كنز وديع فلسطين المدفون

قبل شهور، كتب أستاذنا الكاتب الصحفي أحمد الجمال مقالا في “الأهرام” ينعي فيه حال مهنة الصحافة، التي تحللت تقاليدها وقيمها وأعرافها، بعد أن غيب الزمن شيوخها وأسطواتها، فانحدرت وتهدورت حتى ” صرنا نعرف صحفا تولد لتموت بعد شهر أو شهرين، لأن مالكها أراد أن يهبر ويجري!.. وعرفنا صحفا تجبر الصحفيين على كتابة استقالاتهم مع كتابة طلب التعيين! وأخرى تطلب من الصحفى أن يدفع مقابل تعيينه، وغيرها لا تعطى أجرا وتصر على أن يأخذ الصحفى البدل النقدى من النقابة ليدفع منه الحصة التأمينية كلها، يعنى نيابة عن المالك.. وهلم جرا”.

وأضاف الجمال في مقال “عن مهنة الصحافة.. أيضًا” أن “الصحفي تحول من نجم ينشر إشعاعه على الورق، ويستمد قيمته من كلمته ومن المعارك والمواقف التى تقترن باسمه، إلى نجم من نوع مختلف تسلط عليه الأضواء بدلا من أن تشع منه، وربما يكون هو بحد ذاته معتما أى «كوكبا»، ولكن تسقط عليه أشعة من جهة أخرى تجعله قد بدا مضيئا كالقمر! .. وفى غمرة هذا كله تحللت تقاليد وقيم وأعراف حكمت المهنة، وصار الجميع يتعامل وفق منطق افتراض سوء النية مسبقا.. وأننا كلنا لصوص يا عزيزى فلا تقل لى هذه «كلمة» أو هذا «التزام أدبي»، ولكن تعال وهات المحامى واكتب ووقع وضع شروطا زمنية وجزائية!

وفي نهاية مقاله تساءل الجمال: “هل بقى لمهنتنا الصحفية شيوخ للحرفة ورموز للطايفة؟، وهل فيهم من يضارع بعلمه وثقافته وأخلاقه وسلوكياته شيوخا سابقين، مثل: محمد التابعى وأحمد الصاوى محمد ومحمد زكى عبدالقادر، والأخوين مصطفى وعلى أمين، وهيكل، وأحمد بهاء الدين، وكامل الشناوي، وكامل زهيري، ومحمد عودة؟.

بالطبع حال المهنة تدهور وصارت التقاليد والأعراف التي تحكمها في ذمة التاريخ، وكلما غاب عن دنيانا أحد شيوخ “كار الكتابة”، أعطت صاحبة الجلالة ظهرها للقيم التي أقر قواعدها هؤلاء الكبار، وسارت في طريق “الخطف والهبش” الذي شقه صبيان الندامة خلال السنوات الأخيرة.

ولأننا في زمن المفارقات، فبعض صبيان المهنة من الحواة والهبيشة وماسحي الجوخ تحولوا بـ”قدرة حاكم” إلى مشايخ، لكنهم في حقيقتهم أقرب إلى شيوخ “المنسر”، فيما تناسى الجميع ما تبقى من مشايخ حقيقيين.

من هؤلاء المشايخ الأستاذ وديع فلسطين الذي توقف عنده تاريخ مصر السياسي والثقافي، وأرشفه في عقله وفي جنبات منزله الذي سطا عليه اللصوص منذ أيام، واعتدوا على كاتب كهل اقترب من المائة عام وتسببوا في نقله إلى المشفى.

تجاهلت الدولة وصاحبة الجلالة معا حارس البوابة الأخير، الذي يجمع في منزله أطنان من الكتب والوثائق والرسائل التي تمثل كنزا مهملا يحتاج إلى من يراجعه ويأرشفه وينقله إلى مكان آمن.

وفقا لما نقله له صديق صحفي زار وديع فلسطين منذ شهور، فأن “المنزل تاريخ مدفون، كلما تجولنا في جزء من أجزائه توقفنا أمام قطعة من التاريخ.. وجدنا رسالة من العقاد إلى فلسطين، وأخرى من طه حسين وغيرها من وثائق هامة ملقاه على الأرض”.

في الوقت الذي يتعرض فيه كنز وديع فلسطين المدفون للضياع، ويترك فيه شيخنا وحيدا يصارع المرض في منزله، تفتح الدولة أبواب مؤسساتها للصبيان ليتربعوا على مقاعد الكبار.

إن لم تتدخل نقابة الصحفيين والهيئات الإعلامية وجهات الدولة للحفاظ على كنز فلسطين وتكريم الكبار ورعايتهم فعلى مهنة أصحاب القلم السلام.