قراءة في كتاب: الحرية لإيزايا برلين

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

طالما شغل سؤال الحرية ومعناها وممارستها الفلاسفة على مر العصور، وفي العصر الحديث أصبحت الحرية واحدة من الحقوق والقواعد الأساسية التي تقوم عليها دولة القانون، إلا أن ماهية الحرية ماتزال محل جدل ونقاش على مستويات مختلفة، بدأت من هل الإنسان مُسير أم مُخير بمعنى هل هناك حتمية ما تحكم أفعال الإنسان، أم أن قرارته تنطلق من حرية  كاملة في الاختيار؟، مرورا بثنائية الحرية الفردية والمجتمع والقانون، وصولا إلى سؤال هل الحرية هى غاية في ذاتها أم أنها جزء من منظومة إنسانية متكاملة؟.

في كتاب “الحرية” للفيلسوف إيزايا برلين (1909- 1997) الصادر في ترجمته العربية بالتعاون بين المركز القومي للترجمة ودار التنوير، بترجمة يزن الحاج وتحرير هنري هاردي، يناقش إيزايا مفهوم الحرية وما يتضمنه من أسئلة وتحديات وتطورات مستمرة، عبر خمسة فصول تناقش “مظاهر عديدة من الحرية الفردية، وتهتم أولًا بتغيرات هذه الفكرة أثناء الصراعات الأيديولوجية للقرن العشرين، وثانيًا تهتم بالمعنى المعطى لها في كتابات المؤرخين، وعلماء الاجتماع، والكُتاب الذين يدرسون الافتراضات المسبقة ومناهج التاريخ أو السوسيولوجي؛ وثالثاً بأهمية تصورين أساسيين للحرية في تاريخ الأفكار؛ ورابعًا بالجزء الذي أدته الصورة المثالية للحرية الفردية في ذهن أحد أكثر أبطالها المكرسين (جون سيتوارت مل)؛ وأخيرًا بالعلاقة بين المعرفة والحرية”.

تعكس كتابات إيزايا قدر كبير من تدافع الأفكار، وتبدو في كثيرًا من الأحيان كمونولوج داخلي، وفي أحيانا أخرى كديولوج مع القارىء أو مع منتقديه، داعيًا للتساؤل والتفكير خارج الأطر التقليدية.

في هذا السياق يشير محرر الكتاب إلى أن كتابات “إيزايا برلين” تدفع مفهوم الحريّة إلى آفاق أبعد من حصرها فى أشكال من الحقوق، أو الممارسة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعيّة، وأبعد من كونها مسألة شخصية تتعلّق بالأفراد أو بكل فرد على حدة، ذلك أن الحريّة ليست مجرّد قرار يتخذه المرء، لأنها تحتاج إلى توفّر شروط ممارستها، فى حين أن شروط ممارستها المرتبطة بالمجتمع وبالقوانين، مهما بلغت هذه الشروط تبقى قاصرة عن تلبية طموحات الحريّة الشخصيّة، كما أن الحريّة الشخصيّة لا يمكنها الانفلات من القوانين ومن المجتمع مما جعلها غير متلائمة مع شروط الحرية نفسها.

ويضيف:” إذا كان برلين يدافع فى هذا الكتاب عن الحريّة الفرديّة (أو الشخصية) باعتبارها الانجاز الإنسانى الأهم ويواجه كل أفكار الشمولية والحتمية بأسسها الفلسفيّة والدينيّة، باعتبارها معيقة للحريّة، فإنه يرى أنه لا يوجد نموذج كلّى للحريّة، أو صيغة مفضّلة للحرية الشخصيّة أو المجتمعية، والحريّة ليست القيمة الوحيدة التى بامكانها، أو ينبغى بها، تحديد السلوك، كما أن اعتبارها غاية أمرٌ شديد التعميم، إذ يمكن لحريّة أن تجهض أخرى، ويمكن لحريّة أن تواجه عقبات، أو تفشل فى خلق شروط تجعل حريات أخرى، أو درجة أكبر من الحريّة، أو حريّة أشخاص آخرين، أمراً ممكناً”.

 

الحرية الإيجابية والسلبية

في الفصل الأول من الكتاب يستخدم إيزايا مفهومان  للحرية أحدهما يصفها بالإيجابية والأخرى بالسلبية، وعلى عكس ما يبدو من معناها المباشر في اللغة العربية، والذي قد يحيل إلى أفضلية لأحدهما على الأخرى، فآن ما يقصده إيزايا ليس ذلك المعنى، وفي هذا السياق يقول: “أن طرحي يقول إن فكرة الحرية (الإيجابية) تاريخيًا _كإجابة علي السؤال (من هو السيد؟)_ ابتعدت عن فكرة الحرية (السلبيىة) التي تجيب عن سؤال (ما مدى المجال الذي أكون فيه سيدًا)، وهذه الهوة اتسعت حينما عانت فكرة الذات من انقسام ميتافيزيقي إلى ذات (أرقى ومثالية) من جهة، موجودة لتحكم ذات (أدنى وإمبريقية وسيكولوجية) في الجهة المقابلة”.

ويكمل:”قد تكون هناك تجربة أصيلة للتوتر الداخلي كامنة في جذر هذه الصورة الميتافيزيقية القديمة والشائعة للذاتين، وقد كان أثرها عظيمًا على السلوك؛ فقد أصبحت الذات (الأرقى) ممثلة بالمؤسسات، والكنائس، والأمم، والأعراق، والدول، والطبقات، والثقافات، والأحزاب، وكيانات أشد غموضًا مثل الإرادة العامة، والخير العام، وطليعة الطبقة الأكثر تقدمية، وفي مسار هذه العملية ما كان قد بدأ كعقيدة حرية تحول إلى عقيدة سلطة، و_أحياناً_ عقيدة قمع، وهى ظاهرة شديدة التنوع في يومنا هذا”.

يوضح إيزايا “أنه في عصر الإنتاجية الاقتصادية المتسارعة، ثمة طرق للانتقاص من الحرية، عبر السماح أو التسويق لوضع يتم فيه حرمان جماعات وأمم بأكملها بشكل مستمر من المنافع التي تم السماح بتكديسها حصريًا في أيدي جماعات وأمم أخرى، أي الثرية والقوية، وقد تم ذلك بفضل السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تمييزية بشكل صارخ أحيانًا، ومموهة أحيانًا أخرى، بفعل التلاعب بالسياسات التعليمية ووسائل التاثير في الآراء، والتشريع في مجال الأخلاقيات، ومعايير مماثلة كبحت وأضعفت الحرية الإنسانية بالقدر نفسه الذي تمارسه، أحيانًا، المناهج الأكثر وضوحًا ووحشية للاستبداد المباشر_ الاستعباد والسجن_ التي رفع المدافعون عن الحرية أصواتهم ضدها”.

 

ماهية الحرية

لا يحدد إيزيا تعريف دقيق ومطلق للحرية، بقدر ما يسعى لفتح نقاش حول المفاهيم التي تم تكريسها بوصفها المعبرة عن الحرية، مشيرًا إلى أن “جوهر الحرية كامنًا دومًا في القدرة على الاختيار كما تشاء، لأنك تتوق إلى الاختيار، غير مكره، غير مرهب، وغير منجرف في نظام ضخم ما؛ وفي حق المقاومة، في ألا تكون شعبويًا،  وأن تدافع عن قناعاتك لمجرد كونها قناعاتك. تلك هى الحرية الحقيقة، ومن دونها ليس ثمة حرية من أي نوع، ولا حتى توهمها”.

 

أكثر ما يميز كتابات إيزايا رغم ما تحمله من استطراد، إلا أنه يسعى دومًا لربطها بالحياة المعاصرة، فمثلًا في توضيحه للفرق بين الحرية وشروطها يطرح واحدة من النقاط الشائكة المرتبطة بالأزمات الناتجة عن اختلافات المكانة التي صنعتها الأنظمة التعليمية التي تحكمها المصادر المالية أو الوضع الاجتماعي للأهل، مشيرًا إلى أنه بينما يرى قطاع من الأهالي بأن من حقهم اختيار نمط التعليم الذي سيعطى لأطفالهم، هناك قطاعات أوسع تفتقر لهذا الحق في الاختيار، نتيجة للتفاوت الطبقي الكبير. “في هذه الحالة، ينشأ الصدام بين الحاجة للحفاظ على الحرية الراسخة لبعض الأهالي في تحديد نمط التعليم  الذي يطالبون به لأطفالهم؛ والحاجة لخلق شروط يتم فيها الإتاحة لأولئك المفتقرين لتلك الحقوق فرصًا لممارستها (حرية الاختيار) التي يمتلكونها قانونيًا، ولكنهم عاجزون عن الاستفادة منها في حال غياب فرص مماثلة”.

موضحًا أنه:”ينبغي جعل الحريات عديمة الفائدة قابلة للاستخدام والإفادة، ومتطابقة مع الشروط اللازمة والكافية للانتفاع منها. هذا ليس مجرد تمييز متحذلق، إذ لو تم تجاهله، سيكون معنى وقيمة حرية الاختيار قابلين للانتقاص. وفي اندفاعهم الحماسي لخلق شروط اجتماعية واقتصادية تكون فيها الحرية بمفردها قيمة أصيلة، يميل البشر إلى نسيان الحرية بحد ذاتها؛ وفي حال تم تذكرها، ستكون قابلة للاقصاء بهدف إتاحة مجال لتلك القيم الأخرى التي شغلت تفكير الإصلاحيين والثوريين. مجددًا لا يجب نسيان  بأنه حتى لو كانت الحرية _من دون وجود أمن مالي، وصحة، ومعرفة ملائمة_ عديمة الفائدة افتراضيًا، في مجتمع يفقتر إلى المساواة، والعدالة، والثقة المتبادلة، سيكون الأمر المعاكس كارثيًا كذلك. إن العطاء لأجل الاحتياجات المادية والتعليم، والمساواة والأمن، كالتي ينالها _مثلًا_ الأطفال في المدرسة أو العلمانيون في نظام ثيوقراطي، لا يوسع الحرية. إننا نعيش في عالم يتسم بوجود أنظمة (يمينية ويسارية) تعتمد فعل هذا، أو تسعى لفعله، وحينما يسمون هذا الأمر حرية، سيكون الأمر خدعة بالقدر نفسه كما في حرية الفقير الذي يمتلك حقًا قانونيًا في شراء وسائل الرفاهية، وفي حقيقة الأمر، فإن أحد الأمور التي كانت حكاية دستويفسكي الرمزية الشهيرة عن المفتش الأكبر في الإخوة كارامازوف مكتوبة لاظهارها أن بإمكان الإدارة الأبوية منح شروط للحرية، ولكن كبح الحرية بحد ذاتها”.