرف على اهتماماتهم والتنبؤ بسلوكهم، وبيع هذا كله إلى الزبائن أرباب الإعلانات من ناحية ولأطراف أخرى أيضًا، وفي المحصلة النهائية، تنتهج جوجل أساليب مطابقة من الناحية العملية للأساليب الدارجة لدى وكالة الأمن القومي الأمريكية أو لدى وكالة الاستخبارات البريطانية”.

يروى المؤلفان العديد من الحوادث والقضايا التي تواجهها جوجل وكيف تتحايل على هذه القضايا عبر دفع رشاوي أو تعويضات زهيدة كما حدث في قضية (صور جوجل ستريت) حيث قامت الشركة عام 2010 بإطلاق العديد من السيارات في مناطق شتى بالولايات المتحدة، وقامت تلك السيارات بتصوير جميع الأبنية والمنازل والشوارع، وهو ما أثار حفيظة عدد كبير من الأفراد الذين استهجنوا قيام الشركة بالتلصص على ما اعتبروه حرية شخصية وحقاً خاصاً بهم.

المشكلة سرعان ما تفاقمت بعد فترة قصيرة، عندما تم اكتشاف قيام تلك السيارات باختراق الشبكات اللاسلكية غير المؤمنة، والحصول على الكثير من البيانات الخاصة لمستخدميها “ورغم أن الشركة قامت بنفي هذه القصة في البداية، إلا أنها اعترفت في النهاية بوقوع ذلك الأمر، ووصفته بالخطأ العفوي الذي لم يلحظه أحد فترة طويلة من الزمن، وبعد تحقيقات ومرافعات استمرت لنحو عامين، تصالح محامو الدفاع مع الشركة بعدما دفعت سبعة ملايين دولار، مع العلم أنها في تلك الفترة قد حققت أرباحاً وصلت إلى ما يقرب من 13 مليار دولار”.

كذلك تم اتهام جوجل بأنها راقبت ـــ بنحو غير شرعي ـــ سلوك ملايين الأفراد وهم يدخلون على الشبكة العنكبوتية من خلال متصفح سفاري التابع لشركة آبل، وأنها قد خزّنت ما جمعته من معلومات عن هؤلاء الأفراد، وقد استطاعت جوجل أن تتوصل إلى تسوية مع المدعي العام بعدما دفعت غرامة مالية بلغت 17 مليون دولار.

انحيازات جوجل

عندما يقوم شخص بالبحث عن معلومة مستخدمًا محرك البحث “جوجل” يظهر عدد هائل من النتائج، لكن عدد قليل من هذه النتائج هى ما يركز عليها جوجل ويضعها في الصدارة، في حين يتم تهميش مواد كثيرة، وأحيانًا يقوم جوجل عمدًا بحذف بعض المصادر التي لا تروق للشركة، يوضح مؤلفا الكتاب أن هذه الانحيازات والخيارات التي يضعها جوجل في صدارة البحث أصبحت تشكل رؤيتنا للعالم وللحياة وتحدد تواجهاتنا السياسية والاقتصادية. “تبسط جوجل عما قريب سلطانها على الحكومات، والألية بسيطة: التعرف على الحالات، التي تشير فيها استطلاعات الرأي إلى أن فرص مرشحين معينين للفوز في الانتخابات متقاربة جدًا، ثم رصد المرشح الذي يلبي طموحات جوجل أكثر من غيره، ودعم هذا المرشح، ومساندة حملته الانتخابية. من ثم يجرى التعرف على الناخبين الحياري، أي الذين لم يقرروا بعد وبشكل نهائي المرشح الذي يستحق أي يمنحوه أصواتهم، وذلك للتركيز عليهم، وإغراقهم بنتائح بحث مفصلة بحسب خصائصهم الفردية تعلي من شأن المرشح المفضل من قبل جوجل ومع مرور الأيام يهجر الكثير من الناخبين تفضيلاتهم السابقة”.

يوضح مؤلفا الكتاب الكيفية التي تؤثر بها نتائج البحث في قرارات الناخبين “إن للمرتبة وللتسلسل الذي تحتله نتائج البحث تأثيرًا كبيرًا في أصوات الناخبين؛ وعمومًا يمكن القول إن سبب هذا التأثير يتطابق إلى حد ما، مع السبب الذي يؤثر في سلوك المستهلكين؛ فكلما احتلت نتائج البحث حيزًا أعلى، كان عدد الأفراد الذين يصدقون ما تردده هذه النتائج، والذين يثقون بموضوعيتها أكبر، وحتى إن لم تنفذ جوجل عملية التضليل بشكل مقصود، فماذا سيحدث لو أن خوارزمية جوجل قد وضعت مشرحًا في صدارة نتائج البحث من دون أن يتدخل أحد في تحديد تسلسل نتائج البحث؟ أي بعبارة أخرى، لو كان التفضيل حدث بشكل (عضويًا) فبحسب ما أعربت عنه جوجل، فإن هذا هو بالضبط ما يفسر الفارق الكبير الذي أحرزه باراك أوباما في كل الشهور السابقة على الانتخابات الرئاسية الأمريكية في العام 2008. لنفترض أن خوارزمية معينة قد أسفرت، في سياق حملة انتخابية تحاول كسب ود 100 مليون ناخب عن احتلال نتائج البحث الخاصة بمرشح ما مرتبة الصدارة. وهكذا، فحتى إن افترضنا أن %6 من الناخبين لم يحسموا موقفهم بعد_علمًا أن النسبة السائدة في الدول الصناعية هى أعلى من % 6 بكثير_ فإن الأمر الواضح هو أن اختباراتنا تشهد بجلاء على أن نحو مليون ناخب سيصوتون لمصلحة هذا المرشح بفعل التحريف المتحيز الذي طرأ على تسلسل نتائج البحث”.