تسريبات أمريكية.. هل تورطت مصر في صفقة القرن؟

في الأمس سرّبت الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من المعلومات والتسجيلات تقول من خلالها بأن هناك موافقة مصرية ضمنية على قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وهو الأمر الذي يخالف الموقف الرسمي المصري المعلن برفض قرار ترامب المعترف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل.

وتنوعت مصادر التسريب الأمريكية حول هذا الموضوع، حيث كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أربعة تسجيلات لنقيب في المخابرات المصرية، يدعى أشرف الخولي، مع ثلاثة مقدمي برامج حوارية وهم مفيد فوزي، وعزمي مجاهد، وسعيد حساسين، بالإضافة إلى يسرا الممثلة، والمطلوب منهم إقناع الرأي العام المصري بعكس موقف القاهرة الرسمي المستنكر والرافض لقرار ترامب، والتسويق لفكرة سياسة الأمر الواقع، حيث حث الخولي الإعلاميين على تنفيذ توجهات تخدم على حد تعبيره الأمن القومي المصري، حيث قال في أحد اتصالاته المسربة: ما الفرق بين رام الله والقدس؟ وأضاف: لو وصلنا أن نتنازل وتكون عاصمة فلسطين هي رام الله بحيث تنتهي الحرب، فمن الممكن أن نفعل ذلك مقابل ضبط الحدود. وأضاف أن القبول بقرار ترامب سينهي معاناة الشعب الفلسطيني، وأن أي انتفاضة ستعيد حماس إلى المشهد، وهذا ما لا تريده القاهرة، وفق كلام الخولي. المفارقة أن كلام الخولي يتزامن مع دور مصري للمصالحة بين فتح وحماس برعاية المخابرات المصرية، الأمر الذي يزيد من غموض هذه التصريحات.

تسريبات الصحيفة الأمريكية تزامنت مع صدور كتاب أمريكي بعنوان “نار وغضب” لمايكل وولف، كشف فيه عن كواليس البيت الأبيض وأسرار الرئيس ترامب، وتحدث الكتاب الذي استند إلى شهادات مستشار سابق للرئيس الأمريكي الحالي، ستيف بانون، عن صفقة القرن بشأن القضية الفلسطينية، حيث ذكر في إحدى الفقرات أن الإدارة الأمريكية الحالية حصلت على ضمانات من السعودية ومصر بالضغط على الفلسطينيين للقبول بتلك الصفقة، شواهد الكتاب لها ما يبررها على أرض الواقع، مثل ما تسرب عن زيارة رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، قبل أيام قليلة من إعلان ترامب المثير للجدل إلى السعودية، قيل حينها إن الرياض طلبت من أبو مازن القبول بدولة محجمة بدون القدس عاصمة لها، وتم طرح أبو ديس كبديل عنها، ويقال إن العرض السعودي لأبو مازن ترافق مع محاولة توزعت بين الترهيب والترغيب.

وكانت صحف غربية تحدثت عن اعتراض الرياض والقاهرة على توقيت إعلان قرار ترامب وليس على القرار نفسه، ويربط مراقبون حديث الصحف الغربية بمجريات السياسية والتحركات المصرية بعد قرار ترامب، فصحيح أن مصر حاولت إصدار قرار من مجلس الأمن، لكن مشروعها لم يأتِ على ذكر قرار ترامب الأخير حول القدس على نحو صريح وواضح، وحتى ترامب لم يقطع المعونات عن مصر، خاصة أنه لوّح بقطع المساعدات الأمريكية عن الدول التي تعارض قراره في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

كما أن مشاركة كل من القاهرة والرياض في القمة الإسلامية بتركيا حول القدس الشهر الماضي جاءت بالحد الأدنى من التمثيل الدبلوماسي أو بتمثيل دبلوماسي أقل من المستوى الرئاسي، حيث أوفدت القاهرة وزير خارجيتها، سامح شكري، ونقل موقع «ميدل إيست آي» البريطاني عن مصادر لم يسمها أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، اجتمع بعباس في القاهرة، وضغط عليه لعدم حضور القمة الإسلامية والتقليل من أهميتها.

في السبت الماضي اختتمت في عمان أعمال اجتماعات وزراء الخارجية المشاركين في اللقاء الوزاري العربي، الذي ضم مصر والسعودية والإمارات والمغرب وفلسطين، بالإضافة إلى الأردن؛ لمناقشة تداعيات القرار الأمريكي القاضي بالاعتراف بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل، وفيه تحفظت القاهرة والرياض على اقتراح أردني لعقد قمة عربية طارئة لبحث قرار ترامب بشأن القدس، وفقًا لمصادر أردنية.

من جهته قال محرر الشؤون العربية بالقناة العاشرة العبرية، تسفي يحزيقالي، إن “قرار الرئيس الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لـ”إسرائيل” ما كان ليصدر لولا حدوث تفاهمات على المستوى الإقليمي بين ترامب والسعودية ومصر”.

وفي مقابلة أجرتها القناة العبرية ذاتها مع وزير الاستخبارات والمواصلات لدى دولة الاحتلال، يسرائيل كاتس، كشف أن الإدارة الأمريكية قامت مسبقًا بالتنسيق مع قادة من الدول العربية بشأن قرار ترامب حول القدس، وبدء إجراءات نقل السفارة الأمريكية إليها.

ولا يبدو صمت الأنظمة العربية بشكل عام مبررًا في ظل الخطوات الإسرائيلية المتلاحقة والمتسارعة لاغتصاب القدس، فلا ردود عربية تذكر على تشريعات الكنيست الأخيرة، كقانون القدس الموحدة والذي يمنع أي حكومة إسرائيلية من التفاوض على أي جزء من القدس إلا بعد موافقة ثلثي أعضاء الكنيست، ولا على تصويت حزب الليكود الأخير حول ضم الضفة الغربية والقدس لإسرائيل، والذي قد يتحول إلى قانون في حال تمريره للكنيست الإسرائيلي.

وسبقت الحديث عن صفقة القرن مجموعةٌ من الإرهاصات التي رآها مراقبون أنها تؤصل بطريقة أو بأخرى لهذه الصفقة، خاصة في مصر والسعودية، فالتنازل المصري عن جزيرتي تيران وصنافير أصبح الرابح الأكبر لهذا التفريط هو إسرائيل، فممراتها البحرية باتت سالكة دون أدنى عقبات، كما أن دولاً عربية كالمملكة السعودية أصبحت طرفًا في اتفاقية كامب ديفيد وبطريقة غير مباشرة، وهو الأمر الذي يمهد لتطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية دون إحراج السعودية بمواقفها القديمة، والتي كانت تضع شرطًا لتطبيع العلاقة مع تل أبيب يتمثل في قبول الأخيرة قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما تنص عليه المبادرة العربية التي أطلقتها السعودية من لبنان 2002، كما يدور الحديث الآن عن مشاريع عابرة للحدود كمشروع نيوم، والذي تبحث إسرائيل فيه عن موطئ قدم لشركاتها فيه، والمشروع يقع بين السعودية والأردن ومصر.

وحتى الآن ليست معروفة حالةُ الضبابية التي تلف منطقة سيناء شمال شرق مصر، وما يدور فيها من هجمات إرهابية وتأثيرها على الخريطة السكانية فيها، وارتباطها الدائم والمتكرر بموضوع الوطن البديل، سواء في مصر أو الأردن، وهو الموضوع الذي أقرته قيادات فلسطينية، حيث تحدث إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، عن الخيار الأردني وعن التوطين وعن الكونفيدرالية، وقال إن أساس الكونفيدرالية في الأردن هو مع السكان وليس مع الأرض.

يشار إلى أن مصطلح “صفقة القرن” جاء لأول مرة على لسان الرئيس السيسي، عقب استقبال “ترامب” له في البيت الأبيض في 3 إبريل 2017. ومنذ ذلك الحين ووسائل الإعلام العالمية تتناول الكثير من التكهنات حول طبيعة تلك الصفقة، دون إعلان رسمي أمريكي عنها حتى الآن، ولكن تلتقي جميع التكهنات في أن الهدف الرئيسي من هذه الصفقة هو تصفية القضية الفلسطينية لصالح إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني.