ما بعد داعش.. العلاقات الخليجية الإسرائيلية تتخطى التطبيع

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

 

الانهيار المدوي لداعش في سوريا والعراق خلال النصف الثاني من عام 2017، كان بمثابة أنباء سيئة لبعض الأطراف الإقليمية، ليس من زاوية هزيمة وكيلهم المحلي في الحرب، لكن من زاوية أن المنتصرين على داعش، هم الخصوم الأخطر لدى هذه الأطراف، ليثار تساؤل ماذا بعد داعش؟ التي مثلت الإجابات المتنوعة عليه حسب كل قوة من قوى المنطقة بوصلة أهدافها في المستقبل القريب، ليس فقط من ناحية مستقبل سوريا والعراق الجغرافي، لكن مستقبل المنطقة ككل.

توظيف داعش إقليميا

وبالعودة إلى بداية داعش في النصف الأول من 2014، نجد أن قطر والسعودية وتركيا وإسرائيل تعاملوا معه التنظيم الإرهابي كطرف في الخروج عن السياق المطلوب، لكن غير مفصول عنه؛ فتراوحت أولويات التعامل مع هذه الكارثة بمعايير التوظيف والاستثمار وما يلحق بهم من مفردات وفعاليات تدرجت من الغطاء الإعلامي إلى التمويل والتسليح بشكل مباشر، واستمر حتى بعد تشكيل واشنطن للتحالف الدولي ضد التنظيم وأذرعه في سوريا والعراق، لتتطور معايير التوظيف والاستثمار والاستفادة إلى المحاصصة السياسية والجغرافية في مرحلة ما بعد القضاء على التنظيم، الذي بأفعاله وخطه المتطرف ضرب إمكانية علانية الدعم بأشكاله المختلفة، خاصة بعد قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وعقوبات واشنطن.

الإرهاب لا ينحصر في داعش فقط، لكن يجب تضمين حركات المقاومة وتصنيفها في خطورة داعش، بل تفوقه بما فيها الكيانات والتنظيمات التي تحارب التنظيم، مثل الحشد الشعبي، فيما كانت تل أبيب أكثر وضوحا وصراحة على لسان مسؤوليها العسكريين بأن داعش لا يمثل خطرا على إسرائيل، في حين يمثل حزب الله وحركات المقاومة في غزة الخطر الأكبر عليها.

الأمر السابق أخذ في التمترس بجدية منذ التدخل الروسي، الذي دفع إلى تغير كبير في التوازن العسكري على الأراضي السورية، وكذلك إنجازات الجيش العراقي والحشد الشعبي في العراق، والذي انعكس على مستوى السياسة، الأمر الذي نتج عنه تكثيف السجال فيما يخص الحرب على داعش بين استراتيجيين؛ الأولى القضاء على دولة التنظيم بشكل جذري ومثلته موسكو وحلفائها منذ التدخل الروسي، والثانية محاربته وتقويضه، لكن مع توظيفه في مستقبل المنطقة حسب مصلحة ورؤية كل مكونات التحالف ومثلته واشنطن وحلفاؤها.

أكذوبة المعارضة المعتدلة

بين هذا وذاك، تصاعدت خطابات غسيل سُمعة التنظيمات الإرهابية في سوريا، وتضمينها في “المعارضة المعتدلة” للحفاظ على موطئ قدم مستقبلي في مرحلة ما بعد داعش، والتي رأت واشنطن وحلفاؤها أنه وبالحد الأدنى ستستغرق هزيمة التنظيم وتفكيك دولته في سوريا والعراق من 10 إلى 20 سنة، حسب خبراء من البنتاجون والهيئات الأمنية والاستخباراتية في الولايات المتحدة، لكن ما حدث ميدانيا منذ بداية العام الجاري، أكد أن هزيمة التنظيم وتفكيك دولته لم يستغرق سوى شهور بعد حسم معارك رئيسية مثل حلب والموصل، حيث انتهت بعدهما سيطرة التنظيمات الإرهابية على المدن السورية والعراقية، وكانا نقطة تحول استراتيجية في محاربة التنظيم الإرهابي، ليس على المستوى الميداني فقط، بل على مستوى السياسات الدولية والإقليمية واستراتيجيات الدول الفاعلة في المنطقة والمعنية بما يحدث فيها وبصراعات قواها الذي بات انتصار أحدها في هذه الحرب ضربة قاصمة لأطراف أخرى على مستوى استراتيجي لم تكن فيه داعش سوى أداة وظيفية.

ويمكن اعتبار 2017، عام الإجابة على سؤال: “ماذا بعد داعش؟”، والذي باتت الإجابة عليه خلال الأشهر الماضية ملحة بطبيعة اندحار التنظيم وأذرعه وعدم تحقيق أهداف داعميه المباشرين أو المستفيدين من وجوده أي إنجاز يذكر على مستويات متعددة، تبدأ من أرض المعركة وتنتهي عند مائدة المفاوضات، وذلك كله يرتبط بطبيعة الحال مع مناخ سياسي متوتر يشمل المنطقة والعالم، نتيجة لتخبط السياسات الأمريكية منذ دخول ترامب البيت الأبيض، وحالة الفراغ الأمريكي التي لم تفلح فيها الإدارة غير المباشرة التي اقترحتها الإدارة الجديدة منتصف العام الجاري على حلفائها، لتنتج أزمات ومشكلات كادت تعيق وتهدم مكتسبات عدة للسياسة الخارجية الأمريكية راكمتها على مدار العقود الماضية.

علاقات سعودية إسرائيلية متفردة

ولمواجهة هذه المعضلة من جانب حلفاء واشنطن، وتحديدا الرياض وتل أبيب، عملا خلال هذا العام على توسيع العلاقات بينهما وربطها استراتيجيا ببعضها بعضا، بجانب إعلانها وتثمينها وتوحيد الخطاب تجاه القضايا ذات الاهتمام المشترك، بل والتكامل في مواجهة ما يعتبرونه “أخطر من داعش”، أي المقاومة في غزة ولبنان؛ فشهد العام سعي سعودي إسرائيلي متبادل ومتكامل يتخطى مسألة تطبيع العلاقات الثنائية بينهما إلى مستوى التحالف الاستراتيجي.

على سبيل المثال لا الحصر، مثلت أزمة استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، ذروة التعاون والتلاقي الاستراتيجي بينهما، فيما يخص بلد مثل لبنان، سواء بتوفير المملكة ذرائع سياسية وأمنية مسنودة على خطاب إعلامي مبني على الطائفية والكراهية المتراكمة في العقد الماضي لكي تضرب إسرائيل لبنان، كمحاولة لضرب محور المقاومة وثنيه عن تحقيق إنجازاته في سوريا والعراق، وتضفير هذه الجهود المشتركة بين تل أبيب والرياض مع خطاب ترامب الخارجي الخاص بالشرق الأوسط، وتلافيا لأن يتوج انتصار هذا المحور على داعش كنقطة انطلاق جديدة لتدعيم قوة ونفوذ كان الغرض الوظيفي من داعش إضعافها.

ورغم أن العلاقات العربية الإسرائيلية في الزمن السعودي يثمنها الطرفان بأنها نجاح وتطور غير مسبوق، فإنها أيضا غير كافية في وجهة نظر بعض منهم، وخصوصا في تل أبيب لموازنة آثار وتداعيات انهيار تنظيم داعش على يد محور المقاومة، الذي بات على حدود الجولان المحتل كنقطة تماس أمامية وضعت إسرائيل فيها تنظيمات إرهابية مثل “جبهة النصرة” كحائط صد وفرت له الدعم اللوجيستي والغطاء العسكري النيراني جوا وبرا.

وهنا تتجاوز المخاوف مسألة داعش برمتها، لكن تقف عند اقتراح استراتيجية عمل مشترك على المدى المستقبلي، وبالتالي كأولوية منطقية كانت القضية الفلسطينية وتسويتها، لكن ما حدث أن الطرفين على إثر تطورات العام الجاري، لم يهتما بأي شكل بتسوية القضية الفلسطينية كبوابة لتدعيم تحالفهم بشكل مستدام ومعمم على باقي دول المنطقة التي تدور في فلك واشنطن، ويهرب رئيسها إلى الأمام عبر تصدير مشاكله الداخلية للخارج، وفيما يخص الشرق الأوسط منها كانت اعتراف واشنطن بالقدس كعاصمة لإسرائيل، الأمر الذي لم يكن على أجندة الرياض مناقشته أو التحفظ الفعلي عليه، بل المضي قدما في مواجهة تداعيات هزيمة داعش على يد محور المقاومة.

السعودية تقود قطار التطبيع مع إسرائيل

الواقع الراهن في مسار تطور العلاقات بين المملكة والكيان الصهيوني في غالبية مستوياتها، بما فيها الشق الدعائي الذي تتعاطى فيه الرياض مع تناقضه بسيولة وتجاوز يتخطى اشتراطات الملك السابق، عبدالله بن عبد العزيز، لتعميم تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل كختام لمسار كامب ديفيد، والانتقال لمرحلة تالية مهدت السعودية في السنوات الأخيرة لقبوله في الداخل والخارج- بالحد الأدنى لشعوب مجلس التعاون- ليس فقط بوجود علاقات رسمية سياسية مع الكيان الصهيوني، بل تجذيرها على مستويات شعبية، الأمر الذي تتمسك به تل أبيب وتضعه كمعيار لصحة وجودة وفاعلية العلاقات المستقبلية مع الرياض، رغم تناقضاته الدعائية.

الأمر السابق، يتم عادة عبر تأكيدات رسمية من مسؤولين على مستوى الحدث وفي نفس إطاره، وفي هذه الحالة، تم من خلال أعلى مسؤول عسكري في إسرائيل يتحدث لصحيفة سعودية مقربة من البلاط الحاكم في سابقة أولى من نوعها في الإعلام العربي، وبالتالي يتجاوز الأمر مجرد “مقابلة صحفية” عابرة دون مدلولات سياسية تشي بأبعاد استراتيجية على الأمد القريب والبعيد فيما يخص العلاقات بين السعودية وإسرائيل؛ أي باختصار شكلت المقابلة فرصة لتأكيد الثقة في التحالف بين الرياض وتب أبيب من خلال شرح رئيس الأركان الإسرائيلي عبر صحيفة سعودية أولويات دولته، فيما يخص أساس التحالف بينهما، وضبط إيقاع التحالف والتأكيد على متانته– وليس وجوده ومن ثم التشكيك به- عبر الإجراء الذي من شأنه ليس فقط استيضاح وتبيان عمق التحالف بين السعودية وإسرائيل، لكن أيضا والأهم أنه يرقى للتحالف العسكري.

التطبيع ضمانة لبقاء بعض الأنظمة الحاكمة

وخلافا عن حصر وتفاصيل ما قاله المسؤولون في هنا وهناك، على اختلاف مستوياتهم في الأسابيع القليلة الماضية، فمن المهم استخلاص دلالات ما حدث في الأيام الماضية، ويمكن اختصارها في نقطتين مرتبطين بشكل بنيوي؛ الأولى أن الكيان الصهيوني يدرك أن استمراره لسنوات قادمة رهن إقامة علاقات طبيعية مع الدول المحيطة، دون ذلك تتقلص فرصة استمرارية إسرائيل حتى مع كل الضمانات العسكرية والسياسية والاقتصادية، الثانية أن ضمان استمرار إسرائيل ضمان لاستمرار نُظم إقليمية بشكلها الحالي وعلى رأسها السعودية، التي وفرت آلية سياسية لذلك متمثلة في المبادرة العربية، وما تبعها من ترويج وتسويق لحتمية التطبيع الشامل مع الكيان الصهيوني، ويبدو أن السنوات المقبلة ستشهد على هذا الصعيد محاولة توفيق آلية تضمن تنفيذ ذلك، وأن الخطة الاستراتيجية طويلة المدى، بدأت منذ سنوات قليلة وبقيادة سعودية في إطار تنافسي بينها وبين حلفائها وخصومها من الدول العربية، على قيادة وتوجيه العلاقات العربية الإسرائيلية.

الآلية السابقة لها أوجه اقتصادية واجتماعية وسياسية وبطبيعة الحال ثقافية وإعلامية على مستويات رسمية وشعبية، وما استلزم من المملكة أن تفرض على حلفائها من الدول العربية نمط قيادتها للعلاقات العربية الإسرائيلية على مدى مستقبلي؛ بداية من الاستحواذ على جزيرتي تيران وصنافير المصريتين لضمان وجود مجال حيوي مشترك بين المملكة والكيان، بمستويات جيوستراتيجية تتضمن جغرافيا وديموغرافيا مشتركة، يلخصها مشروع “نيوم” وموقعه القريب من فلسطين المحتلة، وبوابة إسرائيل البحرية الوحيدة في خليج العقبة، الذي تحولت عمليا السيادة على ممراته وعليه ككل من ناحية جيوستراتيجية من انفراد مصري إلى تشارك سعودي إسرائيلي، يتيح للرياض بصفتها قاطرة العلاقات العربية الإسرائيلية أن تتحكم بشكل مطلق في الأساس الجيوستراتيجي والاقتصادي الذي تقام عليه هذه العلاقات.

ويتبع ذلك بالضرورة تجذير التعاون على مستويات شعبية على المدى المستقبلي القريب، وخاصة مع الإلحاح الإسرائيلي والانتقاد كذلك لما يعتبرونه تقاعس من حلفائها العرب الذين يحصرون علاقاتهم بتل أبيب بمركزية الدولة وقرار النظام الحالي، وليس تطبيع على مستوى شعبي لا يتغير إذا تغيرت الأنظمة، وذلك وفق تقديرات استراتيجية إسرائيلية منذ سنوات تفترض بأن المجالات الاستراتيجية للكيان مع دول عربية اهتزت بالأحداث التي بدأت في 2011، ولم يكن هناك ضمان لاستمرار علاقاتها مع بلد مثل مصر، وبالتالي فمن وجهة نظر إسرائيلية، فعلى السعودية أن تضمن لإسرائيل تجذير التطبيع على جميع المستويات بوتيرة متوازنة، في حال ما أرادت الأولى الاضطلاع بهذا الدور الحتمي.