مثلث الشر

ذات مساء، تعثرت والدتى فى طرقة البيت، وسقطت على جانبها الأيسر. فى البداية لم تشعر سوى بألم طفيف فى ركبتها، ولكن فى السادسة صباحا، بدأت تشعر بألم شديد فى رسغ يدها اليسرى، والذى وجدته متورما ويميل إلى اللون الأزرق، كما أن درجة حرارتها كانت مرتفعة قليلا. توقعت أن يكون كسرا أو شرخا، وكان لا بد من الذهاب إلى أقرب مستشفى. ذهبنا إلى المستشفى خاص قريب من المنزل فى السابعة صباحا، سألت عن طبيب الطوارئ، فردت على ممرضة كانت جالسة بتكاسل على أحد الكراسى قائلة أنه على وشك الوصول.

هل قسم الأشعة يعمل؟ نعم لكن الطبيب يجب أن يرى الحالة أولا. عندما وجدت أن الأمور تتصف بالتراخى والإهمال والمكان يفتقد إلى النظافة، قررت الذهاب إلى مستشفى آخر. فكرت على الفور فى مستشفى قصر العينى الفرنساوى، أولا لأنه الأقرب، وثانيا لأن قسم الطوارئ به لا بد أن يكون جاهزا وأكثر استعدادا.

وصلنا مستشفى قصر العينى الفرنساوى فى الثامنة إلا ربع، أنزلت والدتى أولا، وذهبت أبحث عن مكان أركن فيه السيارة، لأن جراج المستشفى مخصص للعاملين فقط، وبصعوبة وجدت مكانا على بعد شارعين وعدت جريا إلى المستشفى. دفعت كشفا، رغم أننا فى قسم الطوارئ وليس فى قسم العيادات الخارجية. دخلنا غرفة الطوارئ وبعد قليل جاء طبيب العظام، لم يقس الحرارة أو الضغط، وإنما كشف على يد والدتى سريعا وطلب عمل إشاعة على ساعدها الأيسر ومضى. دفع أحد العاملين والدتى بالكرسى المتحرك إلى قسم الإشاعة، ونفحته مبلغا من المال. وبعد عمل الإشاعة، عدنا إلى غرفة الطوارئ، فوجدت أن الطبيب غادر المستشفى لأن النبطشية الخاصة به انتهت فى الثامنة. سألت: أين الطبيب النبطشى الآخر؟ كانت الإجابة: على وشك الوصول. مرت نصف ساعة وسألت الممرضة مجددا: هل جاء الطبيب؟ فقالت بارتباك إنه فى غرفة العمليات يساعد أحد الأطباء فى إجراء عملية جراحية. تشككت فى صدق كلامها. سألتها: ألا يوجد طبيب عظام آخر؟ فقالت لا يوجد. أخيرا، وفى الساعة التاسعة والنصف وصل الطبيب، وكما كان متوقعا، لم يكن فى العمليات بل كان مرتديا ثيابه العادية، أى أنه وصل الآن وبالتالى يكون قد تأخر عن موعد عمله بقسم الطوارئ ساعة ونصف كاملة، فى الوقت الذى لا يوجد بديل يحل مكانه.

هذا ما جرى فى قسم الطوارئ بمستشفى يعتبر أفضل المستشفيات التعليمية الحكومية، أما ما يجرى في المستشفيات الحكومية الأخرى، فحدث ولا حرج. وقد لمست مدى تدهور الأوضاع فيها بنفسى، فقد ذهبت مرة إلى مستشفى قصر العينى القديم لزيارة صديق، وبمجرد أن دخلت المستشفى، وجدت عشرات الأشخاص يتجمهرون فى حالة سخط شديدة، من سوء معاملة الأطباء والممرضات لهم، ومن نقص العلاج والأجهزة المخصصة للأشعة والتحاليل. ورغم كبر مساحة المستشفى، لا توجد مقاعد فى الممرات ليجلس عليها أهالى المرضى، فهم إما واقفون أو يفترشون الأرض على ‬البلاط والبرد قارس وعلامات الهم والبؤس تبدو على وجوههم جميعا. ولن أتحدث عن مستوى النظافة وإلى أى مدى كان متدنيا، وكيف كانت الأرض مغطاة بالأتربة، ولا عن مستوى التمريض، وقد سمعت إحدى الممرضات تنادى زميلة لها بصوت عال وبألفاظ خادشة للحياء وكأننا فى سوق للخضار.

فى المقابل، أتذكر وأنا فى العاشرة من عمرى، سافرت مع الأسرة إلى كندا حيث كانت أختى المقيمة فى تورونتو على وشك الولادة، وأرادت والدتى أن تكون إلى جوارها وهى تنجب أول حفيد لها. كان أمام أختى بضعة أيام قبل أن تلد، فقررنا فى اليوم التالى مباشرة لوصولنا أن نذهب إلى مدينة نياجرا لمشاهدة الشلالات الشهيرة هناك. تبعد نياجرا عن تورونتو مسافة 140 كيلو متر وتستغرق أكثر من ساعة بالسيارة، وبمجرد أن وصلنا، شعرت أختى بآلام المخاض، فكان لا بد من البحث عن مستشفى فى الحال. لم نسأل أحدا، حيث يوجد فوق كل مستشفى عمود طويل يحمل مكعبا كبيرا لونه أزرق ومكتوب على جوانبه الرأسية الأربعة حرف H (اختصار Hospital) ومعظم مباني المدينة منخفضة الارتفاع فيمكن رؤيته بسهولة.

قاد زوج أختى السيارة مسرعا للوصول إلى المستشفى، وحدث أنه تجاوز السرعة المقررة، فأوقفنا ضابط بوليس يقود موتوسيكل، ولكن عندما تبين له أن معنا سيدة على وشك الوضع، ركب الموتوسيكل أمامنا واتجه بنا إلى أقرب مستشفى. وبمجرد أن وقفنا أمام باب الطوارئ فى المستشفى، كان هناك كرسي متحرك أمام باب السيارة ونقل الممرضون أختى إلى الداخل على الفور، وجرت لها كافة الاستعدادات للولادة دون أن يسألنا أحد عن رسوم أو نفقات. وبعد عدة ساعات، كانت أختى قد أنجبت طفلتها الأولى.

هذا هو الفرق بيننا وبينهم فى الاهتمام بصحة الإنسان، وهذا هو حالنا، ليس فقط فى مجال الصحة ولكن فى كل المجالات، لقد أصبح الإهمال والتسيب من السمات الأساسية فى حياتنا، حتى فيما يمس حياة الناس وصحتهم. وليس من المبالغة على الإطلاق القول إن المسئولية المباشرة وراء الكوارث والمآسى الكبرى، التى تقع ونسمع عنها من حين إلى آخر، تعود فى جزء كبير منها، أن لم يكن كلها، إلى حالة الإهمال والتسيب تلك. ولم يعد خافيا على أحد أننا نواجه حالة غير مسبوقة من انخفاض مستوى كفاءة العامل المصرى، في أغلب التخصصات، وأصبح المتوقع منه دائما هو عدم جودة ما يقوم به من أعمال.

ويجب أن نعترف بكل الأسف، أن هذا الإهمال والتسيب، قد استشرى وانتشر فى معظم أماكن العمل ومواقع الإنتاج، وأصبح ظاهرة واضحة فى كافة الإدارات والمؤسسات الحكومية المتصلة بمصالح المواطنين، وازداد الأمر سوءا بعد أن أصبح الفساد هو المكمل الطبيعى لهذه المنظومة السيئة. وإذا ما تأملنا واقع الحال الذى نعايشه الآن، نجد أن الإهمال والتسيب، فضلا عن الفساد، أصبحوا يمثلون مثلث الشر، الكامن وراء كل المشاكل التى يعانى منها المجتمع، وهذا المثلث هو المسبب لحالة الإحباط التي أصابت المواطنين باليأس وفقدان الأمل فى التغيير إلى غد أفضل.