نيران حلايب وشلاتين

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

فى تصعيد جديد لأزمة حلايب، أرسلت الخرطوم، الأسبوع الماضي، خطابا للأمم المتحدة ترفض فيه اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، لأنها تتعدى على حقوق السودان داخل مثلث” حلايب المحتل”، كما أشار الخطاب إلى شكاوى السودان المستمرة من الاعتداءات المصرية على حلايب منذ عام 1985 وحتى الآن!.

من حق السودان طبعا أن يشكو من يشاء لمن يشاء، ولكن هل هناك حقوق فعليا للسودان فى مثلث حلايب ؟ وهل مصر تحتل المثلث باعتباره أراض سودانية؟ وهل ستظل هذه القضية تثير الخلافات بين البلدين إلى الأبد بدون أن تجد حلا يرضى الطرفين؟.
يستند الأشقاء فى السودان فى مطالبتهم بحلايب إلى قرار وقعته بريطانيا عام 1902 مع الحكومة المصرية يقضى بنقل المنطقة للإدارة السودانية لتسهيل ظروف حياة وحل مشاكل قبائل البشاريين الذين يتنقلون عبرحدود البلدين، وأن مصر منذ ذلك التاريخ وحتى عام 1958 لم تعترض على هذه الإدارة السودانية ، وأن على مصر ألا تخالف مواثيق منظمة الوحدة الإفريقية ب”احترام الحدود” التى رسمها الاستعمار بين دول القارة.

لكن ما يتجاهله إخوتنا فى السودان أن اتفاقية عام 1899 حددت خط عرض 22 لترسيم الحدود بين البلدين، وهو ما يعنى ان حلايب وشلاتين تقع ضمن الحدود المصرية، كما تجاهلوا أيضا أن هناك خطوطا واضحة تماما تفصل بين الحيازة والملكية، وأن مصر وافقت على إدارة السودان للمثلث نظرا للعلاقة الخاصة آنذاك التى كانت تربط بينهما، حيث كان السودان فى هذه الفترة “إقليما” من وجهة نظر الواقع الفعلى والقانون الدولي، ولم يكن دولة ذات سيادة على أراضيه ، بل كان هو ومصر بلدا واحدا.

ومع ذلك، فإن معظم المسئولين السودانيين يصرون على تجاهل كل هذه الحقائق الدامغة التى تؤكد مصرية المثلث، ويطالبون القاهرة بالتفاوض لحل الأزمة أو اللجوء للتحكيم، ويبررون رفض مصر لهذين المطلبين بسبب ضعف موقفها وخشيتها من فقدان المنطقة وعودتها للسودان، دون أن يوضح هؤلاء المسئولون لنا ولفصائل الشعب السودانى نفسه قبل ذلك سبب عدم اعترافهم باتفاقية 1899، وما الذى يدعو المصريين حكومة وشعبا لعدم الاعتراف بها أيضا حتى نذهب للتحكيم حول أراضى بحكم القانون تخضع للسيادة المصرية!.

وحتى عندما يقول السودانيون إن مصر ينبغى أن تعيد حلايب وشلاتين لهم مثلما أعادت تيران وصنافير للسعودية، فإنهم يتجاهلون الرفض الشعبى العارم فى مصر للتنازل عن تيران وصنافير، وأن حكم المحكم الإدراية العليا فى مصر أكدت مصريتهما، وأن هناك قناعة مطلقة لدى المصريين أنه فى وقت ما فى المستقبل سوف يستعيدون الجزيرتين بكل الوسائل المتاحة حتى لو وصلت العلاقات مع السعودية إلى نقطة اللاعودة، وأن نظام الرئيس عبد الفتاح السيسى أخطا خطا كبيرا بالتنازل عنهما، وهو نفس الموقف الذى سوف ينطبق تماما على حلايب وشلاتين إذا تنازل عنها النظام المصرى للسودان، ليضع علاقات البلدين فى مواجهة توترات ساخنة لا يريد أحد أن نصل إليها.

منذ حصول السودان على استقلاله فى الأول من يناير عام 1956، وقرار البرلمان السودانى برفض الوحدة مع مصر احتجاجا على اطاحة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بالرئيس محمد نجيب، لم تكن علاقات البلدين تسمح بتجاوز جراح الانفصال بسهولة، المصريون انشغلوا بالحروب مع إسرائيل وأعطوا ظهرهم للسودان، والسودانيون انتقدوا ما أسموه محاولات مصر للهيمنة على بلدهم، وحصولها على أراضى بوداى حلفا لبناء السد العالي، بل وحصولها على حصتهم من مياه النيل، وتصاعدت الانتقادات لتصل إلى حد “حسد” المصريين لهم، ورغبتهم فى عدم تقدم السودان، ودعم مصر لنظام جعفر نميرى الديكتاتورى، ثم ضرب “المشروع الإسلامى” الذى يحكم السودان عقب انقلاب د. حسن الترابى على نظام الصادق المهدى عام 1989، وعدم تنفيذ مصر لاتفاقية الحقوق الأربعة فى “التنقل والتملك والإقامة والعمل”، وفى الكثير من هذه الأحداث كانت حلايب وشلاتين هى الورقة المفضلة لحكام الخرطوم فى تصعيد الخلافات مع مصر، إلى أن وصل الأمر إلى اللعب بورقة مياه النيل والوقوف بجانب إثيوبيا ضد مصر فى سد النهضة، للدرجة التى بدأت فيه العديد من الكتابات فى الصحف السودانية بالاستعداد لشن الحرب على مصر وحصارها بسلاح المياه، وهى الكتابات التى تجد صدى واسع بين الكثير من فصائل الشعب السودانى وخاصة فى مواقع التواصل الاجتماعى!

ما لا يدرك خطورته المسئولون السودانيون أنهم أول من سيحترق بالنار التى يشعلونها لتصعيد أزمة حلايب، لأنهم بذلك يساهمون فى دعم تيار سودانى متنام يرفض كل مكوناته العربية التى امتزجت بمكوناته الأفريقية عبر أحقاب تاريخية طويلة، وأن السودانيين ليسوا عربا إطلاقا ولكنهم أفارقة فقط، وأنه آن الآوان للانسحاب من جامعة الدول العربية، وهو ما يهدد بانهيار كل المنظومة الفكرية والسياسية بل وأساس الشرعية التى يحكم هؤلاء المسئولون السودان بمقتضاها، وقبل ذلك كله بتصاعد رغبات الانفصال لدى مكونات السودان فى الشرق والغرب، بعد أن انفصل الجنوب بالفعل!

المؤكد أن النهاية السعيدة لحلايب وشلاتين ترتبط ارتباطا عضويا بإقامة نظام ديمقراطى فى شطري الوادي، ينهي استغلال حكام الخرطوم للمثلث لتحقيق شعبية زائفة، ويفرض على مصر الاهتمام بالانتقادات السودانية لسياساتها تجاهها، ويجعل المثلث نقطة تلاقى بين البلدين لا بؤرة خلافات ومشاحنات!