التصعيد الأمريكي ضد باكستان.. مناورات سياسية أم إجراءات عقابية؟

منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن رسم استراتيجية جديدة للأمن القومي الأمريكي، اتخذت العلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان منحنى تصعيديا مفاجئا وغير مسبوق، حيث تتسارع الخطوات الأمريكية المعادية لإسلام أباد، الأمر الذي يفتح الباب أمام عدة تساؤلات وتكهنات تدور حول الاستراتيجية الجديدة تجاه باكستان، فهل هذا التصعيد ينبع من رغبة واشنطن استخدام باكستان كبوابة لضرب النفوذ الصيني المتصاعد، أم أن هذا التصعيد هو محاولة لمعاقبة إسلام أباد بعد خروجها عن الطوع الأمريكي؟

تجميد المساعدات

اتخذت واشنطن، أمس الجمعة، قرارًا جديدًا بتجميد المساعدات المالية لباكستان، وأعلن مسؤول حكومي أمريكي كبير أن قرار الرئيس دونالد ترامب قد يشمل مبالغ يصل مجموعها إلى نحو ملياري دولار، وهو رقم أعلى بكثير مما كان يُعتقد في البداية، إذ يبلغ مجموع التمويل الأمريكي لباكستان ككل نحو 1.9 مليار دولار، وأضاف المسؤول أن القرار يشمل معدات وتمويل دعم التحالف بحوالى ملياري دولار في حال لم تلاحق باكستان شبكة “حقاني” إحدى فصائل طالبان، وتابع: كل الخيارات مطروحة على الطاولة بما فيها تجريد باكستان من وضعها كحليف أساسي خارج حلف الأطلسي أو تعطيل قروض في صندوق النقد الدولي.

في ذات الإطار، أكدت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، هيذر نويرت، تجميد التمويل حتى اتخاذ الحكومة الباكستانية إجراءات حاسمة ضد حركة طالبان الأفغانية وشبكة حقاني، فيما قال وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس: قد نعيد المساعدات إذا ما رأينا خطوات حاسمة ضد الإرهابيين.

تأتي هذه الخطوة الأمريكية في خضم التصعيد الأمريكي في مواجهة باكستان، فقد سبق هذا القرار نظيره الذي أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية، الخميس الماضي، حول تجميد إرسال شحنات المعدات العسكرية، ووقف التمويل الأمني لباكستان إلى حين تحرك إسلام أباد ضد “المسلحين”، كما أعلنت الخارجية الأمريكية، في تغريدة لها، أنها وضعت باكستان على لائحة مراقبة خاصة لانتهاك الحريات الدينية، وهو ما يعني أن تلك الدولة تشكل قلقًا خاصًا، وقد يؤدي ذلك إلى فرض عقوبات عليها، ويأتي ذلك بعد أيام قليلة من تهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، كتب فيها أن “الولايات المتحدة وبحماقة أعطت باكستان أكثر من 33 مليار دولار من المساعدات في السنوات الـ15 الأخيرة، في حين لم يعطونا سوى الأكاذيب والخداع معتقدين أن قادتنا أغبياء”، وأضاف ترامب: “إنهم يقدمون ملاذًا آمنًا للإرهابيين الذين نتعقبهم في أفغانستان، انتهى الأمر”.

الجدير بالذكر أن هذا التخفيض في التمويل الأمريكي لباكستان لم يكن الأول من نوعه، ففي سبتمبر الماضي، علقت الخارجية الأمريكية مساعدات مالية أخرى بقيمة 255 مليون دولار، تسمح لباكستان بالتزود بأسلحة عالية التقنية من شركات أمريكية، وكانت واشنطن تمنح لباكستان معدات عسكرية بقيمة مليار دولار سمحت لإسلام اباد بالحصول على أحدث التكنولوجيا العسكرية، بالإضافة لتمويل يدفع لإسلام أباد مقابل المساعدة في إدخال معدات الولايات المتحدة وحلف الأطلسي إلى أفغانستان.

غضب باكستاني وترحيب أفغاني

من جانبها، حذرت وزارة الخارجية الباكستانية من أن الإعلانات الأحادية تأتي بنتائج عكسية في التعامل مع التهديدات الشائعة، وأضافت أن التهديدات الناشئة كالوجود المتنامي لتنظيم داعش في المنطقة يضاعف من أهمية التعاون اليوم أكثر من أي وقت، وفيما يتعلق بتصنيفها على لائحة مراقبة خاصة لانتهاك الحريات الدينية، قالت الخارجية الباكستانية إن التصنيف يعكس ازدواجية المعايير والنوايا السياسية ويفتقد بالتالي إلى الصدقية.

في ذات الإطار، قال وزير الخارجية الباكستاني خواجة آصف، إن الولايات المتحدة تتحدث بلسان الهند، وإنه مع إيجاد حل للتوتر مع الولايات المتحدة عبر الحوار، مشيلاا إلى أنه “يجب عدم اعتبار الصبر الذي أظهرناه أنه ناجما عن ضعف.. الولايات المتحدة حاولت تحميل باكستان سبب فشلها في أفغانستان، السلوك الأمريكي ليس سلوك حليف أو صديق، إنها صديق دائما مايخون”، فيما اعتبر زعيم المعارضة الباكستانية والمرشح ليكون رئيس الوزراء المقبل عمران خان، أن الوقت قد حان لفك الارتباط مع الولايات المتحدة وتقليص الوجود الدبلوماسي والمخابراتي الأمريكي في منطقة استراتيجية حساسة، وقال خان، إن تغريدة ترامب وتعليقات أمريكية أخرى جزء من “محاولات متعمدة لإذلال وإهانة الأمة الباكستانية”، داعيًا إلى التخلص فورًا من الأعداد الزائدة بشكل مفرط من الدبلوماسيين وغير الدبلوماسيين وأفراد المخابرات الأمريكيين في باكستان.

على جانب آخر لاقت الخطوة الأمريكية ترحيبًا كبيرًا من جانب أفغانستان والهند، وقال نائب وزير الداخلية الأفغاني نصرت رحيم: “نقول منذ سنوات إن باكستان المجاورة توفر ملاذًا آمنًا لجماعات إرهابية كما أنها تمول جماعات إرهابية”، وأضاف: نحن نرحب بهذا الإعلان، فيما أشادت الهند بتغريدة ترامب التي هاجم فيها إسلام أباد واتهمها بتوفير ملاذات آمنة للإرهابيين.

هل تتجه الأزمة إلى المزيد من التصعيد؟

رجح العديد من السياسيين ألا ترفع أمريكا دعمها بشكل كامل عن باكستان، وألا تُزيد من خطواتها التصعيدية معها خلال الفترة المقبلة، ورأى هؤلاء أن أمريكا لن تعمل على تدمير علاقاتها مع باكستان بشكل كامل، وأن هذه الخطوات التي أقدمت عليها مؤخرًا ستكون بمثابة جس نبض لإسلام أباد أو محاولة لمعاقبتها على عدم إطاعتها للأوامر الأمريكية والسعودية، حيث تحتاج واشنطن إلى باكستان بشكل فعلي، نظرًا لاعتبارين هامين، أولهما كون الأخيرة قادرة على تصعيب مهمة واشنطن التي ترسل الدعم لقواتها في أفغانستان، وذلك عبر إغلاق باكستان الطرق البرية، خصوصًا مع بدء موسم القتال في أفغانستان خلال الشهور القادمة، الأمر الذي من المفترض أن تضعه الإدارة الأمريكية في حسبانها، كما أن تدهور العلاقات بين باكستان وأمريكا قد يدفع الأولى إلى التقارب أكثر فأكثر من الصين التي دعمت إسلام آباد بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة وخاصة بعد أزمتها مع ترامب، ليصل حجم التجارة السنوية المتبادلة بين البلدين إلى حوالي 15 مليار دولار.

“إيران”.. كلمة السر

أفادت مصادر سياسية إيرانية أن الأزمة الأخيرة بين باكستان وأمريكا ترتبط بالوضع في إيران، فقد طلبت المخابرات الأمريكية من نظيرتها الباكستانية التعاون بتسهيل استقبال وتوطين قرابة خمسمائة من جماعة خلق الإيرانية المعارضة وتسهيل منحهم شروط تنظيم أوضاعهم كغرفة عمليات متقدّمة لإدارة المواجهة داخل إيران، تمهيدًا لاستقبال موجات جديدة من المهاجرين الإيرانيين الذين يجري تطويعهم للقتال داخل إيران وتأمين طرق التسلل لهم، ومن ضمن ذلك نصب هوائيات عملاقة لتأمين الحصول على شبكة خاصة للإنترنت يمكن نقل تردداتها داخل إيران بأجهزة تقوية محمولة تنصب بصورة سرية بين المحافظات، وتتيح تأمين التواصل بين جماعات الداخل والخارج، وقالت المصادر إن باكستان رفضت بشدة التورّط في أعمال تخريب الاستقرار في إيران، إدراكًا لمصالحها هناك ولعدم الوقوع في ردة فعل إيرانية موازية تهدد الاستقرار في باكستان، هذا إضافة لشبكة مصالح في مجال النفط والغاز، أبرزها أنبوب الصين العملاق الذي يشكل شراكة إيرانية باكستانية استراتيجية، وهو الرفض الذي لاقي غضبا أمريكيا ودفع الأخيرة إلى اتخاذ خطوات عقابية تجاه باكستان.

مواجهة النفوذ الصيني

ليس جديدًا القول إن أمريكا تسعى إلى تعظيم دور ونفوذ الهند في المنطقة على حساب الصين، التي تعتبر العدو اللدود والمنافس الثاني لأمريكا بعد روسيا، حيث اختارت واشنطن نيودلهي كعنصر لمعادلة الكفة في المنطقة التي تهيمن عليها بكين، فتوسيع بكين رقعة نفوذها السياسية والاقتصادية والعسكرية، لتمتد من مناطق المحيط الهادئ “الباسيفيك” إلى القارة الإفريقية، بالتوازي مع خسارة الولايات المتحدة مناطق نفوذ، يدعم المخاوف الأمريكية حيال الامتداد الصيني، ولعل أبرز دليل على محاولات أمريكا استخدام الهند لتعزيز نفوذها هناك هو تصريح وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، في أكتوبر الماضي، بأن “الهند بلد محوري بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية في أفغانستان، والبلدان سيواصلان الاستفادة من روابطهما الاقتصادية القوية”، كما أن وشنطن عرضت على نيودلهي خلال زيارة تيلرسون إليها تزويدها بمعدات عسكرية حساسة صالحة لاستخدامات متعددة، والتي لم تزود بها واشنطن إلا عدد قليل من حلفائها.

كل هذه المؤشرات تدفع للقول بأن الخطوات الأمريكية ضد باكستان الأخيرة ما هي إلا محاولة عقابية من جانب واشنطن لإسلام أباد نتيجه تقاربها الأخير مع الصين، وظهر هذا التقارب جليًا، موخرًا، في إعلان وزير الدولة الباكستاني للشؤون المالية رانا أفضل، قبل أيام، موافقة البنك الباكستاني المركزي رسميًا على استخدام اليوان الصيني في التعاملات التجارية الثنائية والأنشطة الاستثمارية بين إسلام أباد وبكين، الأمر الذي من شأنه تخفيف العبء عن باكستان فيما يتعلق بالاعتماد على الدولار الأمريكي، كما توقع “رانا أفضل” أن تتعزز العلاقات التجارية بين البلدين بعد إطلاق مشروع الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني “كبيك”، فيما أعلنت الصين أنها بصدد مساعدة باكستان للرد على التهديدات الهندية.

في ذات الإطار، يرى العديد من السياسيين أنه إذا كانت أمريكا تنوي اللعب ضد باكستان كورقة ضغط على الصين لتحجيم نفوذها، فإن ذلك سيأتي بنتائج عكسية على واشنطن، فتدهور العلاقات بين باكستان وأمريكا قد يدفع الأولى إلى التقارب أكثر فأكثر من الصين التي دعمت إسلام أباد بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة، وتقارب باكستان التي تعتبر الدولة الإسلامية الوحيدة التي تملك قدرة نووية عسكرية مع الصين التي تُعد ثاني أكبر القوى الاقتصادية على مستوى العالم، لن يصب في مصلحة أمريكا نهائيًا.