مستقبل «القدس» رهن القرار الأمريكي.. تحركات دبلوماسية ومحاولات حشد دولية

بات الحديث عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بدلًا من تل أبيب يربك الأجواء السياسية، ليس فقط في فلسطين المحتلة، بل في منطقة الشرق الأوسط ككل، فبعد عام من التكتم على وعود الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الانتخابية بشأن نقل سفارة بلده إلى القدس المحتلة، عاد ترامب ليلوح بتنفيذ وعوده التي أصبحت أقرب للواقع من أي وقت مضى؛ نظرًا للتغيرات السياسية في المنطقة، والتي يأتي على رأسها التطبيع العربي الإسرائيلي.

تلويح أمريكي جديد

عاد منذ أيام قليلة الحديث عن مصير مدينة القدس المحتلة إلى واجهة الساحة السياسية الفلسطينية والعربية، حيث كثرت الأنباء حول تفكير ترامب جديًّا في مسألة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة بدلًا من تل أبيب؛ تمهيدًا لإعلان القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وذلك تنفيذًا لوعود انتخابية سابقة كان قد أطلقها الرئيس الأمريكي نهاية عام 2016، ليعود في يونيو الماضي خطوات إلى الوراء، ويحبط الآمال الصهيونية، بعدما أكد أنه لن ينقل السفارة في الوقت الحالي؛ بذريعة إعطاء فرصة لاستكمال عمليه السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ليؤكد المسؤولون الأمريكيون مجددًا، السبت الماضي، أن ترامب يعتزم الاعتراف بمدينة القدس عاصمة للكيان الصهيوني، في خطاب يلقيه الأربعاء المقبل، الأمر الذي فجّر قنبلة سياسية في الشرق الأوسط الذي يعج بالأزمات.

تحذيرات وحراك دبلوماسي عربي

من جانبه أعرب الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، عن بالغ قلقه من التقارير التي تفيد بعزم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ونقل سفارة واشنطن لها، وأكد “أبو الغيط” أن الجامعة تتابع المسألة بعناية، محذرًا من التداعيات الوخيمة التي قد تجلبها هذه الخطوة إلى المنطقة والعالم كله، وأعرب الأمين العام للجامعة عن أسفه من إصرار البعض على محاولة إنجاز هذه الخطوة دون أدنى انتباه لما تحمله من مخاطر كبيرة على استقرار الشرق الأوسط وكذلك العالم ككل.

ذكر “أبو الغيط” أن الجامعة العربية سبق أن شجعت البيت الأبيض في مساعيه الرامية إلى إعادة تفعيل مسار التسوية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين، مشيرًا إلى أن الخطوة المتوقعة لا تخدم إلا مصالح تل أبيب، وأكد وجود اتصالات بين الجامعة العربية والحكومة الفلسطينية والدول العربية الأخرى؛ من أجل تنسيق الموقف العربي الموحد في حال اتخاذ الإدارة الأمريكية هذه الخطوة.

من جانبه حذر وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، الولايات المتحدة من عواقب خطيرة لو اعترفت بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، وقال “الصفدي” إنه أبلغ نظيره الأمريكي، ريكس تليرسون، بأن أي إعلان بهذا الشأن سوف يثير غضبًا عارمًا في العالمين العربي والإسلامي.

تحركات فلسطينية ومحاولات حشد

تجسد أول مؤشرات المصالحة الفلسطينية في اتصال هاتفي أجراه رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية، مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مساء أمس الأحد، حيث بحث الطرفان خطورة وتداعيات النوايا الأمريكية تجاه مدينة القدس، وأكدا على ضرورة تقوية البيت الفلسطيني لمواجهتها، داعين إلى ضرورة خروج الجماهير الفلسطينية في كل مكان الأربعاء المقبل؛ للتعبير عن غضبها ورفضها للقرار الأمريكي، وفي ذات الإطار شدد الجانبان على ضرورة “التقدم السريع في خطوات المصالحة وتحقيق الوحدة الوطنية، وحشد كل الجهود الإعلامية في معركة القدس والقضايا الوطنية، ووقف أي شكل من أشكال التوتر أو التراشق الإعلامي الداخلي”.

من جانبه شدد أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، صائب عريقات، على أن أي اعتراف أمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل سيعني انتهاء عملية السلام فورًا، وأضاف عريقات: أبلغنا الأمريكيين بشكل واضح بأن نقل السفارة الأمريكية للقدس أو الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل سيعني إنهاء عملية السلام في المنطقة، وليس فقط انسحاب الولايات المتحدة كراعٍ لهذه العملية.

بدوره أكد القيادي في حركة حماس، عزت الرشق، أن الأنباء عن اعتراف الإدارة الأمريكية بمدينة القدس المحتلة عاصمة للاحتلال، تحدٍّ صارخ واستفزاز كبير لمشاعر الأمة العربية والإسلامية، وسيكون بمنزلة إطلاق شرارة الغضب الذي سيتفجر في وجه الاحتلال.

في ذات الإطار انطلقت محاولات حشد الرفض الدولي للخطوة الأمريكية، حيث دعا وزير الخارجية الفلسطينية، رياض المالكي، إلى عقد اجتماعين طارئين لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي؛ لبحث تلويح واشنطن الأخير بشأن القدس، فيما أجرى الرئيس الفلسطيني اتصالات هاتفية مكثفة مع عدد من الرؤساء العرب والأجانب، من بينهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتركي رجب طيب أردوغان، وإعلامهم بصورة أوضاع مدينة القدس المحتلة في ظل المخاطر التي تحدق بها.

صفعة أممية صادمة

بالتزامن مع أصوات الرفض التي تعالت خلال الأيام الماضية في مقابل التلويح الأمريكي، ومحاولات الحشد العربية والإسلامية لثني واشنطن عن اتخاذ القرار، جاء تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة ضد تبعية مدينة القدس لدولة إسرائيل؛ ليبعث برسالة صادمة للكيان الصهيوني وحليفه الأمريكي، مفادها أن معظم دول العالم ترى بوضوح حق الفلسطينيين في أراضيهم، حيث صوتت 151 دولة في الجمعية العامة للتأكيد على أنه لا صلة للقدس بإسرائيل، مقابل تسع دول ممتنعة، وست داعمة، هي إسرائيل والولايات المتحدة وكندا وجزر مارشال وميكرونيسيا وناورو.

وفي أعقاب هذا التصويت الكاسح، صدر قرار أممي ينص على أن أي خطوات تتخذها إسرائيل كقوة احتلال لفرض قوانينها وولايتها القضائية وإدارتها في مدينة القدس غير مشروعة، وتعتبر ملغاة وباطلة ولا شرعية لها، داعيًا السلطات الإسرائيلية إلى احترام الوضع القائم تاريخيًّا في المدينة قولًا وفعلًا، وخاصة في الحرم القدسي الشريف، وقد صدر هذا القرار مع 5 قرارات أخرى تدين التواجد الإسرائيلي المتواصل في الجولان المحتلة، ودعمته 105 دولة، مقابل 6 معارضة و58 ممتنعة.

أمام الضغوط.. هل تتراجع أمريكا؟

الحراك الدبلوماسي الكبير الذي اشتعل مؤخرًا في المنطقة العربية دفع صهر ترامب وكبير مستشاري البيت الأبيض، جاريد كوشنر، إلى التأكيد على أن الرئيس لم يتخذ بعدُ قرارًا بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وكذلك نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، وهي التصريحات التي عدها البعض تراجعًا أمريكيًّا أمام الضغط الدولي، وأضاف المستشار الأمريكي أن الرئيس ترامب لا يزال يزن خياراته قبيل اتخاذ أي قرار بهذا الشأن، وتابع أن ترامب لا يزال ينظر في الكثير من الحقائق، فيما رجح مسئول أمريكي أن يرجئ الرئيس قراره للمرة الثانية على التوالي، وهو ما يتناسق مع التضارب الأمريكي في الشأن السياسي الخارجي.

من جانب آخر رأى العديد من الخبراء والسياسيين أنه في حال اتخاذ ترامب قراره بنقل السفارة والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فإنه بذلك لن ينسف فقط عملية السلام المزعومة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولن يفجر فقط انتفاضة فلسطينية ثالثة قد تكون الأقوى في تاريخ فلسطين المحتلة، بل سيبعث بذلك رسالة صادمة إلى الدول العربية التي يصفها بـ”المعتدلة” ويعدها حليفة له، مفادها أن “مواقفكم السياسية لا تعنيني، ولا آخذها على محمل الجدّ”، ناهيك عن حالة الإحراج التي سيضع الدول العربية فيها أمام شعوبها، أضف إلى ذلك مواجهة الدول العربية بحقيقتها التي اتسمت خلال السنوات الأخيرة بالذل والهوان.