تحركات مصرية سودانية بنكهة عسكرية

حالة من الغموض في العلاقات المصرية السودانية؛ ليس في العلاقة المتوترة بين القاهرة والخرطوم، فملفات التوتر كثيرة ومتشعبة ومعروفة، كالموقف من سد النهضة الأثيوبي، ومثلث حلايب وشلاتين، والاتهامات السوادنية للقاهرة بدعم المعارضة الداخلية فيها، بل في طبيعة تحركات البلدين في إدارة الأزمة.

التحركات بدأت تأخذ ملامح ذات طبيعة عسكرية، وهو ما بدا واضحًا في تحركات السودان الأخيرة تجاه إثيوبيا وتركيا، وحتى الزيارة الإريتيرية لمصر في السياق نفسه، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار حجم التوترات بين إريتريا من جهة وإثيوبيا والسودان من جهة أخرى.

وفي أجواء ملبدة بالتوتر، رسّمت السودان ملامحها باستدعاء سفيرها من القاهرة الأسبوع الماضي، أجرت السودان زيارة ذات طابع عسكري لإثيوبيا، حيث استقبل رئيس الوزراء الإثيوبي، هيلي ماريام ديسالين، يوم الاثنين الماضي في العاصمة أديس أبابا، رئيس الأركان السوداني، عماد الدين مصطفى عدوي، بعد أيام من إغلاق السودان حدوده الشرقية مع إريتريا.

وأطلع عدوي إثيوبيا على مستجدات الوضع الحدودي في السودان، وعلى نتائج الزيارات التي أجراها مسؤولون عسكريون من دول عدة بالمنطقة للخرطوم في الأيام الماضية، وقال المسؤول العسكري السوداني، إن هناك كثيرا من التحديات التي تواجه إثيوبيا والسودان، لذلك يعمل البلدان على حلها بتوسيع نطاق التعاون والتفاهم بينهما.

والعبارة التي قد تهم مصر، خاصة في ظل خلافها مع إثيوبيا، ما قاله العدوي بأن ما يضر السودان سيضر إثيوبيا، بالإضافة إلى أن رئيس الأركان السوداني، وعلى حد قوله، أطلع أديس أبابا على الزيارات الأخيرة للسودان، وهنا نعود أيضًا للإشارات العسكرية، فالزيارة التركية الأخيرة للسودان حملت في طياتها العديد من الرسائل العسكرية التي قد توجه لمصر، خاصة أن الخلفية الإخوانية التي تقرب الرئيس السوداني، عمر البشير، من نظيره التركي، رجب طيب أردوغان، في الأساس عامل توتر بين أنقرة والقاهرة بعد إقصاء الإخوان المسلمين من المشهد السياسي في مصر.

وما يعقد المشهد، أن السودان منح تركيا جزيرة سواكن المطلة على البحر الأحمر في اتفاقية مبهمة الملامح، خاصة أن أردوغان تكتم على بنود كثيرة فيها من حيث المدة والغرض، الأمر الذي قد يخفي بعدًا عسكريًا للتواجد التركي في السودان، خاصة أن حزبًا معارضًا سودانيًا كان رفض إنشاء قاعدة عسكرية تركية في جزيرة سواكن.

وبصرف النظر عن طبيعة صفقة سواكن ما إذا كانت تدور في الفلك التركي الاستثماري أو العسكري، فالزيارة التركية للسودان لم تخفِ أبعادها العسكرية وعلى أعلى مستوى، حيث عقد رئيس أركان الجيش التركي، خلوصي أكار، اجتماعا ثلاثيا في السودان مع نظيريه السوداني، والقطري، غانم بن شاهين الغانم.

وتأتي زيارة رئيس الأركان السوداني بعد أقل من أسبوع من إعلان السودان إغلاق حدوده الشرقية، الذي أعقب إعلان الرئيس عمر البشير حالة الطوارئ في ولاية كسلا المتاخمة للحدود مع إثيوبيا وإريتريا.

وكانت وسائل إعلام سودانية نقلت خبر إغلاق المعابر الحدودية مع إريتريا، قائلة إن هناك حشودا عسكرية مصرية وفصائل مسلحة من إقليم دارفور على الحدود الإريترية، وأفاد مصادر موالية للحكومة السودانية بوصول تعزيزات عسكرية من مصر تشمل أسلحة حديثة وآليات نقل عسكرية وسيارات دفع رباعي إلى قاعدة ساوا العسكرية في إريتريا.

التصريحات الإعلامية السودانية حول الحشود العسكرية المصرية مردود عليها، فحاكم ولاية كسلا شرقي السودان، آدم جماع، نفى علمه بوجود أي حشود عسكرية من الدول المتاخمة لولايته، بعد أكثر من أسبوع على إغلاق بلاده للحدود مع جارتها الشرقية إريتريا مع إعلان حالة الطوارئ في ولاية كسلا المتاخمة للحدود مع إريتريا وإثيوبيا، وأضاف جماع أن إغلاق الحدود، خطوة احترازية.

ولا تخلو عودة السفير السوداني إلى القاهرة من إشارات عسكرية، حيث قال عبد المحمود عبد الحليم، سفير السودان في القاهرة، إنه سيلتقي بمسؤولين في وزارتي الدفاع والداخلية في السودان، مؤكدا أن حكومة بلاده ستقرر عودته إلى القاهرة من عدمها، خلال الـ48 الساعة المقبلة، والحديث عن وزارة الدفاع السودانية كمرجعية لعودة السفير السوداني يطرح العديد من إشارات الاستفهام.

في المقابل، نجد أن تقاربًا مصريًا إريتريًا بدأ يتصاعد في الأونة الأخيرة، حيث حل رئيس إريتريا، أسياسي أفورقي، أمس الثلاثاء، ضيفا على نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، وتعد الزيارة الرابعة له، آخرها كان في نوفمبر 2016.

وبحسب السفير بسام راضي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، فإن السيسي رحب بالرئيس أفورقي، وأكد اهتمام مصر بترسيخ التعاون الاستراتيجي مع إريتريا في شتى المجالات، وأكد السيسي على أهمية زيادة التنسيق والتشاور بين الجانبين إزاء الأوضاع والقضايا المتعلقة بالمنطقة في إطار العمل على إحلال السلام والاستقرار والتصدي للتحديات المشتركة، وفي مقدمتها خطر الإرهاب.

وفيما يتعلق بالتواجد العسكري المصري في إرتيريا، قال متابعون، إن الوجود المصري على مستوى الخبراء ليس بجديد، بالمشاركة مع الإمارات في منطقة ساوا شمالي إريتريا، لأنها ليست قاعدة، بل معسكر تدريب للخدمة الوطنية، وممكن أن يزورها ضباط إماراتيون ومصريون، وحالة الطوارئ في السودان أمر داخلي خالص، بسبب جمع السلاح، لافتاً إلى أنه تم إعلان الحالة في أربع ولايات أخرى.

وتتزامن التحركات السودانية ذات الصبغة العسكرية مع تحركات موازية على المسار الدبلوماسي، حيث جدد السودان في رسالة إلى مجلس الأمن الدولي شكواه الخاصة بمثلث حلايب المتنازع عليه مع مصر، وبحسب بيان للناطق الرسمي باسم الخارجية السودانية، فإن الخرطوم طلبت يوم الاثنين الماضي عبر مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة عمر دهب، توزيع خطاب السودان على أعضاء مجلس الأمن، باعتباره وثيقة رسمية من وثائقه، ويجدد السودان هذه الشكوى منذ عام 1958، ويقابلها الجانب المصري برفض التفاوض أو التحكيم الدولي بشأن المثلث الحدودي.