يوما أو بعض يوم

لعل من أجمل أنواع القراءة وأحفلها بالمتعة‏,‏ قراءة كتب السير الذاتية,‏ لأنها لا تشبع الفضول العادى للقارئ فحسب‏,‏ بل تعده كذلك بكشف المزيد من الأسرار عن اللحظات الفارقة والمواقف الصعبة فى حياة‏ العظماء من البشر,‏ فهى تقع فى تلك المسافة الضيقة المراوغة بين التاريخ والأدب‏، بين ما حدث بالفعل فى الواقع وما تحتفظ به الذاكرة فى الذهن,‏ بين خبرة الحياة الخصبة فى فترات توهجها‏ ولذة المعرفة بخباياها الدفينة‏.

ولعل السير الذاتية التى يكتبها الأدباء‏,‏ خاصة الروائيين منهم,‏ أكثر متعة‏ من تلك التى يكتبها الساسة والمفكرون ورجال العلم والفن والثقافة، لأن الأديب أقدر هؤلاء على السرد‏ الممتع,‏ وتقديم فتات الحوادث والمواقف والخواطر المختلفة‏‏ بطريقة متماسكة ورؤية واضحة,‏ تختار بالضرورة بعض الوقائع وتغفل بعضها الآخر، فتضفى قدرا من التشويق على المذكرات المكتوبة.

وبأسلوب ممتع وتفاصيل شيقة، كتب المثقف والأديب الكبير محمد سلماوى مذكراته التى صدرت مؤخرا بعنوان “يوما أو بعض يوم” عن دار نشر الكرمة، وحفلت بالكثير من الوقائع غير المعروفة لبعض أهم الأحداث السياسية والثقافية التى شكلت عالمنا خلال السبعين عاما الماضية، مصحوبة بأكثر من مائة صورة من أرشيفه الشخصى والعائلى، لترسم لنا لوحة نابضة بالحياة لمصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اغتيال السادات.

ومن تلك الوقائع التى ذكرها محمد سلماوى فى مذكراته، موقفا وطنيا عظيما لكوكب الشرق أم كلثوم، جسدت فيه بشخصها ارتباط الفنان بوطنه، فكانت رمزا لروح التحدى التى سادت مصر بعد هزيمة يونيو 1967. فبعد خمسة أشهر فقط من الحرب، قدمت أم كلثوم حفلها الشهير فى مسرح “أولمبيا” بباريس، لتحصل على أكبر أجر حصل عليه أى فنان من المسرح حتى هذا الوقت، وتعود لمصر فتقدمه مساهمة منها فى المجهود الحربى لبلادها.

وكان محمد سلماوى قد تعرف على مدير مسرح “أولمبيا” أثناء زيارته للقاهرة لتوقيع الاتفاق مع أم كلثوم، وقال المدير له إنه حين سألها عن الأجر الذى تطلبه، سألته أم كلثوم بدورها عن أعلى أجر دفعه من قبل، فقال إنه كان لمطربة فرنسا الأولى “إديت بياف”، فطلبت الحصول على ضعفه، وهو عشرين مليون فرنك فرنسى، بالإضافة إلى تذاكر السفر لها ولفرقتها الموسيقية المكونة من ثلاثين فردا، وإقامتها الكاملة فى فندق “جورج الخامس”.

وقد حضر محمد سلماوى الحفل، الذى كان ثمن التذكرة فيه ثلاثين ألف فرنك فرنسى، وكتب يقول إنه قد عمت حالة من الانتشاء جميع الحضور أثناء غناء أم كلثوم أغنية “أنت عمرى”، وبكى هو نفسه مع صراخ الجمهور من الأعماق أثناء أغنية “الأطلال”.

وفى الاستراحة، فوجئ محمد سلماوى بمدير المسرح يهرع إليه طالبا منه التوجه معه فورا إلى أم كلثوم ليترجم لها ما سيقوله. وكانت أم كثوم جالسة وسط الفرقة الموسيقية على كرسى مذهب من طراز “لويس السادس عشر”، فحياها المدير وقبل يدها، فردت عليه التحية من دون أن تنهض من على كرسيها. ثم أبدى المدير اعتراضه على طريقة تقديم الفقرة الأولى من الحفل، التى تحدث فيها المذيع حديثا سياسيا ليس هذا مجاله على حد تعبيره. وكان جلال معوض قد قدم الحفل باعتباره نصرا سياسيا للعرب، وقال: “اليوم تشدو كوكب الشرق فى عاصمة النور باريس، وغدا بإذن اللـه تشدو فى القدس المحررة”. وناشد المدير أم كلثوم أن تطلب من المذيع ألا يقدم الفقرة الثانية بهذه الطريقة الحماسية، مضيفا: “نحن فى حفل فنى، ولسنا فى مناسبة وطنية”.

شعر محمد سلماوى بالحرج من الموقف، وتحير كيف سيترجم ذلك لأم كلثوم، لعلمه بأنها لن تقبل هذا الكلام، لكن قبل أن ينطق فمه بكلمة، انتفضت أم كلثوم واقفة، وقد فهمت من دون ترجمة كل ما قاله المدير اليهودى للمسرح، وقالت: “قل له بل نحن فى مناسبة وطنية، وإنى جئت لفرنسا من أجل المساهمة فى المجهود الحربى لبلادى، وإذا كان أسلوبنا لا يروق له فليعتبر اتفاقنا لاغيا”. ثم التفتت أم كلثوم إلى أعضاء فرقتها الموسيقية وأمرتهم أن يجمعوا آلاتهم ليغادروا المسرح. فكاد المدير أن يفقد وعيه ومحمد سلماوى يترجم له بسرعة ما قالته أم كلثوم، وأمام اعتذاراته المتكررة وتوسلاته المتلاحقة، تراجعت أم كلثوم عن قرارها، وقدم جلال معوض الفقرة الثانية من هذا الحفل التاريخى من دون أن تحاول أم كلثوم كبح جماح حماسه الوطنى.

ومن المواقف الإنسانية التى تضمها المذكرات أيضا، موقفا راقيا ونبيلا لأديبنا الكبير نجيب محفوظ. فيذكر محمد سلماوى أن مكتب توفيق الحكيم بالدور السادس فى الأهرام، كان هو المكتب الذى خصص لنجيب محفوظ بعد حصوله على جائزة نوبل فى الآداب عام 1988، حيث توفى توفيق الحكيم فى العام السابق وظل مكتبه مغلقا إلى أن قررت إدارة الأهرام أن يكون المكتب لنجيب محفوظ حتى يليق بمكانته الرفيعة وبزواره القادمين من مختلف أنحاء العالم، بدلا من مكتبه السابق الذى كان مشتركا مع الدكتورة بنت الشاطئ. وهنا يعطينا نجيب محفوظ درسا فى التواضع والأخلاق الكريمة، فيرفض طوال السنوات التى قضاها فى هذا المكتب الجديد أن يجلس إلى مكتب توفيق الحكيم، واستمر يجلس كالضيف على الأريكة الجلدية ذات اللون الأخضر الداكن الموجودة بالمكتب، والتى كان يجلس عليها حين كان يحضر إلى توفيق الحكيم.

وذات يوم جاء بمكتب محمد سلماوى، حين كان وكيلا لوزارة الثقافة، فريق صحفى من مجلة “بارى ماتش” الفرنسية، يطلبون منه مساعدتهم فى عمل موضوع مصور عن نجيب محفوظ وكيف يعيش حياته اليومية. وقاموا بالفعل بتصويره بين أصدقائه، وفى الشارع أثناء جولته الصباحية من منزله بالعجوزة إلى ميدان التحرير، وفى المقهى الذى كان يجلس فيه كل صباح ليقرأ الصحف، ثم أرادوا أن يصوروه أيضا فى مكتبه بالأهرام، لكنهم فوجئوا حين ذهبوا إليه هناك أنه يرفض تماما الجلوس إلى المكتب، فلم يفهموا لذلك سببا، واتصلوا بمحمد سلماوى هاتفيا طالبين منه محاولة إقناعه بالجلوس إلى المكتب من أجل التصوير، فقال له نجيب محفوظ بكل بساطة: “كيف يصوروننى على مكتب ليس مكتبى”.

كان نجيب محفوظ يقدر توفيق الحكيم تقديرا كبيرا ويضعه فى مرتبة أستاذه، وكان أول رد فعل له حين علم بفوزه بجائزة نوبل قوله: “كان أساتذتى أولى بها منى”، وحين سأله محمد سلماوى من يقصد، ذكر له أربعة هم: طه حسين، وعباس العقاد، وتوفيق الحكيم، وعبد القادر المازنى. على أن تقدير توفيق الحكيم لنجيب محفوظ كان عظيما هو الآخر، فحين أهداه كتاب “مصر بين عهدين” فى إحدى المناسبات، كتب فى الإهداء رأيه فى نجيب محفوظ فقال: “إلى عبقرى الرواية نجيب محفوظ، الذى أقام للرواية العربية طوابق شامخة بعد أن وقفنا نحن عند الطابق الأول”.

تلك كانت بعض الوقائع والمواقف العديدة التى تضمها المذكرات الممتعة للمثقف والأديب الكبير محمد سلماوى، الذى ألقى كلمة نجيب محفوظ فى محفل نوبل، وتشاء الأقدار أن يكون مكتب نجيب محفوظ الأصلى بالدور السادس فى الأهرام هو مكتبه حين عاد إلى الجريدة العام الماضى، بعد أن كانت الإدارة فى عهد الإخوان قد أنهت علاقته بالأهرام.