قراءة في كتاب: العدل الاجتماعي تحت ضوء الدين والسياسة (2)

رغم أن الأديان تركز بالأساس على إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والإله، إلا أن تأثيرها يمتد لكافة نواحي الحياة، سواء في منظومة العلاقات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، لذلك طالما كان سؤال “العدالة الاجتماعية” واحد من الأسئلة الرئيسية التي تواجه الأديان، لما للعدالة الاجتماعية من أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية.

في هذا السياق يتتبع أستاذ علم النفس والفلسفة الراحل إبراهيم عبد المجيد اللبان في الفصلين الثاني والرابع من كتابه “العدل الاجتماعي تحت ضوء الدين والسياسة” رؤية المسيحية والإسلام للعدالة الاجتماعية، طارحًا العديد من الأسئلة حول مفهوم العدل والحرية والمساواة، وحول دور رجال الدين والسياسة والسلطة الحاكمة في إعادة تأطير هذه المفاهيم.

العدل الاجتماعي في المسيحية

“الكتاب المقدس يقر بمبدأ المساواة بين جميع البشر، والقديس بولص بوجه خاص يؤكد في كتاباته أن الدين الجديد لا يفرق بين اليوناني والبربري ولا بين العبد والحر، ولكن كان هناك تصريحات واضحة تدعو إلى احترام السلطة والدولة والقيصر، وقد أدى هذا إلى نشوء مشكلة السلطة. فإذا كان الجميع متساوون لم يبق ما يبرر وجود سلطة عليا، وقد ازداد الموقف تعقيدًا بظهور مسألتين أخريين هما الرق والملكية الفردية” بهذه التساؤلات يحاول اللبان فهم كيف تتطور العلاقة بين النص الديني وبين تأوليه وتطبيقه داخل المجتمع.

يوضح اللبان أنه بعد محاولات متعددة وصل آباء الكنيسة في الشرق والغرب إلى التفرقة بين الطبيعة البشرية كما كانت في بداية الخلق وبين الطبيعة البشرية بعد سقوط آدم في الخطيئة “في الأولى كانت شهوات الإنسان خاضعة لإرادته وكانت إرادته خاضعة لعقله وكان عقله خاضعًا لربه، ولو بقى الإنسان على هذه الحالة البريئة ما احتاج إلى سلطة أو رق أو ملكية، ولكن سقوط الإنسان في الخطيئة تسبب في اضطراب كيانه، واحتشد في عقل الإنسان الطمع والشهوة، وفقد ما كان يتمتع به من هدوء النفس، ودخل في حالة صراع متصل، ولعلاج هذه الفوضى ظهرت فكرة السلطة، ثم أُضيفت فكرتان متصلتان بها وهما الملكية الفردية والرق”.

عبر هذه التفرقة بين الطبيعة البشرية، برر أباء الكنيسة غياب العدل والمساواة، وضرورة احترام السلطة وتقبل فكرة الرق والملكية الفردية، بإعتبارها نتيجة للسقوط في الخطيئة، ونتيجة لهذه التفسيرات بالإضافة لانتشار الأديرة، وتخلي الرهبان عن ملكية الأمور المادية معتبرينها معوقًا للكمال الروحي، أصبحت فكرة الملكية مرتبطة بالإثم والخطيئة.

المسيحيون الشيوعيون

نتيجة لهذه الأفكار ظهرت دعوات قوية ترفض الملكية الفردية، وتدعو للمشاع والملكية التشاركية، يطلق عليها الكاتب “الشيوعية المسيحية”، وعبر قرون تطورت هذه الأفكار وأصبح لها حضور قوي، وفي القرن الرابع عشر الميلادي شارك القسيس جون بول في ثورة الفلاحين في إنجلترا سنة 1381 داعيًا الناس للعدالة والمساواة.

ويذكر اللبان واحدة من أشهر مواعظ القسيس جون بول يقول فيها:”أصدقائي الطيبين، إن الأمور لا يمكن أن تسير في إنجلترا سيرًا مرضيًا حتى يصبح كل شىء ملك للجميع، ويأتي وقت لا يكون فيه اللوردات أكثر منا تمتعًا بالسيادة، ما أسوأ ما عاملونا، لأي سبب يبقوننا في الرق ألم نولد من آدم وحواء، وماذا يقدمون من حجج، لماذا يكونون أكثر سيادة منا، لا شىء إلا أنهم يجعلوننا نشتغل ونشقى لينفقوا عن سعة”.

توماس الأكويني والملكية الفردية

على الجانب الآخر كان الفيلسوف والقديس توماس الأكويني، يقدم تفسير مغايرًا لمبدأ الملكية، ويحاول تحريرها من مصدر للخطيئة والإثم إلى ضرورة للحياة مشيرًا إلى أن طبيعة الأشياء وحقيقتها في يد الله، والإنسان يستطيع أن يغير شكل الأشياء لكن جوهر الأشياء يظل بيد الله، ومن هنا فالملكية هى واحدة من الحقوق التي أعطاها الله للإنسان لكي يستعمل الأشياء على الأرض، ويمارس سيادته عليها لكي يحافظ على حياته ووجوده.

وقد أقر الأكويني بفكرة الملكية العامة انطلاقا من أن الله هو من خلق الأرض وما عليها، إلا أنه رأى أيضًا أن هناك مبررًا للملكية الفردية، قائلًا :”أن الإنسان مضطر بطبيعته لأن يجمع لضرورات حياته المستقبلية، ومن ثم عليه أن يحوز ما يكفي حاجته، والملكية الفردية ليست ترفًا بل هى شىء لا يستطيع الإنسان الحياة بدونها، وأن المرء ليجد أنها احتياج مقدس وضرورة لا لرفاهية الإنسان ولكن لوجوده نفسه”.

ويضيف الأكويني موضحًا أهمية الملكية الفردية وضرورتها للحياة الإنسانية قائلًا:” كل إنسان يهتم بما هو له وحده أكثر مما يهتم بما هو للجميع، والشئون الإنسانية تدار بطريقة أكثر نظامًا إذا كان للفرد أشياء خاصة، في حين أنه تكون فوضى إذا اتيح لكل فرد أن يحصل على ما يحتاجه من الأشياء كيفما شاء، والملكية الفردية تساعد على حفظ الأمن بصورة أفضل لأن كل فرد يكون قانعًا بما عنده”.

يشير اللبان أن أراء الأكويني تم الترحيب بها، وأصبح لها تيار من المؤيدين في ذلك الوقت، خاصة بين الفلاسفة والمفكرين، ويقدم اللبان صورة موجزة لهذه المرحلة قائلًا:” الملكية الفردية أصبحت عند هؤلاء المفكرين ضرورية للحياة الاجتماعية، ولكنها لا تقوم على أساس قانون طبيعي أو إلهي، وإنما تقوم على أساس قانون وضعي يعتمد على أساس قانون التجربة الإنسانية، والشيوعية عندهم ليست شرًا، ولكنها مثل أعلى، يحتاج قدر من الكرم، والتدرب على فضيلة عمل الخير وعلى حب الحب”.

يوضح اللبان أن توماس الأكويني لم يروج لمبدأ الملكية الفردية بصورة مطلقة وإنما جعلها مقترنة بنظرية “الصدقة” وتشير هذه النظرية إلى ضرورة أن تكون الملكية الفردية في خدمة المجتمع وليس مالكها فقط، وذلك من خلال الصدقة التي تعطي للفقراء والمحتاجين وفي هذا السياق يقول توماس الأكويني:”غذا اعترفت بأن الله أعطاك هذه الاشياء، فهل الله غير عادل في توزيع نعمه بهذه الصورة، غير المتساوية، لماذا تحشد عندك النعم بينما يضطر الآخر إلى السؤال، الخبز الذي تضن به هو خبز أولئك الذين يتضورون جوعًا، والفضة التي تكتنزها هى مال المحتاجين”.

العدل الاجتماعي في الإسلام

يشير اللبان إلى أن “العدالة الاجتماعية” واحدة من المحاور الرئيسية التي ركز عليها الدين الإسلامي من خلال فرضية الزكاة، وكذلك عبر التأكيد على قيمة الصدقة والتآخي بين المسلمين، لكن هذا لم يكن كافيًا لتحقيق العدل الاجتماعي، وهنا طرح سؤال جوهريًا حول هل الغاية من فرض الزكاة هو تحقيق العدالة داخل المجتمع والقضاء على الفقر، وبالتالي إذا كانت هذه هى الغاية، ولم تكفي قيمة الزكاة لتحقيق هذا الهدف، فمن الضروري أخذ المزيد من الأموال من الأغنياء لتحقيق هذه الغاية.

وفي هذا السياق يشير اللبان لمقولة الإمام علي :”إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا فبمنع الأغنياء، وحق على الله أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم”.

حد الكفاف وحد الكفاية

يوضح اللبان أن هناك انقسام قد حدث بين الصحابة في مراحل مختلفة حول هذه القضية، فبينما كان أبو ذر الغفاري والإمام علي يمثلون فريقًا يرى بوجوب فرض مزيد من الضرائب على الأغنياء في حال لم تكف الزكاة لتلبية احتياجات الفقراء، بينما كان عثمان بن عفان يمثل فريق أخر يرى أنه لا فرض بعد “الزكاة”.

اختلف الصحابة أيضًا على ما يجب على الزكاة أن تضمنه للفقراء هل هو “حد الكفاف” أم “حد الكفاية”، والأولى تشير إلى الحد الأدني اللازم للمعيشة، والمتعلق بمتطلبات البقاء أو الحاجات الأساسية الجوهرية التي لا يستطيع المرء أن يعيش بدونها، أما “حد الكفاية” فتضمن بجانب إشباع الاحتياجات الأساسية، إشباع المقاصد التحسينية أيضًا وهي الأشياء التي تسهل الحياة وتحسنها، ويمكن ايجازها في تسع مجالات: المطعم، والملبس، والمسكن، وأدوات الإنتاج اللازمة، ووسيلة الانتقال، والتعليم، وقضاء الديون، والزواج، والنزهة”، ويتوافق مفهوم “حد الكفاية” مع ما تؤكده المادة ٢٥ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: “لكل شخص الحق في مستوي من المعيشة كاف للمحافظة علي الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية”.