مدير متحف الفنون الجميلة لـ«البديل»: نعاني قلة الكوادر.. وملف الثقافة مهمش

 

المتحف يضم ألفي لوحة لفنانين من القرن الخامس عشر الميلادي
الإسكندرية احتضنت أول بينالي بالشرق الأوسط بعد فينسيا
الدخول للمتحف مجانا.. وعدد الزائرين 11 ألفا خلال العام الماضي
مرتبي بعد 15 سنة عمل بوزارة الثقافة ألفي جنيه
قاعة المستشرقين الأقرب لذائقة الجمهور العادي
يجب تحويل القصور القديمة إلى متاحف لتستوعب اللوحات المحبوسة بالمخازن

دائما يكون مقصد الكثيرين عند السفر للإسكندرية، الذهاب إلى البحر كهدف رئيسي، ثم المكتبة، وقلعة قايتباي، وبعض المطاعم الشهيرة، لكن لا يعرف كثيرون أن هناك قصرا قابعا بمنطقة محرم بك، يضم لوحات فنية تعود للقرن الخامس عشر، مرسومة بريشة مجموعة من أعظم فناني العالم، فهناك كنز حقيقي يسمى متحف الفنون الجميلة.. التقت “البديل” بمدير المتحف، الدكتور علي سعيد؛ للتعرف من خلاله على نشأة المتحف وأسباب افتقاره للدعاية الكافية للجمهور والتحديات التي يواجهها.

بداية.. ماذا عن الخلفية التاريخية لإنشاء هذا المتحف؟

قصة بناء المتحف لها عدة محطات؛ بدأت عام 1904 من خلال أحد محبي الفنون الجميلة، يدعى إدوارد فريد هايم، وكان تاجرا يهوديا ثريا يعيش بالإسكندرية ويمتلك مجموعة كبيرة من اللوحات الفنية من مختلف بلاد العالم ولفنانين كبار، حوالي 210 أعمال فنية، وقرر إهدائهم آنذاك لبلدية الإسكندرية “المحافظة”، ثم المحطة الثانية للبارون مينشا، الذي يحمل الشارع اسمه حتى الآن، حيث أهدى قصره للبلدية أيضا ليكون متحفا للفنون، لكن أصيب القصر بقذيفة مباشرة أثناء الحرب العالمية الثانية 1942 وتم هدمه، ثم قامت الدولة ببناء المتحف عام 1949 على ذات الأرض، وكان يسمى متحف فاروق الأول للفنون الجميلة، ولكن تم افتتاحه بعد الثورة عام 1954 في عيد الثورة الأول.

كيف وصلت هذه اللوحات العريقة لهايم؟

بعض الوثائق التي عثرنا عليها مؤخرا وتخص المتحف، جاء فيها أن اللوحات تعود لجاليري “فريد هايم”، ومازال البحث مستمرا عن تاريخ هذه اللوحات وعلاقه هايم بها، فكان شخصا يقتني اللوحات فهو رجل أعمال مهتم بالفن، وكان يسافر بسبب تجارته ويشتري هذه اللوحات العالمية بسهولة، بالإضافة إلى لوحات أخرى تم إهداؤها أثناء بناء المتحف في عهد الملك فاروق من جانب الأمراء والأثرياء آنذاك المتذوقين للفن، وهذا كان يعود لمكانة الإسكندرية الاستراتجية في ذلك الوقت واحتضانها لعدد من الفنانين في مطلع القرن العشرين مثل محمود سعيد، ومحمد ناجي، وهذا ليس غريبا على الإسكندرية التي احتضنت ثاني أقدم بينالي في العالم بعد بينالي فينيسا، وكان الأول في الشرق الأوسط عام 1955 وافتتحه جمال عبد الناصر.

كم عدد اللوحات في المتحف وما العصور الفنية التي تنتمي لها؟

المتحف يضم تصوير زيتي وأعمال نحتية وحفر تتخطى 2000 عمل، والمعروض يمثل 400 فقط والمجموعة الأكبر في المخازن، نظرا لصغر المساحة المخصصة للعرض، ونسعى للتخطيط ودراسة عرض أكبر للوحات للجمهور، واللوحات تنتمي لعصر النهضة ثم الباروك، والروكوكو، ولوحات المستشرقين، وبانوراما للفن التشكيلي المصري الحديث والمعاصر بداية من المثال محمود مختار.

ما أبرز أسماء الفنانين الأجانب والمصريين الذين يضمهم المتحف؟

الفنان لاميري من أشهر الفنانين بالعالم، وكان يعيش بالإسكندرية، ومحمود سعيد، من أعلى الفنانين المصريين أجرا، وتباع لوحاته في كل مكان، ويوجد أيضا لوحات لكبار الفنانين المصريين بالعصر الحديث مثل عبد الهادي الجزار، وحامد ندا، وحامد عويس، وراغب عياد.

من يزور المتحف؟ متخصصون فقط أم جمهور؟

المتحف متاح للجميع، لكن الأغلبية لطلبة كليات الفنون الجميلة، وهناك دفعات كاملة تزور المتحف، للاستعانة باللوحات في دراستهم، ويستخدمون قاعات المتحف في الرسم، والمحاضرات والندوات، والمتحف مفتوح للجمهور العادي 5 أيام في الأسبوع ولطلبة المدارس أيضا.

أي شريحة من الزائرين؟ وما الكثافة منذ توليك المنصب؟

توليت إدارة المتحف مارس 2014 كان عدد الزوار 700 فقط، لغياب الترويج للمتحف، وهو ما حاولنا معالجته من خلال تنظيم فعاليات كثيرة بالمتحف كالندوات والحفلات الموسيقية، وورش الرسم للأطفال وعروض السينما الخاصة بأفلام عن تاريخ الفنون مثلا، وكانت وسائل دعائية مهمة للمتحف وكانت تجذب يوميا زائرين لم يسمعوا من قبل عن المتحف، حتى وصلنا عام 2016 لـ11 ألف زائر، وأتوقع بعد حصر العدد خلال العام الجاري أن نتجاوز هذا الرقم.

ما أكثر قاعة يستهدفها الجمهور بالمتحف؟

قاعة المستشرقين الأقرب لذائقة الجمهور العادي، حيث تضم لوحات بها مناظر طبيعية عن مصر زمان، وأحيائها القديمة، مرسومة بدقة جدا، ليس بها تجريد، أما المهتمين بتاريخ الفن المصري الحديث يقصدون لوحات عبد الهادي الجزار، وراغب عياد، حيث يضم المتحف لوحات نادرة حتى الآن كثير من المصريين لم يشاهدونها من قبل.

في رأيك.. ما أسباب تراجع اهتمام المصريين بالفن التشكيلي وزيارة المتاحف؟

أرى العكس، المواطن لديه استعداد لكن يحتاج لمن يساعده على الاهتمام من المسؤولين عن هذه الأماكن الفنية، ليس صغار الموظفين ولكن صناع القرار، هناك زائرين للمتحف يتحمسون جدا للوحات والمنحوتات، ونفاجئ بزيارتهم مره ثانية مع أقارب وأصدقاء آخرين، والفن لا يمكن لأحد أن يكرهه، ولكن هناك حلقة مفقودة بين المواطن والمتاحف والفن عموما.

ما المطلوب من صناع القرار لإيجاد الحلقة المفقودة؟

أن يتولى المناصب المسؤولة عن ثقافة ووعي الجماهير متخصصون مؤهلون بعد اختبارات عديدة، حتى يتمكن من إدارة المكان بروح الفنان وليس الموظف الذي يسجل حضورا وانصرافا فقط، وأن يتوقف نظام الترقيات المبني على الأقدمية فقط بدون تخصص، فأنا شخصيا لم أتمكن من إدارة المتحف إلا بعد ثورة يناير عندما أصبح التفكير الجديد بتمكين الشباب، لكن هذا غير سائد في كل مكان.

ما التحديات التي تواجهك كمدير للمتحف؟

تحديات كثيرة؛ هناك نقص كبير في الكوادر المتخصصة من خريجي الفنون الجميلة، ومن ثم يتحمل العدد القليل كل المهام، حيث لا يزيد عددهم عن 7 أفراد، مسؤولون عن كل شيء؛ تنظيم الورش، والمعارض، والشرح والتوضيح للزائرين، وإقامة الندوات والحفلات، وهناك ضعف حاد بل معدوم للإمكانيات بالمتحف، والرواتب ضعيفة للغاية، أنا مرتبي كمدير متحف بعد 15 سنة عمل بوزارة الثقافة لم يصل إلى 2000 جنيه، فأضعف رواتب في مصر للعاملين بقطاع الفنون التشيكيلة، وأتمنى أن ينظر باهتمام لقطاع الفنون التشكيلية من قبل الوزارة، وأن تخصص ميزانية أكبر لتطوير المتحف.

ما خطتك لتطوير المتحف عام 2018 ؟

نسعى للتخطيط دائما لتحقيق مزيد من الانتشارالجماهيري، ونكرر الجائزة التي حصلنا عليها عام 2016 من المجلس الدولي للمتاحف ICOM كأفضل متحف على مستوى مصر للتواصل المجتمعي، وأن يصل عدد الزوار عام 2018 إلى 25 ألفا، وأن تزداد الفاعليات والأنشطة التي ينظمها المتحف، كما نفكر في تدشين جمعية مشهرة بوزارة التضامن الاجتماعي لأصدقاء متحف الفنون الجميلة، تضم رجال الأعمال والفنانين والشخصيات العامة لزيادة الدخل عن طريق التبرعات لتطوير المتحف وخدماته، وإطلاق موقع إلكتروني للمتحف ليضاهي المتاحف العالمية، لكن مازلنا نتعثر في نفقاته.

ذكرت أن هناك 2000 لوحة بالمخازن.. لماذا لا تقترح بناء ملحق جديد للمتحف لعرضها كلها؟

فكرة جيدة وأتمنى تنفيذها، خاصة أن متحف الفن الحديث بدار الأوبرا في القاهرة يضم 18 ألف لوحة، وهناك تكدس بالمخاون للأعمال الفنية غير المعروضة للجمهور، وتقدمت بفكرة اقتصادية لحل هذه الإشكالية أثناء منتدى الشباب العالمي، وهي إعادة استغلال القصور والفيلات القديمة التي تهدم يوميا من الإهمال، وتحويلها إلى متاحف بمساعدة دعم رجال الأعمال، وهي كثيرة وتوجد بجميع المحافظات، ومن ثم تكون فرصة ممتازة لنشر الوعي الفني والثقافي لكل الشعب بعيدا عن مركزية العاصمة والإسكندرية.

عندما زرت المتحف كانت هناك لوحات بالخارج للمشاركة في معرض الشارقة بالإمارات.. ما مدى أهمية ذلك؟

هذا إجراء متبع في جميع متاحف العالم، ومهم ومفيد لمتحف الإسكندرية، فهو ينشر صورة إيجابية وترويج سياحي لمصر بأنها تمتلك هذا الميراث الفني العظيم، وشاركنا من قبل بمتاحف بباريس، وهو فرصة جيدة لحث الزوار في كل العالم للسفر إلى مصر ورؤية اللوحات بمكانها الأصلي.