هل سيكون مصير ابن سلمان كمصير الشاه؟؟

كانت الغيوم تتلبد في سماء السعودية عندما استلم الأمير سلمان بن عبد العزيز العرش في بداية العام ٢٠١٥ ، فإنخفاض أسعار النفط شكل صدمة قوية لبلد يعتمد عليه في أكثر من ٩٠٪‏من إيراداته، ويعتبر المحرك الرئيسي لمجموع الاقتصاد السعودي، كما يشكل أكثر من ٨٠٪‏من الصادرات. وبالإجمال هو الذي يضمن صمت الرعية ويشبع جشع العائلة المالكة ويحافظ على رضى الحامي الأمريكي ويسمح بممارسة النفوذ على الدول الأخرى، فالسعودية إذاً في ظل إنخفاض أسعار النفط هي غيرها في ظل إرتفاع أسعاره، ومازاد الطين بلّة الحرب التي شنها ابن سلمان كوزير للدفاع بعد ثلاثة أشهر فقط من تعيينه، والتي ابتلعت حتى الآن حوالي مئتي مليار دولار ، وكل المؤشرات تشير إلى أن لا نهاية قريبة لها .

المصائب لا تأتي فُرادى

ولسوء حظ السعودية ترافق ذلك بانخفاض أهميتها، وأهمية المنطقة عموماً، بالنسبة للولايات المتحدة، وكان وراء ذلك عامليْن اثنين، الاول إستخراج الزيت الصخري الذي حرر أمريكا من الاعتماد على نفط المنطقة، والمتهم من قبل البعض بأنه وراء إنخفاض أسعار النفط ، والثاني إنتقال الصراع الجيوإستراتيجي إلى شرق آسيا حيث المارد الصيني الذي بدا يزعزع المكانة المهيمنة للولايات المتحدة في العالم. ومع إنخفاض أهمية المنطقة قررت إدارة أوباما السابقة التخفف من مشاكلها وأعباءها فيها للتركيز على إحتواء الخطر الصيني، ودفع المتصارعين في المنطقة للبحث عن طريقة للتعايش فيما بينهم، فسارت على مسارين إثنين، الأول تكثيف جهودها لوضع المفاعل النووي الإيراني تحت رقابة دولية صارمة مع تخفيض مستوى التخصيب المسموح به لإيران، وهذا ما تحقق عبر المفاوضات بالإتفاق النووي الإيراني. والثاني محاولة دفع المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو تحقق الأمن لإسرائيل وتعطي أملا للفلسطينيين بدولة ما، تنهي الصراع في المنطقة أو تضعه على الأقل تحت السيطرة، وهذا ما فشلت بتحقيقه إدارة اوباما بسبب تعنت نتنياهو .

المهم أن الرياض رأت في الإتفاق النووي تخليا أمريكيا عنها في مواجهة عدوتها اللدودة طهران التي تعمل على توسيع نفوذها في المنطقة بحسب رؤيتها.

قانون جاستا

وفيما كانت إدارة أوباما تمضي شهورها الأخيرة في البيت الأبيض أضاف الكونجرس وبأكثرية كبيرة ودون أي معارضة تهديدا جديدا للسعودية بإقراره قانون جاستا أو العدالة ضد رعاة الإرهاب الذي يسمح لذوي ضحايا تفجيرات سبتمبر ٢٠٠١ بمقاضاة المملكة ومطالبتها بتعويضات قدَّرَها خبراء بحدود ٣تريليون دولار، وشكل هذا القانون هاجساً مرعباً لآل سعود وأساسا لحملة انفتاح داخلية خففت بموجبها من قبضة المؤسسة الوهابية المتهمة في الخارج بأنها تفرخ المتشددين الإسلاميين.

من أوباما إلى ترامب

وما أن رحلت إدارة أوباما حتى تنفس حكام السعودية الصعداء، رغم أن القادم الجديد أراق ماء وجوههم بتصريحاته الفظة والمبتزة، وعلى رؤوس الأشهاد، خلال حملته الانتخابية إلى درجة أنه شبههم بالبقرة والتي سيقوم هو بحلبها، لكنهم ركزوا على موقفه الرافض للإتفاق النووي وبلعوا عدا ذلك في سبيل استعادة شعورهم بالأمان تحت الحماية الأمريكية، أمام تحديات واستحقاقات تتزايد يوما بعد يوم، داخلياً وفِي محيطهم، وكانوا على أهبة الإستعداد لتلبية كل مطالب الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب، بل والتشاور معه مسبقا فيما يتخذونه من قرارات وإجراءات.

وسبق هذه التطورات سَعْي الملك سلمان منذ اللحظات الأولى لتتويجه لحصر العرش بأبنائه (وكان الملك عبد الله يحاول فعل ذلك بتعيين إبنه متعب ولياً للعهد لكن وفاته عطلت العملية)، فعيَّنَ إبنه محمد الشاب وزيرا للدفاع، وبعد بضعة شهور جعله ولياً لولي العهد، وبقي محمد بن نايف العقبة الكأداء أمام تعيين ابنه ولياً للعهد، لما له من حظة وعلاقات بالمخابرات والمؤسسات الأمريكية الأمنية. وبعد حملة علاقات عامة قام بها ولي عهد الإمارات وسفيره في واشنطن لتلميع إبن سلمان وزيارة الأخير لأمريكا، التي مهدت لزيارة ترامب للرياض، وبعد حصول ترامب خلال زيارته للرياض على عقود وصفقات بمئات المليارات من الدولارات، استكملت خطوات عزل إبن نايف وتم تعيين إبن سلمان وليا للعهد.

التطبيع مع الكيان الصهيوني 

منذ سنوات والأنباء تتوالى حول وجود إتصالات سرية بين آل سعود ومسؤولين صهاينة، وشيئا فشيئا أصبحت تخرج إلى العلن، بهدف تهيئة الرأي العام السعودي لإقامة علاقات مع تل أبيب، وقام بهذه اللقاءات والإتصالات كل من اللواء أنور عشقي والأمير تركي الفيصل رئيس الإستخبارات السعودية السابق مع مسؤولين أمنيين صهاينة، وكانت الذريعة مواجهة الخطر الإيراني “الشيعي”، لكن هناك أمران استجدا دفعا الرياض للإندلاق أكثر على تل أبيب، تجسد في زيارة ولي العهد السعودي لها في سبتمبر الماضي، الأول سلسلة الخيبات التي نجمت عن تدخلات الرياض في سوريا واليمن وقطر، وهي النتيجة المتوقعة في لبنان أيضا، والثاني ولعله الأهم صدمة السعوديين حين اكتشفوا أنه لايوجد ثمة خلاف جوهري بين أوباما وترامب الذي يتبنى سياسة الأول القائمة على تجنب التورط في صراعات مسلحة في الخارج، وأوضحت دراسة استراتيجية صهيونية أن ترامب يعي أن الأمريكيين المؤيدين له “يرفضون إستخدام السلاح والجنود الأمريكيين للحفاظ على السعودية، لأن هؤلاء يذكرون أن منفذي هجمات ١١سبتمبر كانوا من السعوديين ” . وبذلك فإن أول دعائم الأمن السعودي تهاوت بعد توقف أمريكا عن لعب دور شرطي المنطقة وهو الدور الذي راهنت عليه السعودية تاريخياً لضمان سيادتها وأمنها.

وقد توهم ابن سلمان الملك غير المتوج أنه بهذا الإندلاق نحو تل أبيب سيوظف قوتها العسكرية في تصفية حساباته مع أعدائه، وهم أعداء الكيان الصهيوني أيضا، فتصور مثلاً انه بإجبار سعد الحريري على الاستقالة سيرفع غطاء الشرعية اللبنانية عن حزب الله وبالتالي يسهل على تل أبيب مهمتها في القضاء عليه، ليأتيه رد آيزنكوت رئيس الأركان الصهيوني في مقابلة له مع الموقع الإلكتروني السعودي “إيلا”، بأن كيانه لا يفكر حالياً “بمهاجمة حزب الله”، لكنه عرض على الرياض تقديم معلومات إستخبارية عند الضرورة. وكان معلق صهيوني قد ألمح إلى أن كيانه يعكف حالياً على تقديم مساعدات كبيرة للسعودية في حربها في اليمن.

وأخطر مافي إندلاق السعودية الحالي نحو الكيان الصهيوني هو توجهها للتطبيع معه على أرضية مواقفه المتعنتة والرافضة للإنسحاب من الأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة منذ العام ١٩٦٧ وعودة اللاجئين الفلسطينيين، والأنكى إعتبار أي مقاومة للإحتلال من قبيل الاٍرهاب، ما يعني مشاركة السعودية في تصفية القضية الفلسطينية، التي يجري التحضير لها في واشنطن وتل أبيب والرياض وأبوظبي.

ختاماً

وكما يبدو فإن الفشل الذي لاحق ولي العهد السعودي في سوريا واليمن وقطر، وحالياً في لبنان، بالإضافة إلى صعوبة تنفيذ خطته رؤية ٢٠٣٠ لتنويع مصادر الاقتصاد السعودي، واستمرار عجز الميزانية، الذي اضطر السعودية لسحب نحو مئتي مليار دولار من إحتياطاتها على مدى السنوات الثلاث الماضية، دفعه للقيام بحملة إعتقالات لأمراء ومسؤولين ورجال أعمال لابتزازهم ومصادرة أموالهم وإبعاد المعارضين من طريقه للعرش، وقد اعتبرت صحف أمريكية أن مايقوم به إبن سلمان خطيرٌ جداً لأنه يخوض حروباً على جبهات متعددة في الوقت نفسه، منها المواجهة مع الأمراء ومراكز النفوذ داخل العائلة المالكة وكبار رجال الأعمال إلى جانب المواجهة مع المؤسسة الدينية والتقليديين، وهذا ما جعل البعض يتنبأ بأن مصيره سيكون مصير شاه إيران.

كان البعض يشبّه السعودية بجنازة حارة تنتظر الدفن، ويبدو أن دفنها سيتم على يد ابن سلمان، فأزمة السعودية لا تحل بالمظاهر والأحلام الوردية بل بتوزيع عادل للثروة ومحاربة الفساد ودمقرطة الحُكم وإيقاف التمييز المذهبي وقطع علاقات التبعية بامريكا ووقف التطبيع مع كيان غاصب وإيقاف الحروب والتدخلات العبثية في الدول العربية الأخرى واتباع اُسلوب الحوارمع الجوار لحل الخلافات، هذا هو الطريق الوحيد لخروج السعودية من أزمتها المزمنة، وما عدا ذلك ليس إلا تغيير للطربوش.