الحرية و«السّخرة» في الرأسمالية.. تأسيس لمفهوم جديد

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

نشر موقع “أوبن ديموكراسي” البريطاني مقالا حول العمل الجبري “السخرة”، يقول إن الذين يعتقدون أن الفقر هو السبب الجذري “للسخرة” هم في حاجة إلى فهم أوسع لمعنى الحرية والإكراه.

المقال، الذي أعده جينيفيف ليبارون، نيل هاورد، كاميرون ثيبوس، وبينيلوب كيريتسيس، ذكر أن العديد من الوكالات الدولية والمنظمات غير الحكومية تؤيد التعريف القانوني للعمل “الجبري” والادعاء بأن الفقر هو السبب الجذري له، مشيرا إلى أن هذا التعريف غير شامل إلى حد كبير.

وأوضح المقال أن الذين يعتقدون أن الديناميكيات الاقتصادية مثل الفقر هي السبب الجذري للعمل الجبري يحتاجون إلى فهم أوسع لمعنى الحرية والإكراه من أجل تحسين فهم الظواهر التي يسعون إلى معالجتها.

التعريفات المعيبة

يعرف القانون الدولي العمل الجبري بأنه “جميع الأعمال أو الخدمات التي يتم فرضها من أي شخص تحت تهديد أي عقوبة دون أن يتقدم الشخص المعني لهذا العمل طوعا”.

وقد أوضحت منظمة العمل الدولية – الراعية لهذا التعريف – أن التهديد بالعقوبة يمكن أن يتخذ أشكالا مختلفة، جسدية أو نفسية أو مالية أو غيرها. كما أوضحت أيضا – وفقا للجنة الخبراء التابعة لها – أن مفهوم الإكراه أو الإجبار في المقام الأول يقتصر على الأعمال الفردية التي ترتكبها الحكومات أو أصحاب العمل، بحيث تتعارض مع حرية العامل في تقديم نفسه طوعا للعمل.

هذا بالتأكيد مقبول لكن ما يثير القلق حيال ذلك الفهم – وفقا للمقال- هو أنه ينكر الشكل الرئيسي للإكراه الموجود في مجتمع سوق العمل: الضرورة الاقتصادية.

تَعتبر منظمة العمل الدولية أن الناس يضطرون إلى العمل الجبري من أجل البقاء ما لم يكونوا أغنياء بما فيه الكفاية لتجنب الاضطرار إلى القيام بذلك. وعلى الرغم من أن الحقيقة الباردة والصعبة لمجتمعات السوق الحر هي أنك تحتاج المال للحصول على ضروريات الحياة وبالتالي البقاء على قيد الحياة، فإن جعل الفقر هو المذنب المطلق في اللجوء للعمل الجبري هي رؤية لا يرتاح إليها الضمير.

سيناريو بسيط من أحد المناطق الأكثر فقرا في العالم يكفي لجعل هذه النقطة ملموسة. تخيل أنك مزارع لديه حد الكفاف مع عائلته الصغيرة، محاصيلك تكسب القليل جدا، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن معظم العائدات تدفع إلى الشركات متعددة الجنسيات التي تزودك بالأسمدة والبذور، لكن ابنتك قد سقطت مريضة جدا. تذكر، هذه منطقة فقيرة وريفية، ليس هناك عيادة قريبة، هناك مستشفى في أقرب مدينة ولكنه مكلف وبعيد، وليس لديك شبكة الأمان الاجتماعي لدفع ثمن رعايتها أو سفرك..

هذا يتركك مع خيار واحد فقط: اقتراض المال. وكما تعلمون، لن تكونوا قادرين على تسديده، لذلك فالشخص المقرض يقدم لك خيارا: إما أن تعمل لديه أو في مصنع أخيه لمدة عام بدون أجر، ابنتك بدون المال يمكن أن تموت، ماذا تعمل؟ ومن هنا مذنب في هذا الإكراه؟.

من المهم التأكيد على أن هذا ليس مثالا غريب الأطوار. تبين ثروة من الأبحاث أن الناس في جميع أنحاء العالم يقومون بشكل روتيني باتخاذ خيارات مثل هذه بأشكال مختلفة، ويعرضون أنفسهم لأنواع محددة من علاقات العمل الاستغلالية لأن ذلك يمثل أفضل ما لديهم، أو الخيار الوحيد المتاح.

تشير المؤسسات السياسية إلى هؤلاء على أنهم “عمالة جبرية” وتجعل فقط المقرض هو المسؤول عن محنتهم، لكن هل هذا مناسب؟ يجادل هذا التقرير بأنه ليس كذلك، بدلا من ذلك، يرى التقرير أن تحديد اللوم بهذه الطريقة الفردية ليس توزيعا مقبولا أو دقيقا للمسؤولية.

لقد تم إعطاء المزارع أعلاه خيارا وحيدا وأخذه، وعلى الرغم من أن المقرض قد يكون استفاد من حقيقة أن المزارع ليس لديه خيار أفضل، لكن حقيقة أن المزارع ليس لديه خيار أفضل ليس خطأ المقرض، ومن ثم، فإن التركيز الضيق على المقرض يغيب المسؤولية عن الهياكل الأساسية الأعمق التي جعلت التبادل الاستغلالي هو الخيار الأفضل للمزارع.

في تحليلنا، المسؤولية عن هذه الحقيقة تقع على عاتق سماسرة السلطة الذين ينظمون عالمنا الاجتماعي، الذين ضمنوا أن المال هو شرط مسبق للبقاء، وتركوا المزارع دون رعاية صحية ودون حماية اجتماعية.

الفقر والحرية

نعود الآن إلى الفقر والأسباب الجذرية.. قلنا في البداية إن هناك تناقضا بين قبول تعريف منظمة العمل الدولية للعمل الجبري والاعتقاد بأن الفقر هو السبب الجذري الكامن وراءه.. يكمن محور هذا التناقض في الطريقة المفهوم بها الحرية.

في الفكر السياسي السائد، وبالتأكيد في فكر هؤلاء الذين يرسون القوانين والسياسات حول العمل الجبري، يتم فهم الحرية من الناحية السلبية، أي “التحرر من شيء”. بمعنى آخر، كلما تحررنا من عدم التدخل كلما اقتربنا من الحرية.

تسترشد المفاهيم السلبية للحرية بالمفاهيم التقليدية الجديدة المهيمنة للسوق، التي طورها مفكرون مثل فريدريش هايك وميلتون فريدمان، حيث قالوا إن الأسواق الرأسمالية تتميز بتبادل طوعي وحر ومتساوٍ بين الأفراد، وإن العمال أحرار طالما أنهم يواجهون “غياب الإكراه” من الأفراد الآخرين.

المفاهيم السلبية للحرية لا تتفق مع فكرة الفقر باعتبارها السبب الجذري للعمل الجبري. تعريف السبب الجذري هو السبب الأساسي – أي مصدر أصلي للعمل الذي يحرك سلسلة من الإجراءات الأخرى ويؤدي إلى حدث معين. لكن الفقر ليس أكثر من مفهوم مجرد ليس له سلطة من تلقاء نفسه، وبالتأكيد لا يمكن أن يجبر أي شخص على العمل لا إراديا أو تحت تهديد عقوبة.

على هذا النحو، عندما نقول إن الفقر هو السبب الجذري للعمل الجبري، نحن نقول حقا إننا نفهم أن الفقراء يتم دفعهم إلى أوضاع العمل الاستغلالي أو القسري بسبب عدم وجود بدائل قابلة للتطبيق. لذلك، فإننا نعترف بأن الحرية المجردة من التدخل – كما هي موجودة في دساتير تصف جميع المواطنين “أحرارا” – لا تكفي لضمان ممارسة تلك الحرية.

فقط حرية مقاومة التدخل يمكنها تحقيق ذلك. فالحرية الحقيقية هي أن تمتلك قدرة وسلطة الرفض “أن تقول لا”، وهذه نظرية أكثر إيجابية للحرية يجب أن تكون مصاحبة للمفهوم الأول.

تداعيات النظرية الايجابية للحرية

ما هي انعكاسات نظرية الحرية هذه؟ أولا وقبل كل شيء، تجبرنا على توسيع فهمنا للمفاهيم الرئيسية، مثل الإكراه من الفردي إلى الهيكلي. تعتمد حالات الاستغلال الفردية على جانب واحد لا توجد لديه بدائل قابلة للحياة أو متفوقة على ما هو معروض عليه، وبالتالي قدرته محدودة للغاية على قول “لا”.

ومع الاعتقاد بأن هذا الافتقار إلى البدائل لا يحدث كظاهرة طبيعية مثل المطر، ليس أمامنا خيار سوى الاعتراف بأنه مستمد من الترتيب الإنساني للشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وبالتالي “الرجل السيئ” في هذه القصة ليس مجرد شخص مقرض عديم الضمير يقدم العمل الاستغلالي للأشخاص المجبورين على قبوله، بل هو النظام الحاكم الذي يضمن أن القبول هو الخيار الأفضل لهؤلاء الناس.

أخيرا، إذا كانت الحدود المفروضة على حرية الناس في الرفض غير موزعة بشكل عشوائي ولا طبيعي، نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا ما أو من هم المسؤولون عنها؟ من هو المسؤول عن ترتيب الشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بحيث لا يتمتع سوى عدد قليل من الناس بالقدرة على قول “لا” للإكراه الملازم للسوق في حين الغالبية العظمى لا يملكون هذا الحق؟ من الذي يشكل في نهاية المطاف الأسباب الجذرية للعمل القسري؟

التقرير يحمّل الحكومات وأصحاب العمل والأقوياء إلى حد كبير مسؤولية هذا. وبالتالي، يؤكد على تحدي صحة فكرة أن الأسواق الرأسمالية هي مؤسسات منسجمة وعادلة وطبيعية، وأن توسعها ينطوي على حل لمشكلة العمل الجبري.

المقال من المصدر