ولكن الحكام لا يعتبرون

حين وقف معمر القذافي بين زملائه من حكام العرب يحذرهم من نفس النهاية المأساوية التي انتهى إليها صدام حسين لم يكن يدري أنه هو نفسه سوف يلقى نفس المصير، وسوف يتجرع نهاية أكثر مأساوية من صدام نفسه.

وقف الزعيم الليبي يصرخ في وجه حكام العرب سوف نلقى جميعاً مصيراً أسوأ من مصير صدام حسين، وكأنه كان يتنبأ بمصيره هو وزين العابدين بن علي وحسني مبارك وعلي عبد الله صالح، فقد جاءت الحوادث وفقاً لتحذيراته وشهد مصيره أسوأ نهاية.

قبله هرب بن علي من تونس، كان خروجه من الحكم أشبه بالمستحيل، وما يزال التوانسة يتذكرون حتى اليوم مشهد المواطن التونسي الذي يقف في عرض الطريق وهو يصرخ غير مصدق يملأ قلبه الفرح والانتصار: بن علي هرب، بن علي هرب، بن علي هرب. تونس تحررت.

وفي مصر صدق مبارك مقولة أبواقه ومنافقيه بأن مصر ليست تونس، وانتهى به الحال محمولاً على سرير متحرك داخل قفص حديدي يرفع يده وهو يقول لرئيس المحكمة: أيوه أنا موجود يا أفندم.!

لم يكن يخطر على بال أكثر المتشائمين بنهاية هؤلاء بدءاً من صدام حسين ومروراً بزين العابدين ثم حسني مبارك ثم القذافي أن تكون نهايتهم بمثل هذه المأساوية المفرطة في الميلودرامية المفجعة.

علي عبد الله صالح هو آخر عنقود الحكام العرب الذين انتهى بهم الحال إلى نهاية مزرية في مأساويتها، ظل يتلاعب فوق رؤوس الثعابين حتى جاءته اللدغة الأخيرة لتنهي قصته على الشاكلة نفسها التي ماثلت مأسويتها ما جرى في مأساة مصرع معمر القذافي.

انتهى معمر القذافي ملك ملوك إفريقيا وإمام المسلمين وقائد الثورة في العالم ورئيس الاتحاد الإفريقي وعميد الحكام العرب اندلعت ضده ثورة لم يكن يتخيل وقوعها ولا حتى في كوابيسه، وكانت نهايته هي الأكثر مأساوية، بين الحكام الذين ثارت عليهم شعوبهم، قبض عليه وهو يختبئ في أنبوب صرف صحي، بعد أن حاول الهرب من مسقط رأسه في سرت بعد ثورة مسلحة استمرت سبعة أشهر للإطاحة به، ليتم التنكيل به وضربه وسحله حتى القتل، والتمثيل بجثته وعرضها للمشاهدة والتقاط الصور التذكارية في إحدى الأسواق.

مأساة القذافي أنه هو نفسه حذر من هذا المصير المأساوي، ولكنه لم يعتبر ولا استمع إلى صوت تحذيره، كأن على الجميع أن يعتبروا إلا هو فوقع في نفس المصير وهو مفتوح العينين غير مصدق، ومأساة علي عبد الله صالح أنه لم يعتبر بمصير من سبقوه، والأسوأ أنه لم يعتبر مما جرى معه هو شخصياً، يوم خرج عليه اليمنيون طالبين رحيله، ولم يعتبر يوم حرقته قذيفة طائشة وهو في مسجد قصره الذي بناه على جماجم اليمنيين، وحين تم له الخروج الآمن من السلطة، وقبض مقابل تنازله عنها، وأمن مصيره ومستقبل عائلته عاد من جديد ليمضي في الطريق نفسه إلى نهايته المأساوية مصراً على التمسك بسلطة كان هو نفسه يشبه الجالس فوق مرسيها بالجالس على رؤوس الأفاعي.

كأنهم جميعاً أبطال لمأساة وملهاة مجمعة ظلوا قابضين على الباطل الذي بين أيديهم فماتوا أو انتهوا صرعى حبهم للسلطة والتسلط، انتهوا صرعى جرائمهم في حق أنفسهم وحقوق مواطنيهم وحق بلادهم التي كانوا هم السبب في تخلفها وفسادها وأعادوها إلى الوراء ألف عام.

هي المأساة نفسها التي تتكرر في كل بلد عربي تحكمه الديكتاتورية ويتحكم فيه داء التسلط، ليبقى السؤال الأهم اليوم وبعد كل هذه المآسي المتتابعة: ماذا جنته الديكتاتوريات العربية على شعوب المنطقة.

حتى هؤلاء الذين ينحازون ـ بسبب أو بآخر ـ لبعض هؤلاء الحكام عليهم أن يتوقفوا أمام السؤال ويحكموا ضميرهم ويحكموا عليهم أو لهم تبعاً للنتائج التي أسفرت عنها مسيرة التسلط في بلدان العرب.

لم تكن الأوضاع قبل أي ديكتاتور حكم بلده بالحديد والنار أفضل أحوال العرب، ولكن أحوال العرب حصيلة السنوات الطويلة من الديكتاتورية أسوأ ألف مرة عما سبقها من أحوال.

كانت الآمال عظيمة مع صدام حسين في العراق وكان هو نفسه الذي ابتعث تلك الآمال من قام بهدمها وهدم العراق على رؤوس أهله، فأدخله في حروب وصراعات أتت على كل ما أنجزه لتعود العراق على أيدي أعدائه إلى ما قبل التاريخ.

وكانت الآمال العراض مفتوحة على المستقبل في ليبيا حين اندلعت شرارة ثورة الفاتح من سبتمبر سنة 1970، وبعد أكثر من أربعين سنة من حكم ديكتاتوري فردي تسلطي أحمق انتهت ليبيا إلى دويلات متقاتلة وتدخلات أجنبية بالجملة من كل من هب ودب، وصارت ليبيا مرتعاً لعصابات الإرهاب، وملعباً تمرح فيه قوى التخلف والقبلية والعشائرية، وصار أرضا يباع فيها الانسان رقيقاً في القرن الواحد والعشرين.!

ومع وحدة اليمن الشمال والجنوبي كانت آمال اليمنيين قد انعقدت على تاريخ جديد محمل بالآمال بدوره، ثم انتهى بهم الحال إلى الانفصال والانقسام والتشرذم والتحارب الداخلي والتدخل العسكري الخارجي الذي جعل اليمن السعيد أتعس بالد الأرض قاطبة.

لم تنته ديكتاتورية في التاريخ إلا نهاية مأساوية، على الشعوب وعلى الديكتاتوريين أنفسهم، هتلر وموسليني، وشاوشيسكو، وصدام، والقذافي، ومبارك، وبن علي، وأخيراً وليس آخراً، علي عبد الله صالح.

إنها المأساة نفسها تتكرّر، دائماً كانت النهايات واحدة بدرجات متفاوتة من المأساوية، وهذا هو درس التاريخ البعيد والقريب لمن يريد أن يعتبر.

ولكن حكام العرب لا يعتبرون؟