3 ملايين عبوة بنج أسنان «منتهية» في الأسواق بمباركة «الصحة»

شكاوى عديدة ومواجهات حادة وقعت بين المرضى وأطباء الأسنان في بعض المحافظات؛ تارة بسبب اختفاء بنج الأسنان من العيادات والمراكز الطبية المتخصصة والتابعة لوزارة الصحة على حد سواء، تمهيدًا لرفع أسعارها، وتارة أخرى بسبب وضع الشركة الحكومية الموردة “Label” أو “استيكر” جديد على تاريخ الصلاحية لمدها 6 أشهر أخرى مع تخفيض أسعارها بنسبة 50% للتخلص من الكميات الهائلة المكدسة بمخازنها.

حيلة جديدة لجأت إليها شركة الإسكندرية للأدوية والصناعات الكيماوية، إحدى الشركات الحكومية التابعة لقطاع الأعمال العام للتخلص من 3 ملايين عبوة من مخزون الكربولات (عبوات البنج الزجاجية) المكدسة في مخازنها بعدما وافقت وزارة الصحة لها دون توضيح أو كشف الأمر رسميًا أمام الرأي العام، ما تسبب في اشتعال الأزمة مجددًا داخل السوق في ظل استغلال بعض التجار من أجل التلاعب بتواريخ الصلاحية للتخلص من كميات البنج منتهي الصلاحية “الإكسبير” المخزن لديهم بأسعار باهظة.

في 24 يونيو 2017، أرسلت الإدارة المركزية للصيدلة والإدارة العامة للتفتيش الصيدلي خطابًا إلى شركة الإسكندرية للأدوية، موقعًا من الدكتورة مها إدريس محمد، مدير إدارة التفتيش على مصانع الأدوية، والدكتور مصطفى السيد، مدير عام الإدارة العامة للتفتيش الصيدلي؛ لاستثناء صنفي البنج “الأحمر والأخضر” والسماح بوضع “استيكر” على الكربولات بتاريخ الإنتاج الفعلي وتاريخ انتهاء الصلاحية الفعلية على العلبة من الخارج، حفاظًا على المال العام واقتصاديات الشركة، دون وضع دراسة الثبات التي تفصل في ذلك.

مخالفة قرار وزاري

قرار وزير الصحة الذي يحمل رقم 296 لسنة 2009، بشأن إعادة تنظيم قواعد وإجراءات تسجيل المستحضرات الصيدلية البشرية، ينص فى مادته 11 على أن صاحب المستحضر أو الشركة تلتزم بطباعة اسم المصنع وتاريخ الإنتاج وتاريخ انتهاء الصلاحية ورقم التشغيلة على العبوة الداخلية، وعدم إحداث أي تغيير في المستحضر إلا بعد الحصول على موافقة الإدارة المركزية للشؤون الصيدلية.

كما يلتزم صاحب الشركة بالإقرار بمسؤوليته الكاملة عن تخزين المواد الخام، وعن جميع مراحل تصنيع المستحضر، وعن مطابقة المستحضر للمواصفات الفنية، وتخزين المنتج حتى تمام التوزيع.

أزمة بنج

بدأت الأزمة منذ أكثر من شهرين حين اختفى بنج الأسنان (مبيكابين – إل) كاربول بنوعيه الأحمر والأخضر والذي تنتجه الشركة من المراكز الحكومية ولم يكن متوفرًا بالسوق سوى البنج المستورد (إسباني أو كندي أو برازيلي) الذي ارتفع سعره بصورة مبالغ فيها من 210 إلى 400 و700 جنيه في السوق السوداء للعلبة الواحدة بصورة دفعت عدد كبير من أطباء الأسنان لشرائها من الخارج بجنيهين ونصف، للصنف المحلي بدلًا من 125 قرشًا، و6 جنيهات للمستورد بدلاً من 3 جنيهات.

وقال الدكتور محمد عبد اللطيف، عضو مجلس النقابة العامة لأطباء الأسنان السابق، إنه اضطر إلى شراء البنج المستورد من تجار خارجيين بسعر 450 جنيها حتى لا يقع في حرج أو اشتباكات أخرى مع المرضى بسبب “الإستيكر” الجديد المطبوع على العبوة القديمة التي مرّ على إنتاجها، متسائلًا: “بنج تم إنتاجه قبل عامين لماذا تم تخزينه كل هذه المدة فضلًا عن مدّ تاريخ صلاحيته 6 أشهر أخرى لبيع المنتج المشكوك فيه؟”.

“البنج بالنسبة لنا زي العيش بالنسبة للمواطنين وأي تلاعب فيه يبقى بتلعب بالمهنة كلها وتهدد حياة الناس”.. هكذا أكد محمد الشربان، أحد أطباء الأسنان بالغربية، الذي لم يستبعد تخوفه من استدراج النقابة العامة لحل أزمة الجمارك بحجة احتياج أطباء الأسنان للبنج، وأن يمر موضوع البنج منتهي الصلاحية مرور الكرام دون إجراء الفحص الطبي أو دراسة الثبات اللازمة للتحقق أولًا من مطابقته للمواصفات القياسية المعمول بها وأن يكون الهدف تجاري بحت لتمرير الصفقة الجديدة.

نقابة الأسنان تحذر

بدوره خاطب الدكتور ياسر الجندي، نقيب أطباء الأسنان، جموع الأطباء بعدم شراء البنج المستورد بسعر أكبر من السعر الرسمي له 210 جنيهات، حيث يوجد نحو 2000 علبه بنج مستورد في مخازن الشركة المستوردة (الإسكندرية للأدوية) سوف يتم بيعها خلال أيام من خلال النقابة العامة والنقابات الفرعية بالسعر ذاته.

وأضاف الجندي لـ”البديل”، أنه توجد أيضًا شحنه في الجمارك تقدر بـ13 ألف علبة سوف يتم الإفراج الجمركي عنها خلال شهر، وسوف يتم إرسال 10 آلاف علبة منها إلى النقابة والنقابات الفرعية وبيعها بنفس السعر، وجاري حاليا الانتهاء من الإجراءات لسرعة الإفراج عن هذه الكميات.

ويأتي ذلك بالتنسيق مع وزير الصحة ومدير الإدارة المركزية لشئون الصيدلة، بحسب الدكتور شريف ناشد، صاحب الشركة المستوردة للبنج (Cairo Dent)، مضيفا: “بالنسبة للبنج المحلي، لا توجد أزمة في تواجده، لكن المشكلة الأكبر كانت في مدّ تاريخ الصلاحية”.

كلاكيت سادس مرة

لم تكن أزمة نقص البنج الحالية، الأولى في السوق المحلي، لكنها تكررت للمرة السادسة على مدار 5 سنوات ماضية، أرجعها النقيب العام إلى العجز الشديد في البنج المصري والمستورد على حد سواء، والذي ارتفع سعره بصورة كبيرة من 210 إلى 600 جنيه، وكانت الشركة الحكومية (الإسكندرية للأدوية) تضع أكثر من 30 ألف عبوة في مخازنها طمعًا في رفع أسعارها، ومع قرب انتهاء صلاحيتها طرحت الشركة الحكومية الموردة للبنج الكميات بسعر مخفض و”استيكر” جديد.

مع قرب انتهاء صلاحية العبوات المخزنة لدى شركة الإسكندرية للأدوية، خاطبت الإدارة المركزية لشؤون الصيدلة بوزارة الصحة من أجل مدّها 6 أشهر أخرى ووافقت الوزارة على وضع “استيكر”، بتاريخ صلاحية جديد، حتى يكون مطابقاً لفترة الإنتاج الفعلي دون إجراء أي تحاليل لعينات من الكميات الكبيرة المتواجدة في مخازن الشركة.

الخاسرون من الأزمة

الجندي أكد أن النقابة العامة لأطباء الأسنان تتفاوض منذ عام 2014 مع شركة الإسكندرية للأدوية والصناعات الكيماوية للحصول على خط إنتاج 10 آلاف عبوة شهريًا، لكنها رفضت بدعوى عدم وجود سجل تجاري أو مخازن أدوية ملك النقابة العامة، موضحا أن هذه الأزمة المفتعلة الخاسر الوحيد فيها، طبيب الأسنان الذي ارتفعت عليه الأسعار رغم تواجد البنج في المخازن المستورد والمحلي بكميات ليست بالقليلة.

وكان للنقابات الفرعية الدور الأكبر بحسب الجندي، في توفير كميات كبيرة تعادل 2000 عبوة شهريًا بالتنسيق مع بعض مخازن الأدوية، في ظل تخزين الشركة الحكومية البنج تمهيدًا لرفع أسعاره واضطروا إلى توزيع ما يقرب من 50 – 60 ألف علبة على الصيدليات خلال الأيام الماضية مع قرب انتهاء تاريخ الصلاحية.

مساومات لبيع المخزون القديم

توصلت النقابة العامة لأطباء الأسنان، بحسب الدكتور إيهاب هيكل، وكيل نقابة أطباء الأسنان، لاتفاق مع “الإسكندرية للأدوية”، الشركة الحكومية الوحيدة الموردة لبنج الأسنان في السوق المحلي تقضي بالحصول على علبة واحدة (تحتوي على 50 كربولة) بالتاريخ الجديد تنتهي صلاحيتها في مايو 2018 بسعر 156 جنيهًا بواقع 3 جنيهات و10 قروش للأمبول الواحد، بالإضافة إلى عبوة أخرى بالسعر القديم ملصقًا عليها الإستيكر الخاص بمد الصلاحية 6 أشهر وتاريخ انتهائها يناير وفبراير 2018 بسعر 65 جنيهًا ليكون إجمالي سعر العبوتين 222 جنيهًا.

ويرى هيكل أن الأزمة تتمثل في مخالفة وزارة الصحة القواعد والأعراف المعمول بها بوضع استيكر بتاريخ صلاحية مختلف عن تاريخ الإنتاج الفعلي المطبوع على ظهر العبوة الأصلية ويفتح الباب واسعًا أمام التزوير والتلاعب في تواريخ الصلاحية.

خطورة البنج “الإكسبير”

وعن خطورة توزيع بنج منتهي الصلاحية على المرضى، أوضح هيكل لـ”البديل”، أن هناك فترة سماح في مجال الأدوية والمستحضرات الدوائية لا تقل عن 6 أشهر بعد انتهاء تاريخ الإنتاج الفعلي، لكن يقل مفعولها بمرور الوقت.

وأضاف وكيل نقابة أطباء الأسنان، أن البنج مكون من مادتين؛ إحداهما للتخدير، والثانية تسمى المادة القابضة للأوعية التي تقلل من تدفق الدم أثناء الجراحة والتي ينتهي مفعولها بعد انتهاء صلاحية المنتج أو المستحضر الطبي ولم تعد صالحة للاستخدام إلا كمخدر فقط.

العينات مطابقة للمواصفات

المستندات التي حصلت عليها “البديل” تفيد أن رصيد شركة الإسكندرية من البنج المصري يتجاوز 275 ألف كربوله ميباكايين (مخدر موضعي حقن لأنسجة الجلد والفم)، وبعد تحليل عينات من البنج القديم الذي يحمل رقم تشغيله (6412214) داخل الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية، تبين أن العينات سليمة ومطابقة للمواصفات وصالحة للاستخدام وتم الاطمئنان على جميع مراحل صلاحية الصنف الجديد وتاريخ الصلاحية الذي ينتهي مع نهاية عام 2018.

وأكدت الدكتورة رشا زيادة، مدير الإدارة المركزية لشؤون الصيدلة، أن البنج سليم ولا توجد أي أضرار من توزيعه على المرضى وتم الموافقة على مد تاريخ الصلاحية لفترة محددة بعد إجراء الدراسات اللازمة على المستحضر.

البنج بـ700 جنيه في السوق السوداء

المركز المصري للحق في الدواء، رصد شكاوى كثيرة في بعض المحافظات من ارتفاع سعر البنج في السوق بعد إجبارهم علي شراء الأجنبي غير المعروف إنتاجه بأرقام مضاعفة لتحقيق مكاسب وأرباح على حسابهم بسبب جشع بعض شركات توزيع البنج المسيطرة علي السوق، خاصة البنج المستورد، وهي المسؤولة عن رفع سعر الكربولة الواحدة إلى 700 جنيهًا نتيجة غياب الرقابة عليها من قبل وزارة الصحة وخزنت بعض الشركات البنج المصري وأطلقت الشائعات حوله لتتمكن من بيع مخزونها من البنج المستورد.

وأكد محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، تواصله مع مسؤولي لجنة الصحة بالبرلمان وفي وزارة الصحة لوقف بعض محاولات تجار السوق السوداء لفرض أسعارهم على السوق المحلي، مطالبا بالتحقيق في كيفية منع شركة عامة من التوريد مباشرة إلى النقابة العامة لأطباء الأسنان رغم شراء بعض النقابات الفرعية مثل الشرقية والدقهلية بسعر 107 للكربولة الواحدة، موضحًا أن هيئة التأمين الصحي ومعظم الجامعات المصرية لا تعاني من الأزمة، خاصة أنها تتجه إلى التعاقد المباشر مع شركة الإسكندرية.

التماس للوزارة

في المقابل، أوضح الدكتور محمد أشرف محمود، رئيس قطاع التسويق بشركة الإسكندرية للأدوية، أن الشركة الحكومية المسؤول الوحيد عن إنتاج مستحضر (ميبكايين – إل) بنوعيه الأحمر والأخضر، ولأنهم يستوردون الكاربولات الفارغة من الخارج مطبوعًا عليها أرقام التشغيلات وتواريخ الإنتاج وانتهاء الصلاحية؛ لعدم إمكانية تصنيع الكاربولات في مصر، حتى أصبح تاريخ إنتاج الكربول المدون على العلبة الزجاجية يسبق التاريخ الفعلي لانتهاء الصلاحية لفترة تتراوح بين 5 و6 أشهر علمًا بأن عمر المستحضر الأخضر عامين والأحمر 3 سنوات.

وأكد تقدم الشركة بالتماس للإدارة المركزية لشؤون الصيدلة لاستثناء صنفي الميبكايين والسماح بوضع استيكرز على الكاربولات بتاريخ الإنتاج وتاريخ انتهاء الصلاحية الفعلي على الكربول المطبوع عليه تاريخ إنتاج مخالف للتاريخ الفعلي ووافقت الوزارة عليه.

واعتمدت شركة الإسكندرية للأدوية والصناعات الكيماوية، خريطة توزيع جديدة للبنج المصري بسعر 203 جنيهات لكل عبوتين بدلاً من 300 جنيه، على خلفية أزمة عدم توافر المستحضر في الصيدليات أو شركات المستلزمات الطبية في مدن ومراكز المحافظة واتهامات عدة طالت الشركة الحكومية بتخزين أكثر من 30 ألف عبوة تمهيدًا لرفع أسعارها وسط ممارسات احتكارية للتلاعب بالأسعار.

واتخذت الشركة إجراءات قانونية ضد بعض الجهات التي اشترت البنج وخزنته تمهيدًا لرفع السعر، ما أدى لاختفائه من السوق، وتوصّلت نقابة أطباء الأسنان إلى اتفاق مع شركة الإسكندرية للأدوية والصناعات الكيماوية الحكومية، يقضى بحصول النقابة على كميات من بنج الأسنان لسد العجز بالأسواق، بالإضافة إلى استيراد المادة الخام اللازمة لإنتاج كميات جديدة تغطي السوق المحلي حتى يناير 2020 بعد توفير الاعتمادات المالية اللازمة من مجلس الوزراء.

رصيد يكفي عامين

الأزمة الحقيقية هنا من وجهة نظر الدكتورة عبلة محمد يوسف، رئيس شركة الإسكندرية للأدوية والصناعات الكيماوية، تجددت بسبب الأزمة الطاحنة التي حدثت لعدم توفير الدولار اللازم لاستيراد الكربولات بسبب الظروف الاقتصادية الجارية، ما تسبب في تأخير التوريد وتم استيراد الكربولات الفارغة من الخارج مطبوعًا عليها أرقام التشغيلات وتاريخ الإنتاج وتاريخ انتهاء الصلاحية، لكن تأخرت الشركة في تعبئتها من 6 – 8 أشهر ما دفعها للتقدم بالتماس للإدارة المركزية لشؤون الصيدلة من أجل السماح للشركة بمد تاريخ صلاحيتها 6 أشهر أخرى لعدم إهدار المال العام وتوزيع الكميات المتبقية.

في الوقت ذاته، أكدت يوسف لـ”البديل”، أن الأزمة الحالية مفتعلة ولا يوجد أي نقص في بنج الأسنان بالسوق المحلي، موضحة أن البنج المتوفر حاليا بالأسواق يكفي لمدة عامين وتبلغ الكميات نحو 274 ألفا و846 عبوة داخل الشركة بتاريخ انتهاء ممتد من فبراير 2018 حتى شهر يوليو 2019.

تهديد الصناعة الوطنية

اتهامات عدة وجهتها النقابة العامة لأطباء الأسنان، إلى الشركة الحكومية بأنها عبّأت عبوات بتواريخ انتهاء مختلفة عن تاريخ انتهاء صلاحية المنتج، وتوزيعها بمنافذها الرسمية، خاصة أن تاريخ الإنتاج الفعلي لبنج الأسنان هو ديسمبر 2015، كما مدون على اللاصق، وليس يوليو من نفس العام، كما مدون على الكربولة (العبوة الزجاجية).

رئيس الشركة، أوضحت أن الكربولة المصرية مطبوع عليها التاريخ وفقًا لتاريخ الإنتاج الفعلي، ومن ثم لا يمكن لأي جهة أن تتلاعب بها، لكن العبوات المطروحة في الصيدليات صالحة للاستخدام وتداولها بالأسواق مراقب من قبل مفتشي وزارة الصحة، مضيفة أن المستفيد الوحيد من افتعال ذلك هم أصحاب الشركات الأخرى الموردة للبنج المستورد.