الأزمة النقدية الليبية.. الأسباب والتداعيات والحلول

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

نشر موقع “لوفير بلوج” الأمريكي مقالا تحليليا للباحث المتخصص في الشأن الليبي بجامعة باريس، جلال حرشاوي، سلط فيه الضوء على أسباب الأزمة النقدية الليبية وتداعياتها المؤلمة على الحياة اليومية في البلاد، وسبل الخروج من الأزمة.

قال حرشاوي إنه بالنسبة للعديد من الأسر الليبية، فإن التهديد ​​الكبير الذي تعاني منه حياتهم اليومية، ليس خطر الوقوع في تبادل لإطلاق النار بين الميليشيات المتنازعة، أو الوقوع ضحية جماعة إرهابية، أو الخطف من أجل الحصول على فدية، بل التداعيات الأكثر إلحاحا لسياسات ليبيا المختلة، تكمن في الأزمة النقدية.

ظهرت التجليات الرئيسية، من نقص متكرر في الأوراق النقدية، إلى جانب ضعف قيمة العملة الليبية في السوق السوداء عام 2014، وازدادت حدتها خلال الأشهر التالية، ففي طرابلس، تضخم عدد السكان بمقدار الربع منذ عام 2011، إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين مع وصول الأسر النازحة من المدن الليبية الأخرى، ويقف مئات من الناس في طوابير يوميا من 10 ليلا حتى الصباح لسحب أموال رواتبهم من البنك، وغالبا ما يعودون إلى ديارهم من دون شيء.

وتحدث مشاهد مماثلة في طبرق، وسرت، وأماكن أخرى، وتتحول طوابير الانتظار الطويلة في البنوك أحيانا إلى حوادث عنف، بما فيها إطلاق النار من جانب الميليشيات المحلية المسلحة التي تدعي التزامها بالقانون وحماية فرع البنك، لكنها غالبا ما تمارس الاختلاس وتؤثر بشكل تعسفي على توزيع المال.

ويشرح الباحث أن انعدام الأمن المادي، وإن كان حقيقيا، ليس السبب الجذري وراء الأزمة النقدية في ليبيا، بل نتيجة ثانوية لبيروقراطية حكومية كبيرة والحكم الاستقطابي في البلاد.

بعد عام 2011.. انتفاخ القطاع العام

كان 2012، أول سنة بعد انتفاضة ليبيا، عاما جيدا لقطاع الهيدروكربونات في البلاد، وأدى ذلك، إلى جانب عودة الطلب في القطاعات غير النفطية، إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي غير المعدل لهذا العام إلى 82 مليار دولار؛ أي أكثر من ضعف الرقم المسجل في عام 2011، والأهم أن ليبيا استطاعت الحصول على ما يزيد عن 100 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي التي تراكمت خلال الفترة من 2004-2010 التي كانت قد جمدتها القوى الغربية في فبراير 2011.

وظلت تداعيات التملك غير المشروع، والمحسوبية، والفساد أيضا، ولم تفكر الحكومة المؤقتة في إجراءات التقشف، والواقع أن نفقات الرفاهية على غرار نظام القذافي ازدادت إلى مستويات جديدة، وسيطرت الرغبة في شراء الاستقرار والولاء، وأدت إلى الاحتيال في كشوف المرتبات الحكومية بشكل فج جدا؛ حيث تضاعفت رواتب القطاع العام من 6.6 مليار دولار في عام 2010 ثلاث مرات تقريبا، لتصل إلى 19 مليار دولار في عام 2014.

توقف إنتاج النفط

وشهد صيف عام 2013، عرقلة الجماعات المسلحة البنية التحتية الهيدروكربونية عمدا، وانخفض إنتاج النفط من 1.45 مليون برميل يوميا في مايو 2013 إلى 220 ألف برميل يوميا في نوفمبر 2013، لكن تم تسجيل سابقة مهمة؛ تتمثل في أن الدولة المركزية لم تفشل فقط في وقف المهاجمين، بل أجزاء من النخبة السياسية كانوا متواطئين معهم ويدعمونهم، مما أدى إلى سرعة انتشار هذه الممارسة في جميع أنحاء البلاد.

ومنذ عام 2016، أحرزت قيادة مؤسسة النفط الوطنية تقدما في التقليل من هذه الظاهرة، لكن حتى اليوم لا يزال الحصار والهجمات يعوقان إنتاج النفط بشكل روتيني، وخلال الفترة بين 2013 و2016، أدى قمع إيرادات النفط إلى زيادة العجز في ميزان المدفوعات في البلاد، ولسد الفجوة، أحرق المصرف الليبي المركزي احتياطياته من النقد الأجنبي، ومع اختناق قطاع إنتاج الثروة الوحيد في البلاد، أصبح جزءا كبيرا من الاقتصاد الليبي يعتمد على استهلاك المدخرات من السنوات السابقة.

كان مركز هذه الديناميكية، البنك المركزي الليبي بقيادة الصادق الكبير، الذي أصبح رسميا حاكم البنك المركزي الليبي في سبتمبر 2011، وخلال الانتفاضة، كان الكبير مقرب من مصطفى عبد الجليل، زعيم المجلس الوطني الانتقالي، وعلى مدى السنوات الست الماضية، كان الكبير الشخص الوحيد المسيطر على احتياطيات ليبيا من النقد الأجنبي.

منذ عام 2014، حاولت الحكومة المناهضة للإسلاميين بقيادة خليفة حفتر، التي تتخذ من الشرق مقرا لها في عدة مناسبات إبعاد الكبير، وعين البرلمان في شرق ليبيا محافظا جديدا للبنك المركزي، محمد شكري.

ندرة الدولار

وأوضح الحرشاوي أنه بسبب الحصار الذي تفرضه الميليشيات على منشآت النفط من جهة، وانخفاض أسعار النفط من جهة أخرى، انهارت إيرادات ليبيا من 52 مليار دولار في عام 2012 إلى أقل من 5 مليارات دولار في عام 2016، في حين انخفضت الإيرادات الحكومية بنسبة 90%، ونتيجة للفجوة بين الإيرادات والمصروفات، انخفض احتياطي ليبيا من النقد الأجنبي من 108 مليارات دولار في عام 2013 إلى 57 مليار دولار بنهاية عام 2015، وأدى المزيد في الانخفاض في الاحتياطيات الذي حدث بنهاية عام  2017 لتصل إلى 51 مليار دولار إلى خسارة عامة في الثقة في الدينار الليبي.

وأصبحت رؤية سعر الصرف الرسمي غير مستدامة على نحو متزايد، واتجه مضاربون إلى بيع الدولار بسعر أكثر تكلفة مقابل الدينار في السوق السوداء، واستخدم تجار العملة خطابات الاعتماد للحصول على العملات الصعبة بتكلفة زهيدة، وبصورة غير مشروعة، من الدولة نفسها.

في ليبيا، تمثل خطابات الاعتماد شكلا من أشكال الدعم الحكومي الذي يسمح للعملاء المصرفيين التجاريين الشرعيين بتحويل الدينار إلى الدولار بسعر الصرف الرسمي البالغ حوالي 1.40 من أجل شراء السلع في الخارج، لكن بفضل التواطؤ المتعمد أو القسري لبعض مديري المصارف، تم منح نسبة هائلة من خطابات الاعتماد لحفنة من المتاجرين الذين لم يستوردوا البضائع المعلنة، وبدلا من ذلك، وبمساعدة موظفي الجمارك الفاسدين، يوجدون سندات شحن مزورة.

تلعب الجماعات المسلحة دور التخويف والانتقام في العملية، لذلك هذا التهديد باستخدام العنف يفسر جزئيا لماذا فشل بعض مسؤولي الدولة في اتخاذ إجراءات حاسمة لتحسين الأزمة النقدية في ليبيا.

ولخص الممثل الخاص للأمم المتحدة في ليبيا، غسان سلامة، تواطؤ موظفي الحكومة بقوله، إن العقبة الرئيسية لحل الأزمة الاقتصادية في ليبيا ما أسميه حزب “الوضع الراهن”، ما يعني السياسيين وقادة الجماعات المسلحة والمهربين والعصابات الذين يتعاونون جميعا كل يوم لنهب بلدهم.

وفي محاولة للحد من الوصول إلى سعر الصرف الرسمي وإبطاء استنفاد احتياطيات العملة، خفض مصرف ليبيا المركزي إجمالي المعروض من الدولارات بطريقة تعسفية، وأوقف الصادق الكبير تقريبا جميع خطابات الاعتماد في جميع المجالات، بما فيها الخطابات المشروعة.

وجعلت هذه القيود الدولار أكثر بروزا في السوق السوداء اليوم، بنحو 9.5 دينار ليبي، مقارنة بنحو 1.45 في يونيو 2014، أي أن الدينار خسر 85% من قيمته أمام الدولار في السنوات الثلاث والنصف الأخيرة.

جفاف إمدادات الأوراق النقدية الدينارية

أدت الصعوبة المتزايدة في الحصول على العملة الصعبة من خلال القنوات الرسمية إلى تدهور المصارف في بيئة يعتبر فيها الوصول إلى الدولارات أمرا حيويا؛ ففي ليبيا، يتم شراء جميع السلع تقريبا من الخارج باستخدام العملة الصعبة، وعندما قيد مصرف ليبيا المرکزي قابليته للتحويل، استجاب أصحاب المحلات التجارية وأصحاب الأعمال الصغيرة بسحب أموالهم من النظام المصرفي تماما.

وبالنظر إلى أن الدولارات لم تعد متاحة من خلال القنوات الرسمية، لا يرى التجار والأسر الآن أي سبب لتحويل الدينارات إلى البنوك بعد الآن، وبدلا من ذلك، يحتفظون بقدر كبير من أموالهم في الأسواق الموازية.

وتزايدت أسعار السلع الأساسية في السوق السوداء، ما يعكس ضعف الدينار مقابل العملة الصعبة، وتفاقم الأمر بسبب قرار مصرف ليبيا المرکزي بقطع أو وقف الإعانات الغذائية في أجزاء کبيرة من البلاد، وقال الليبيون الذين تحدث إليهم المتخصص في الشأن الليبي، جلال الحرشاوي، في نوفمبر 2017، إن عليهم دفع الآن حوالي 100 دينار لشراء كيس دقيق يبلغ وزنه 50 كيلوجراما في السوق السوداء، مقارنة بسعره 2.50 دينارا قبل ما يزيد قليلا عن ثلاث سنوات.

وتسببت الظواهر الثلاث؛ التضخم المنفلت، وتنامي حجم السوق السوداء، واستجابة الأسر باكتناز الأموال، في جفاف إمدادات الأوراق النقدية الدينارية في ليبيا، واليوم، في معظم المدن، فرضت فروع المصارف التي لا تزال مفتوحة حدودا للسحب النقدي تبلغ حوالي 700 دينار شهريا لكل حساب، وتجري الآن بعض المعاملات اليومية بالدولار، وهي ظاهرة تسمى الدولرة غير الرسمية، التي سيكون من الصعب التراجع عنها.

التنافس السیاسي بین البنك المرکزي في طرابلس وفرع البنك المرکزي في مدینة البیضاء الشرقیة، جعل حل الأزمة أکثر صعوبة، وكلف كلا المركزين بشكل مستقل إنتاج مليارات الدنانير الجديدة، وهذا النقص في التنسيق بين الكبير ومنافسه في البيضاء، أعطى الليبيين سببا آخر لعدم الثقة في النظام المصرفي في بلدهم.

وبصرف النظر عن عدد الأوراق النقدية المطبوعة التي توزعها المصارف التجارية على عملائها، فإن نسبة ضئيلة منها فقط تعود إلى النظام، وتستخدم الحكومات أداة واحدة في مثل هذه الظروف لجذب الأموال إلى البنوك هو زيادة أسعار الفائدة، لكن في ليبيا، أصبحت أسعار الفائدة محظورة في عام 2013 عندما أدخلت الفصائل السياسية المستوحاة من الشريعة المصرفية القانون الذي يحظر الربا.

مخرج من الأزمة

ولأن ليبيا غير موحدة سواء جغرافيا أو عبر الطبقات الاجتماعية، فإن أزمة الدينار تعمق تفتيت المجتمع الليبي، وهذا بدوره يقوض الجهود الرامية إلى بناء قدرات الدولة، ونظم بعض أصحاب الأعمال رفيعي المستوى في ليبيا، حملة من أجل تخفيض قيمة الدينار في النظام المصرفي الرسمي في البلاد؛ إما بشكل جزئي أو مرة واحدة.

تخفيض قيمة العملة وحده لن ينهي الأزمة، ولإحياء السيولة وإصلاح الثقة في النظام المصرفي، يجب على مصرف ليبيا المركزي أيضا، أن يكفل الوصول إلى كميات كبيرة من العملات الصعبة بأسعار الصرف الجديدة إلى المستخدمين العاديين، بمن فيهم صغار التجار والمواطنين الضعفاء لأن الافتقار إلى إمكانية الوصول الفعلي لإمكانية الصرف الأجنبي الرسمي للمصرف المركزي، يمثل مشكلة رئيسية.

الأزمة النقدية في ليبيا أزمة ثقة وحكم، وتجلت بشكل واضح في استمرار انكماش الدينار مقابل الدولار خلال عام 2017، رغم انكماش النفقات العامة، وتمكن الشركة الوطنية للنفط في ليبيا من مضاعفة كمية النفط التي أنتجتها بين شهري أبريل ويوليو من العام الماضي، وتدخل شركة النفط الوطنية عائدات الدولار من جميع المبيعات الرسمية من الهيدروكربونات إلى مصرف ليبيا المركزي في طرابلس.

وبصرف النظر عن تلك التحسينات المالية، فإن الدينار لم يرتفع في السوق السوداء في عام 2017؛ وبدلا من ذلك، انخفضت قيمته بنسبة 35%، كما فشلت مختلف تطبيقات الدفع الإلكتروني في التغلب على مشكلة نقص الأوراق النقدية.

الوحدة مع التواصل الواضح والتنفيذ الإداري المنسق أمور ضرورية لتخفيف أزمة الدينار، كما هناك عائق أكبر يكمن في فساد الجمارك، وإنفاذ القانون، والسياسة، والنظام المصرفي نفسه.

واختتم الباحث مقاله مؤكدا أنه ما لم يتحقق حوار سياسي حقيقي، فمن المرجح أن تستمر الأزمة النقدية في ليبيا خلال عام 2018، سواء أعلن المصرف المركزي عن تخفيض قيمة سعر الصرف الرسمي أم لا، وإذا لم تتراجع شدتها، فإنها ستزيد من السلوك المفترس للجماعات المسلحة، وستسهم النتيجة في جعل مساحات كاملة من البلد غير محكومة وغير مسيطر عليها بشكل أكبر مما كانت عليه بالفعل.

المصدر