لماذا جاءت تركيا إلى البحر الأحمر؟

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

 

بموازاة اجتماع لرؤساء أركان جيوش تركيا وقطر والسودان، وبعد أشهر من شروع مصر في تشكيل “أسطول جنوبي” مَعْني بأمن المدخل البحري الجنوبي للبلاد والسيطرة عليه، جاء الإعلان عن قيام الإدارة التركية لميناء سواكن السوداني، لتضيف إلى حلبة البحر الأحمر، المكتظّة، لاعبا جديدا يسعى إلى حيازة النفوذ وأوراق القوة، في ظل تناقض ثانوي تركي سعودي جديد، ودور إعلامي ومعنوي اضطلعت به تركيا، استجابة لموقف ترامب من القدس، تجلّى في مؤتمر القمة الإسلامية الاستثنائي باسطنبول، واستخدام تركيا رئاستها لمنظمة التعاون الإسلامي في حشد تظاهرة سياسية أسفرت عن “بيان ختامي”، لا أكثر، رافض لخطوة ترامب، الخطوة التي جلبت لتركيا فرصة ذهبية لتعويض تراجع دورها الإقليمي بسقوط مشروعها في سوريا، وقيام خطر كردي مدعوم أمريكيا على حدودها.

عمليّا، لا يمكن فهم الخطوات التركية الأخيرة، السياسية بشأن القدس والميدانية بوضع نقاط نفوذ في البحر الأحمر (تشمل قاعدة عسكرية في جمهورية أرض الصومال)، دون قراءة الخريطة الحالية للنفوذ في الشرق الأوسط بوجه عام، والبحر الأحمر كقطاع جيو استراتيجي على وجه الخصوص، قطاع يمثّل انعكاسا لصراعات النفوذ في الإقليم بالكامل وحاز فيه محور مملكة آل سعود والإمارات على قوة كبيرة جاءت على حساب أطراف رئيسية هي اليمن ككيان وأمّة ودولة، ودول شرق إفريقيا والقرن الإفريقي، ومصر، وهي أطراف تشترك في صفتيّ شحّ الموارد المالية والوقوع في دائرة المجال الحيوي الخليجي، وتواجه آثار تفعيل عنصريّ المال الخليجي، والسلاح الأمريكي المستخدَم خليجيا؛ وقد أسفر هذا التفعيل في القطاع الجنوبي للبحر الأحمر، عن احتلال المملكة والإمارات لعشرات الجزر اليمنية الصغيرة (في إطار العدوان على اليمن)، وإنشاء الإمارات لقواعد عسكرية في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر من جهة إفريقيا، وفي القطاع الشمالي أسفر عن حيازة المملكة لجزيرتيّ تيران وصنافير المصريّتين، وإقامتها لـ”مشروع البحر الأحمر السياحي” الذي سيمثّل حال إتمامه وتشغيله، تحديّا وجوديا للسياحة المصرية، وأخيرا تدشينها لمشروع “نيوم” الاقتصادي العملاق الذي سيشمل أراضٍ مصرية وأردنية، ستكون وفق ما أُعلِن خارج المنظومة التشريعية والإدارية للدولتين وخاضعة فقط لبرنامج سعودي خاص بالمشروع.

وبعيدا عن المجال الحيوي التركي يقع البحر الأحمر، الممر المائي الأهمّ في العالم، لكنه كذلك ممر إقليمي وعالمي مفتوح لمن يريد مواجهة نفوذ الحلف السعودي الخليجي؛ ومن هنا تسعى تركيا، بقوّتها ووزنها، لتحقيق تقدّم غير مكلّف على حساب هذا الحلف، يزاحم الولايات المتحدة تحت مظلّتها التي تغطّي البحر الأحمر بالكامل، مما يكفل ورقة ضغط تقابل ورقة الضغط الكردية الأمريكية على تركيا، ويستثمر نفوذ الإخوان المسلمين جنوبيّ مصر حيث يحكمون السودان وينازعون مصر على قطاع من أرضها، هو مثلث حلايب وشلاتين، ويكمل دائرة النفوذ العسكري التركي (المباشر وغير المباشر) التي تضم شرق البحر المتوسط وليبيا والمحافظات الشمالية لسوريا والعراق، وبالتالي لكل ما سبق يفعل ما لا تستطيعه قطر، الحليفة، في مواجهة المحور السعودي الذي لا يحقق تقدّما حقيقيّا على الأرض في أي من الملفات، في ظل تحركات قطرية في القرن الإفريقي تأتي كمكمّلات سياسية للخطوات التركية الأكثر ماديّة على الأرض، بحكم القوة العسكرية التركية الكبيرة، التي وضعتها الإدارة التركية في حالة الاستعداد “إفريقيّا” بتوقيع معاهدة الدفاع المشترك مع إثيوبيا عام 2015، مما فتح ويفتح الباب أمام أي خطوة تركية أعمق تحدث تحت عنوان وبحجّة تلك المعاهدة.

على جانب آخر غير بعيد يبرز التنافس التركي المصري في ملف الغاز الطبيعي، الذي يبدو أن انعكاساته تخرج عن شرق البحر المتوسّط، حيث محيطه الأصلي، لتبلغ البحر الأحمر؛ لم تجد تركيا رادعا حقيقيّا أمام ضغطها على مصر، التي اكتشفت مؤخرا احتياطيا عملاقا للغاز الطبيعي، وتسعى للتنسيق الاقتصادي مع قبرص واليونان في ملف غاز شرق المتوسّط إجمالا، ومثّل التراجع المصري أمام إثيوبيا في ملف سد النهضة ضوءا أخضر للمزيد من التطويق للنفوذ المصري الذي تراجع مفتقدا لأي قوة ملموسة في هذا الملف، رغم خطورته الحيوية البالغة، تراجع يتناقض مع التحرك الدبلوماسي المصري المضاد لقرار ترامب بشأن القدس، والذي يفيد، ظاهريّا، محاولة مصر استنهاض دور إقليمي لها، لكنه يعبّر كذلك عن استجابة لتنسيق تركي إيراني في ملف القدس، جاء في ذاته تمثيلا للوزن الحالي للقوّتين الإقليميّتين رغم تناقضهما بخصوص القضية الفلسطينية بوجه عام، واضطرت مصر لتعويض رهانها السابق على الإدارة الأمريكية، الذي نسفه قرار ترامب، بخصوص “تحقيق السلام”، وذهبت إلى عمل دبلوماسي لا تملك غيره في الملف الفلسطيني، في مقابل امتلاك إيران وتركيا لأوراق أهمّ فيه.