«أروقة الأزهر».. منارة الوسطية في مواجهة التطرف

 

يحبون الأزهر بشدة ويتحلقون حول شيخهم داخل أروقته وأعمدته المتعددة، ويشدون الرحال إليه من كل فج عميق لتلقي دروس العلم الدينية والدنيوية، ويتكلف أحدهم المسافات الطويلة والمبالغ الطائلة من أجل أن يصل إلى حي مصر القديمة بالقاهرة، حتى يجلس بين يدي شيخه لتلقي دورس العلم.

ويومًا بعد يوم يتوافد الطلبة الإندونسيون والفلبيون والماليزيون والأفارقة، إلى أن زاد عددهم على أكثر من 3 آلاف طالب وافد يدرسون فى جامع الأزهر لا يشبعون من الجلوس بين أروقة الأزهر لتلقي دروس العلم والدين حتى يتخرجوا فيه، متذكرين أسلافهم السفراء والوزراء والعلماء الذين تخرجوا من هذا المكان الجامع ونشروا الوسطية في بلادهم.

سيف الله علي، طالب عشريني من سنغافورة يدرس في جامعة الأزهر نهارًا ويحمل أدواته ودفترا ورقيا خاصا به أثناء حضوره ليلًا في رواق «العلوم الشرعية» داخل جامع الأزهر لتدوين ما يدرس له من قبل أساتذته الذين يواظب على دروسهم ووجه إليهم رسالة: «نحن أمانة فى أيديكم فحافظوا علينا وأكرمونا».

الدراسات الحرة

يتنقل سيف الله بين أروقة الأزهر المتعددة، لينهل من الدراسات الحرة المجانية التي وفرتها إدارة الجامع للطلاب العرب والأجانب وغيرهم من مريدي جامع الأزهر من كل الطبقات والفئات، ضمن خطتها لتطوير الدروس الدينية بأروقة المسجد لإعادته إلى سابق عهده منبرا للعلوم الدينية الوسطية حول العالم.

«البديل» تفتح ملف أروقة جامع الأزهر للتعرف على دورها في نشر العلم والمعرفة لكل بلدان العالم الإسلامي ومواجهة الفكر المتطرف والتعرف على أعداد الأروقة وأسمائها وما تقوم به من فعاليات ودورات وبرامج لقطع الطريق بشكل كامل على المدارس والمعاهد الدينية، التي تروج لأفكار وتعاليم متشددة لا تتوافق مع وسطية وسماحة المنهج الأزهري الوسطي.

الأروقة مجالس علمية تقام في أروقة الجامع الأزهر، وكانت أماكن للإعاشة الكاملة تكريما وراحة لهؤلاء الضيوف، أنشأها السلاطين والأمراء والعظماء، وخصص معظمها للطلاب الفقراء والمنقطعين لطلب العلم وكان معظمهم من الأغراب الذين لا مأوى لهم، وبعضها خصص لأهل مصر، خاصة من طلاب الريف الذين لا سكن لهم بالقاهرة وبعضها خصص للدراسة المنتظمة الإلزامية التي يُمنح الدارس فيها درجات وفقًا لجدول حضور وانصراف ومواعيد محددة للاختبارات.

وبجولة عابرة داخل جامع الأزهر سوف تفاجأ أمامك ببلوكات حديدية وأعمدة خرسانية فاصلة في كل مكان ولوحة كبيرة مُغطاه تقع في صحن الجامع الكبير مدوّن عليها خطة ما بعد الترميم، ووسط كل ذلك تسمع أصداء أصوات دُعاة وأساتذة جامعيين وآخرين متخصصين في التنمية البشرية واللغات وعلماء في مختلف العلوم، يلقون الدروس والمحاضرات للطلبة الوافدين والمواطنين العاديين الذين يجتمعون في أروقة متعددة فيها اختلاط بين الجنسين مشروطًا بآداب المجلس والعلم والعلماء، بين يدي شيخ أو أستاذ جامعي يقرأ عليهم من أحد كتب التراث الإسلامي أو العلوم الأخرى.

في الجوار توجد قاعات أخرى داخلية مخصصة، لإلقاء محاضرات الدراسات العليا بعضها يكون فيها اختلاط بين الباحثين والباحثات وكذلك المؤتمرات والندوات التي ينظمها الأزهر من حين لآخر ولكل رواق شيخ يعتبر بمثابة مدير لمصالح الرواق، يعاونه وكيل يقوم مقامه فى غيابه، كما يساعدهما نقيب الرواق، وهو من الطلاب القدامى ويتولى توزيع الجراية والغياب والحضور وغير ذلك، وهناك شاهد الوقف وجابي الوقف وسقاء وملاء وفراشين وخدم ليقوموا برعاية طلاب العلم.

اشتهرت أروقة الأزهر بأنها كانت دوراً للعلم والعبادة منذ عقود طويلة، حيث كان يجتمع طلاب العلم من كل بلاد العالم، فهذا رواق المغاربة وذاك رواق الشوام، وهنا رواق الأتراك ورواق الأفغان، بل كانت للمصريين أروقة، فهذا رواق الصعايدة وآخر للبحاروة وثالث للشراقوة.

بين اليوم والأمس لم تتغير الصورة كثيرًا، حيث كانت تتم الدراسة داخل أروقة الأزهر على هيئة حلقات للعلم يتم من خلالها تدريس جميع العلوم وتضم كل عناصر الفصل الدراسي، سبورة ومدرسا وطلبة.

7 أروقة بالمحافظات

فروع عدّة للرواق الأزهري تمت إقامتها خارج جامع الأزهر خلال العامين الماضيين، أحدها في مدينة البعوث الإسلامية ويتولى مهمة توعية الطلبة من الأفكار المتطرفة والمتشددة وتحفيظهم القرآن الكريم، وفرع آخر داخل كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات جامعة الأزهر بالمنصورة، وفرع ثالث بحدائق الأهرام، وفرع رابع بالقاهرة الجديدة بمؤسسة المهند، وفرع خامس بالتجمع الخامس.

كما يوجد فرع للرواق الأزهري بجامعة الأزهر، يمارس نشاطه من خلال مجالس للطلاب في حفظ المقررات القرآنية، وافتتح الرواق الأزهري أيضا فرعا بكلية الدراسات الإسلامية بنين بدمياط، يقوم بإعداد المعلمين وتصميم البرامج الدراسية لأساتذة الجامعة.

هذا بالإضافة إلي الملتقى الشهري الذي يقيمه الرواق الأزهري في مدينة البعوث لمناقشة قضية مثارة في وسائل الإعلام المختلفة مع الوافدين ويكون فيها الحوار مفتوحًا دون سقف، ويقيم الرواق الأزهري بالمدينة أيضا الصالون الأدبي الشهري، يتم من خلاله تنفيذ برامج فن الخطابة وتجديد الخطاب الديني.

وكان من أشهر المحاضرين بهذه الأروقة الشيخ عماد عفت، الذي استشهد في أحداث اشتباكات مجلس الوزراء التي وقعت في ديسمبر 2011 بين المتظاهرين وأجهزة الأمن، والذي تم إطلاق اسمه على أحد الأروقة تخليدا لذكراه.

ضد التطرف

لطالما واجه الأزهر مأزقًا فكريًا حينما تسللت للساحة المصرية العديد من المدارس الدينية التي تمثل التشدد والتطرف الديني وقد استطاعت هذه المدارس أمام الطفرة النفطية أن تغير الكثير من ثوابت الأزهر في الفكر والعقيدة بعد أن جذبت أموال النفط والخليج أعدادًا كبيرة من العلماء وبدلًا من أن يذهب هؤلاء لينشروا الوسطية المصرية في الخارج كما كانوا يفعلون عادوا لينشروا التشدد الديني في الداخل متأثرين بالبيئة التي عاشوا فيها، ووجدت مصر نفسها أمام منظومة دينية تختلف كُليًا عن كل ما عرفت من مدارس الفكر والعقيدة، فواجهت مصر تيارات دينية اتسمت بالعنف ووجد المصريون أنفسهم أمام غزو ديني متطرف جاء من الخليج العربي، وهذا ما يفسر أسباب التشدد الذي ما يزال قائمًا داخل المناهج الأزهريه الدراسية الحالية.

فوجئ الطلبة الحريصون على حضور أروقة الأزهر بانتقال الدراسة من جامع الأزهر إلى كلية أصول الدين بسبب أعمال الترميم الجارية داخل جامع الأزهر وتوقفت الدروس النظامية للطلبة والوافدين بشكل مؤقت خلال فترة الامتحانات، وبقيت الدراسة الحرة التي يواظب المواطنون وطلبة الأزهر على حضورها بصفة دورية.

هذه الدروس والمحاضرات العلمية والدينية يتم تقديمها كل يوم بعد انتهاء الصلوات بالمجان وهو حال الأزهر منذ مئات السنين، ويتم اختيار الأساتذة والشيوخ الذين يحاضرون بالأروقة على أعلى مستوى ووفق ضوابط وشروط محددة  بحسب الدكتور جمال فاروق جبريل، أستاذ العقيدة في كلية الدعوة بجامعة الأزهر.

وعقب انتهاء درس الدكتور أحمد أبو سعدة، عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة في رواق العلوم الشرعية من داخل كلية أصول الدين ليشرح للطلبة «متن القاضي أبي شجاع في الفقه الشافع» أوضح أن هذا الوضع مؤقت وسوف تعود الدراسة خلال أسابيع إلى جامع الأزهر وحتى ذلك الحين لن تتوقف الدراسة والأزهر يعالج اليوم السلبيات القديمة التى ظهرت في تطوير الجامعة العريقة في مطلع الستينيات ومازال يعاني منها طوال هذه السنوات نتيجة الغزو الخليجي.

برامج للتحصين من الإلحاد

في الجوار كان ينبعث صوت الشيخ عبد الرؤوف الحبال يُسمع من خارج الرواق وهو يشرح كتاب «نور الإيضاح ونجاة الأرواح» في الفقه الحنفي داخل «رواق العلوم الشرعية» بجامع الأزهر بالدراسة ووصل عدد البرامج العلمية التي نظمها رواق العلوم الشرعية حتى الآن نحو 50 برنامجا، بينما بلغ عدد الدروس العلمية أكثر من 120 درسا أسبوعيًّا في العلوم الشرعية والعربية والعقلية، وخصص الرواق الأزهري  10 برامج تدريبية متخصصة لخدمة طلاب العلم وتيسير وتبسيط المفاهيم الشرعية والعربية، وبرنامجا لتحصين الشباب من الأفكار الإلحادية التي انتشرت مؤخرًا.

تقسم الورشة التدريبية إلى عدة مراحل، المرحلة التمهيدية في العلوم الشرعية ومرشد الحيران في تقويم اللسان والمواريث والتركات، وتربية الأطفال في الإسلام والمسلم الصغير، وورثة النبوة، وفقه المرأة، والتأسيس في اللغة العربية، والفقه الميسر لدراسة المذاهب الأربعة، والإلحاد.. أسباب وعلاج.

لعقود طويلة كانت أروقة الأزهر مقصد طلاب العلم الشرعي من كل الدنيا واستعاد الأزهر تلك التجربة التاريخية الفريدة من جديد، ليقطع الطريق على كل من يروجون لأفكار التطرف والكراهية وينشرون العنف والإرهاب بين أفراد المجتمع.

عُرف جامع الأزهر بأروقته التي كان يشتهر بها داخل مصر وخارجها لتحصيل العلوم الشرعية وعلى امتداد الزمان تطور النظام التعليمي بالأزهر فأنشئت الجامعة لتكون مقر الدراسة الجديدة وأنشئت مدينة البعوث الإسلامية لتكون مقرا لإقامة الطلاب الوافدين من الخارج بالقرب من حي الدراسة والتي أقيم فيها 41 وحدة سكنية يتسع كل منها لـ120 طالباً ومع ذلك ظل الجامع الأزهر منارة لتدريس العلوم الشرعية الوسطية وأمهات الكتب وفي الآونة الأخيرة تم إحياء الدراسة بالأروقة على أسس جديدة تشمل تدريس مجالات مختلفة جنبا إلى جنب مع العلوم الشرعية.