قراءة في كتاب: العدل الاجتماعي تحت ضوء الدين والسياسة (1)

رغم أن الشعار الأساسي لثورة 25 يناير 2011 كان العدالة الاجتماعية، إلا أنه حدث تحالف ضمني بوعي أو بدون وعي بين العديد من فصائل ونخب الثورة وبين الطبقة الحاكمة وفلول النظام السابق، من أجل تنحية هذه القضية جانبًا، والتعامل معها بصورة سطحية باعتبارها في أقصى طموحاتها تتعلق بقانون للحد الأدنى والأقصى للأجور مع زيادة في المرتبات والمعاشات، هذه الصورة التي روجت عن العدالة الاجتماعية سرعان ما توارت أيضًا، معلنة هزيمة الثورة.

في كتابه “العدل الاجتماعي تحت ضوء الدين والسياسة” يحاول أستاذ علم النفس والفلسفة الراحل إبراهيم عبد المجيد اللبان، استجلاء مفهوم “العدل الاجتماعية” بوصفه حجر الزواية في منظومة حقوق الإنسان، والخطوة الأولى لبناء مجتمع متحضر يحترم الكرامة الإنسانية ويحقق السلم والرخاء، مشيرًا إلى أن “العدل الاجتماعي في الحقبة الراهنة من تاريخ البشرية هو أكبر المسائل التي تشغل الأذهان وتوجه الأوضاع السياسية والاقتصادية في جميع بلاد العالم، وذلك لأنه المبدأ الذي انعقد الإجماع على أنه كفيل بحل مشكلة الطبقة الكادحة وتحقيق السعادة في كل مجتمع إنساني”.

العدل الاجتماعي والملكية الفردية

يحتوي الكتاب على أربعة فصول، الأول بعنوان “طبيعة المشكلة”، والثاني”العدل الاجتماعي في المسيحية”، والثالث “العدل الاجتماعي في العصر الحديث”، والرابع “الإسلام والعدل الاجتماعي”، يقول اللبان في الفصل الأول من الكتاب إن “مشكلة الإنسانية الكبرى هى الشقاء الذي تعيش فيه الأكثرية من الناس في كل مكان”.

موضحًا أن السبب في هذا الشقاء والبؤس، يعود لمنظومة السلطة ومبدأ الملكية الفردية وما نتج عنهما من استحواذ طبقة محددة على ثروات الأرض، ومعاناة معظم البشر من الفقر وما يتضمنه من كد وعناء وحرمان من الكرامة الإنسانية “ليس العدل الاجتماعي فكرة مستقلة قائمة بذاتها منفصلة عن كل ما عداها، لكنها فكرة إرتبطت منذ اللحظة الأولى بمبدأ الملكية الفردية ارتباطًا وثيقًا، ومن ثم من الضروري لفهم دعوة العدل الاجتماعي، أن نوسع نطاق البحث بحيث يشمل أيضًا دراسة مبدأ الملكية الفردية”.

ويضيف:”استكانت الأكثرية الكادحة من الشعوب في العصور القديمة لهذا الشقاء، ولم تحاول أن تجتثه من جذوره، وربما كان أهم أسباب هذا الاستسلام هو طبيعة الفكرة التي كانت سائدة في ذلك الحين فقد كان الناس يعزون البؤس والفقر إلى القضاء والقدر ويظنون أن هذه هى طبيعة الوجود”.

يقدم اللبان قراءة تاريخية متتبعًا العديد من المحاولات للتمرد على فكرة قدرية الفقر والظلم التي طالما حاولت الطبقات الحاكمة ترويجها، مؤكدًا على أن الفقر والبؤس وغياب العدالة الاجتماعية تعود أسبابهم للمنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسوء توزيع الثروة “فهم العلاقة السببية الوثيقة بين النظم السياسية والاقتصادية وشقاء الإنسانية، أعان الناس على أن يدركوا ما لم يدركه أباؤهم من قبل، وهو أنه يجب على من ينشد الإصلاح أن يقضي على النظم الفاسدة وأن يحدد صورة النظام الذي يكفل اليسر والسعادة للبشرية”.

العدل الاجتماعي والثورة الفرنسية

ينطلق اللبان في تحليله لقضية العدل الاجتماعي في العصر الحديث من الثورة الفرنسية وتبعتها، حيث تشكلت معظم المفاهيم والقوانين والمرجعيات التي تحكم المنظومة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على مدار القرنيين الماضيين، وفي هذا السياق يركز اللبان على الصراع بين الروىء المتعددة لمعنى ومفهوم العدالة والتي ظلت تتصارع عقب الثورة الفرنسية حتى تم حسمها لصالح “العدالة” وفق الروئ الرأسمالية، تلك العدالة “المفرغة” من معناها كما يشير اللبان لأنها تمنح الحرية والحق في الاختيار والقدرة على العيش الكريم لمن يملكون المال والسلطة فقط، بينما عامة الشعب لا يستطيعون ممارسة أي من حقوقهم لأنهم ببساطة لا يملكون قوة المال التي تمكنهم من ذلك.

في هذا السياق يشير اللبان إلى أن فرانسوا نويل بابوف كان أول فرنسي حاول أن يتخذ من المساواة الاقتصادية منهجًا عمليًا يدعو إليه ويحاول تحقيقه، وكان السبب الذي دفعه لذلك أن طائفة من الأغنياء حديثي العهد بالثراء تمكنت بعد سقوط الباستيل بسنوات من أن تنقض على السلطة “يرجع ظهور هذه الطبقة إلى أن الأرض التي انتزعت من الارستقراطيين والكنيسة كانت قد تسربت إلى أيديهم، وهنا تنبه بعض المفكرين إلى هذا الخطر فشرع بابوف ومارشال وبوناروني وآخرون بضرورة قيام ثورة أخرى لأن المكاسب المدنية والسياسة التي حققتها الثورة الأولى سيأول مصيرها إلى الفناء إذا لم تأت ثورة اجتماعية واقتصادية”.

وقد أصدرت تلك المجموعة من المفكرين الفرنسيين بيان جاء فيه:”إن الثورة الفرنسية ليست إلا طليعة لثورة أخرى أكبر وأشد، تذهب الفروق الممقوتة بين الغني والفقير والسادة والخدم والحاكم والمحكوم”، ويشير اللبان إلى أن الفكرة الأساسية لبابوف ورفاقه كانت ترى أن الفروق الاقتصادية ليست إلا نتيجة نظام سياسي واجتماعي فاسد، وواجب المجتمع أن يقدم لكل فرد حدا أدنى من الثروة، وعلى الأفراد أيضًا أن يعملوا من أجل مصلحة المجتمع.

ورغم نجاح دعوة بابوف في البدايات إلا أن هذه الحركة تم القضاء عليها بقيادة نابليون وتم إعدام بابوف، وساد النظام الاقتصادي الرأسمالي والنظام السياسي الديموقراطي “بهذا أتيحت للبشرية فرصة واسعة تستطيع أن تختبر فيها صلاحية النظامين الديموقراطي والرأسمالي لتحقيق السعادة والرفاهية للشعب كله”، ويضيف اللبان:”أعطيت الرأسمالية فرصة واسعة لتنمو وتترعرع وتزدهر وتكشف عن مدى ما تستطيع أن تصنعه لإسعاد البشرية. فكانت النتيجة أنها انتهت بالمجتمع إلى حالة تعيسة، فقد هبطت بأجور العمال إلى الحضيض وتركتهم فريسة للفقر والشقاء”.

البحث عن حلول بديلة

رغم انحياز اللبان إلى فكرة العدالة الاجتماعية والمساواة في الثروة، لكنه لم يدعم نموذج اجتماعي واقتصادي محدد سواء كان اشتراكي أم شيوعي، بقدر ما يرى أن الحل هو البحث عن حلول بديلة تتوافق مع واقع كل مجتمع، وتنطلق من التركيز على البعد الاقتصادي بوصفه فاعل أساسي في تحقيق باقي حقوق الانسان من الحرية والعدالة والسعادة والأمان.

وفي هذا السياق يقول اللبان: “تحقيق العدالة الاجتماعية، يعني تمكين الإنسان أينما وجد، وحيثما كان من الحياة الإنسانية الكريمة” ويشرح اللبان مفهوم الحياة الإنسانية الكريمة، بوصفها أن يحصل جميع البشر على منظومة تعليمية وصحية وفرص عمل وأجور عادلة، مع إعادة النظر في مفهوم وحق الملكية الفردية وتقنينه بصورة تخدم المجتمع ككل وليس طبقات محدودة تهيمن على معظم الثروة، في حين يعيش معظم الشعب على الفتات.