قراءة في كتاب: ثورات الجياع .. قراءة سوسيولوجية للثورات في تاريخ مصر

شهدت السنوات العشر الأخيرة من حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، تداول مصطلح “ثورات الجياع” باعتبارها إحدى النهايات الكارثية لسياسات النظام وخاصة مع زيادة معدلات الفقر والقمع والتفاوت الطبقي الصارخ، إلا أن قيام ثورة 25 يناير 2011 منح مساحة كبيرة من الأمل في وجود منظومة اجتماعية واقتصادية أكثر عدالة، وبالفعل تم اتخاذ بعض الخطوات في هذا الاتجاه سواء بإقرار الحد الأدني للأجور، وزيادة المرتبات والدعم الحكومي المخصص للسلع التموينية، لكن في السنوات الثلاث الماضية عاد من جديد مصطلح “ثورات الجياع” للظهور بقوة في ظل تبني النظام الحاكم لبرنامج سياسات اقتصادية تقوم على فرض مزيد من الضرائب، ورفع الدعم، وتحرير سعر الصرف، مما تسبب في انهيار القوة الشرائية للجنيه وزيادة معدلات التضخم بصورة غير مسبوقة حيث تجاوز 30 %، وتضاعف عدد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر.

في كتاب “ثورات الجياع .. قراءة سوسيولوجية للثورات في تاريخ مصر” الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، يقدم الدكتور صلاح هاشم قراءة اجتماعية لتاريخ الثورات في مصر بدءًا من العصر الفرعوني مرورًا بعصر البطالمة والرومان، ثم في عهد الدولة الإسلامية، وصولًا للعصر الحديث. يفتتح هاشم بحثه منطلقًا من اللحظة الحالية متسائلًا هل نحن مقبلون على ثورة جياع؟ ومن خلال هذا السؤال يشتبك مع المفاهيم المتعددة للثورة وللجوع ومدى ترابطهما “حاولت أن أطرح في بداية الكتاب توطئة أكشف من خلالها دلالة مصطلحي الثورة والجوع وما علق بهما من ظواهر اجتماعية ارتقت لتصبح مفاهيما فرعية مصاحبة لمفهوم أكبر اسمه (ثورة الجياع)”.

 

الجوع السياسي والجوع الاجتماعي

موضحًا أن مصطلح “الثورة” تعني تغييرات جذرية في النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بما يؤدي للإطاحة بالنظام القديم والنخبة التابعة له، أما مصطلح “الجوع” فهو ظاهرة يعاني فيها سكان منطقة من نقص الغذاء لمدة طويلة، نتيجة أسباب عدة من أهمها الحروب والكوارث الطبيعية، كالفيضانات والزلازل والبراكين “ورغم أن مفهوم الجوع ارتبط بالنواحي الاقتصادية المتصلة بالبقاء البيولوجي للانسان أو غيره من الكائنات الحية. بيد أن هناك اصطلاحات جديدة لمفهوم الجوع، فتحدث رجال السياسة عن الجوع السياسي وربطوه بالحرمان المتعمد لفئات سكانية من ممارسة السياسة، وتحدث خبراء التنمية عن الجوع الاجتماعي وحالات الاقصاء والتهميش الاجتماعي، بينما تحدث خبراء المياه عن أزمة الجوع المائي وذلك عندما تكون كمية المياة العذبة المتاحة لمجتمع معين غير كافية”.

يشير الكاتب في مقدمة الكتاب إلى أنه طالما اقترنت ثورات المصريين على مر تاريخهم بالظلم الاقتصادي والاجتماعي وتمثلاته في معاناة معظم الشعب من الفقر والجوع والتهميش، بينما تستحوذ السلطة الحاكمة على كافة ثروات وخيرات مصر، ويحدد الكاتب مجموعة من العوامل الطبيعية التي لعبت دورًا رئيسيًا في حدوث المجاعات وثورات الجياع في مصر من أبرزها: نهر النيل، والآفات الزراعية، والطاعون. “كان نهر النيل مصدر سعادة المصريين ومصدر شقائهم أيضًا. فمتى فاض النيل عمت السعادة والرخاء على البلاد،، ومتى هبط تحل المجاعة”.

بينما يحدد الكاتب مجموعة من العوامل البشرية التي تسببت في ثورات الجياع من أبرزها الظلم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، موضحًا أنه رغم الدور الكبير للتدين في حياة المصريين منذ العصور القديمة وحتى اليوم إلا أنه في لحظات الجوع يتجاوز المجتمع السلطة الدينية التي طالما حاول الحكام السيطرة من خلالها على الشعب المصري “ليس للدين حسابات تذكر عندما تجوع الشعوب، فليس بالدين وحده تخنع الشعوب، والعلاقة الاقتصادية بين الحاكم والشعب أهم واسبق بكثير عن العلاقة الدينية، فعندما تفرغ البطون لا تملاءها كتب السماء”.

 

ثورة الفرعون الجائع

في الفصل الأول من الكتاب بعنوان “ثورة الفرعون الجائع .. قراءة اجتماعية في برديات الحكيم أيبوور” يشير الكاتب إلى أنه رغم أن هذه البردية لا تحدد بدقة وقت حدوث الثورة لكنها تقدم صورة معبرة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت لاندلاع واحدة من أقدم الثورات في التاريخ “اختلف المؤرخون في تحديد زمن الثورة، فمنهم من قال أنها في عهد الملك (بيبي الثاني). أخر ملوك الأسرة السادسة إلا أن الثابت_ والأهم من ذلك_ أنها كانت ثورة قضت على كافة مظاهر الظلم التي كانت قد تفشت في المجتمع”.

ويشير الكاتب إلى أن “أنشودة الفرعون الجائع” التي لخص في الحكيم أبيور أحداث ثورة الجياع والتي جاء فيها: ” نامي جياع الشعب نامي. حرستك آلهة الطعام. نامي فإن لم تشبعي. من يقظة، فمن المنام. نامي على زيف الوعود. يذاق في عسل الكلام ….. نامي جياع الشعب نامي” ويصف أيبور في برديته كيف تحولت البلاد إلى حالة من القتال والفوضى لم يسلم منها الحاكم ولا حاشيته، فقد اقتحمت قصورهم، وتوقف الفلاحون عن الزراعة “ظهرت مقولات وتعبيرات جديدة مثل: لا سلطان لمن في السماء على الأرض، وأن الأرض لمن يحرثها”.

يتتبع الكاتب في الفصول التالية ثورات المصريين التي لم تتوقف سواء في عهد “البطالمة والرومان” أو “الدولة الإسلامية” ثم في العصور الحديثة، مستعرضًا العديد من الثورات والمجاعات التي عاشها المصريون، وفي خاتمة الكتاب يعود الكاتب مرة أخرى لسؤال هل نحن مقبلون على ثورة جياع؟ في ظل ما نعيشه من أوضاع كارثية على المستوى الاقتصادي.

وفي الإجابة عن هذا السؤال يقول الكاتب:” الاجابة بكل شفافية (نعم) معرضون لثورة جديدة يقودها الجياع. اذا ما استمرت هذه الأوضاع التي تعيشها البلاد. إذا ما استمرت موجات الغلاء بلا ضابط. وتحمل تكلفتها الفقراء وحدهم. وظل رجال القصر في اماكنهم يهنئون برغد العيش، ويفكرون في مجاعة الفقراء بطريقة ترفيهية تقليدية”.