«ثقافة» الحريات والتحريم في مئوية الزعيم

تمر علينا اليوم، الذكرى المئوية لميلاد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي تمتع بشعبية كبيرة على المستوى العربي، وكانت جنازته أشبه بالعيد القومي، حيث شيعه أكثر من خمسة ملايين شخص، وكانوا يرددون فى صوت واحد “لا إله إلا الله، ناصر هو حبيب الله، كلنا ناصر”.

وسعى الزعيم جمال عبد الناصر، الذي أطاح بالملك فاروق، آخر حاكم من أسرة محمد علي، إلى ترسيخ مكانة مصر بين الدول العربية، ودمج الفكر الإسلامي والاشتراكي، من خلال علماء الأزهر لما لهم من قيمة ثقافية ومكانة، وأمر بتغيير مناهج الأزهر؛ كونها غير متناسبه مع الوقت وحتى تستطيع أن تساير فكر الجيل الجديد، وأنشئت في عهده المدارس المختلطة، وتم تطوير المناهج الدراسية، وصدرت فتوى بقبول المسلمين الشيعة والعلويين والدروز في صلب الإسلام.

وانطلق الشعراء والمثقفين في عهد عبد الناصر نحو تأسيس مجتمع يحترم الحريات، وانعكس ذلك على أعمالهم؛ مثل مسرحية “الأيدي الناعمة” لتوفيق الحكيم، تماهيا مع مقولة ناصر “العمل شرف، العمل واجب، العمل أمانة”، وأراد ترسيخ هذه المبادئ من خلال مسرحيته، ورغم شخصية المثقف الحالم التي طاغت على المثقفين آنذاك، لكن ثمة حالة من القمع عانى منها بعض الصحفيين والمثقفين، الذين خالفوا سياسات عبد الناصر.

ورغم مساندة عبد الناصر لبعض الأدباء؛ من بينهم الكاتب توفيق الحكيم، الذي أشاد بسياسات الراحل في أعماله المسرحية، عانى بعضهم من الاضطهاد، مثل إحسان عبد القدوس، والصحفيين محمود وأحمد أبو الفتح، الذين تعرضوا للسجن، حتى المقربين له، حيث تعرض مصطفى أمين، مؤسس صحيفة أخبار اليوم، وفكري أباظة، رئيس تحرير المصور ورئيس مجلس إدارة دار الهلال، وأحمد أبو الفتح، مؤسس جريدة المصري للحبس.

العلاقة القوية بين ناصر وأمين لم تشفع للأخير وقت الخلاف، فالراحل كان يكلف مؤسس صحيفة أخبار اليوم بالاتصال بالولايات المتحدة، وكانت القيادة تمده بما ينبغي أن يقوله لمندوبي أمريكا، وعندما ساءت العلاقات بين ناصر وأمين، قبضوا عليه وحاكموه بتهمة التخابر مع أمريكا، وصدر عليه الحكم بالسجن 9 سنوات.

قدم عبد الناصر ثلاثة كتب، توضح آراءه السياسية في مختلف القضايا الداخلية والخارجية؛ الأول “يومياته عن حرب فلسطين”؛ عبارة عن أربعة فصول الأول (عندما تكلم الرئيس) ويحتوى على يوميات جمال عبد الناصر في حرب فلسطين، والتي صاغها محمد حسنين هيكل ونشرها فى مجلة آخر ساعة عام 1955، والثاني “اليوميات الشخصية لجمال عبد الناصر”، الثالث يتضمن اليوميات الرسمية له، والرابع “المخطوطات”، ويعتبر صورة طبق الأصل من دفترى يومياته الرسمية والشخصية بخط يده.

كما قدم كتابًا آخر بعنوان “فلسفة الثورة”؛ عبارة عن خواطر تحمل أفكار الرئيس جمال عبد الناصر، قام بتحريرها وصياغتها محمد حسنين هيكل وصدر عام 1954م، ويتكون من ثلاثة أجزاء؛ “ليست فلسفة”، و”العمل الإيجابي”، و”بعد غيبة ثلاثة شهور”، وجاء في المقدمة: “ولكنها ليست لشرح أهداف ثورة 23 يوليو 1952 وحوادثها، وإنما دورية استكشاف لنفوسنا لنعرف من نحن وما هو دورنا في تاريخ مصر المتصل الحلقات. واستكشاف الظروف المحيطة بنا في الماضي والحاضر، لنعرف في أي طريق نسير. واستكشاف أهدافنا والطاقة التي يجب أن نحشدها لنحقق هذه الأهداف. واستكشاف الظروف المحيطة بنا، لنعرف إننا لا نعيش في جزيرة يعزلها الماء من جميع الجهات”.

وأخيرًا كتاب “في سبيل الحرية” عام 1959، ويسرد حياة عبد الناصر الطالب بالمدارس الثانوية، وتناول أحداث معركة رشيد الخالدة عام 1807، وكيفية تصدي الأهالي للحملة الإنجليزية بقيادة فريزر، ولم يستكملها الزعيم، حتى أجرت وزارة الثقافة مسابقة لاستكمالها، وفاز بالمركز الأول الكاتبين عبد الرحمن فهمي وعبد الرحيم عجاج، وتم إقرارها في مقرر المدارس الثانوية في العام 1970 – 1971، وحولتها الإذاعة المصرية إلى مسلسل إذاعي بطولة ماجدة ومحسن سرحان.

ورثى الرئيس الراحل، الشعراء والكتاب والشيوخ؛ من بينهم نزار قباني، الذي قال: “قتلناكَ.. يا آخر الأنبياءْ.. قتلناكَ.. ليس جديدا علينا.. اغتيال الصحابة والأولياء.. فكم من رسول قتلنا.. وكم من إمام ذبحناه وهو يصلى صلاة العشاء.. فتاريخنا كله محنة.. وأيامنا كلها كربلاء.. نزلت علينا كتابا جميلا.. ولكننا لا نجيد القراءةْ.. وسافرت فينا لأرض البراءةْ.. ولكننا ما قبلنا الرحيلا.. تركناك في شمس سيناء وحدكْ.. تكلِّم ربك في الطور وحدك.. تعري.. وتشقى.. وتعطش وحدكْ.. ونحن هنا.. نجلس القرفصاءْ.. نبيع الشعارات للأغبياءْ.. ونحشو الجماهير تبنا.. وقشّا.. ونتركهم يعلكون الهواءْ”.

وكتب فيه الشيخ محمد متولي الشعراوي: “مات جمال وليس بعجيب أن يموت، فالناس كلهم يموتون، لكن العجيب وهو ميت أن يعيش معنا، وقليل من الأحياء يعيشون وخير الموت ألا يغيب المفقود وشر الحياة الموت في مقبرة الوجود، وليس بالأربعين ينتهى الحداد على الثائر المثير، وقد كان البطل الماثل فلتة زعامة وأمة قيادة وفوق الأسطورة للريادة لأن الأسطورة خيال متوهم وما فوق الأسطورة واقع مجسم، والزعامات في دنيا الناس تجليات، فليس الزعيم الذى يعمل لك بنفسه طوال عمره إلى نهاية أجله، لكن الزعيم الذى يعلمك أن تعمل بنفسك لنفسك طوال عمرك إلى نهاية أجلك، وعلى مقدار تسلسل الخير فيه يكون خلود عمره”.