في ذكرى مذبحة بلد الشيخ 1947م

في مثل هذا اليوم من عام 1947م أقدم 170 مجرما صهيونيا من كتيبة “بلماخ” التابعة لعصابات “الهاجاناه على ارتكاب مذبحة بشعة راح ضحيتها 600 نسمة من سكان قرية بلد الشيخ الواقعة جنوب شرق حيفا على بعد نحو سبعة كيلومترات.. كان الهدف هو ترويع سكان البلدة البالغ عددهم وفق أدق التقديرات حوالي 4120 نسمة لتهجيرهم وتحويل البلدة وما حولها من أراض- إلى مغتصبة صهيونية سيطلقون عليها فيما بعد مستوطنة “نيشير” وكانت قرية بلد الشيخ المسماة بهذا الاسم نسبة إلى الشيخ الصوفي عبد الله السهلي الذي أقطعه السلطان العثماني سليم الأول إيرادها في العقد الثاني من القرن السادس عشر- قد زادت أهميتها السياسية والاقتصادية لها؛ فسكنها آلاف العمال من جميع أنحاء البلاد، بعد أن أنشئت بها محطة سكة حديد، كما ارتبطت مع المدن الكبرى في الشمال الفلسطيني بعدد من خطوط الحافلات، وأنشئ مدرج للطائرات على بعد كيلومترين شمال القرية التي ضمت أيضا محطتين للوقود على طريق حيفا- جنين، كما كان بها ثلاث مدارس، ومقبرة تضم بها قبر الشيخ المجاهد الشهيد عز الدين القسام.

كيف بدأت المذبحة؟

وفقا لما جاء بكتاب تاريخ “الهاجاناه” فقد صدرت الأوامر لقوة “البلماخ” بتطويق القرية والتعرض لرجالها بالإيذاء مع تخريب الممتلكات دون التعرض للنساء والأطفال، ولكنهم لم يلتزموا بذلك وسقط عدد من النساء والأطفال ضمن ضحايا الهجوم الأول البالغ عددهم ستين شهيدا.. وتم تبرير ذلك في التقرير المقدم من قائد العملية بأن تجنب النساء والأطفال أصبح أمرا عسيرا بعد بدء تبادل إطلاق النار مع المدافعين عن البلدة.

وحسب شهادة أدلى بها فيما بعد أحد أفراد القوة المهاجمة أن الأوامر قد صدرت لهم باستخدام الفؤوس والبلطات في الاعتداء على أهالي البلدة وعدم استخدام الأسلحة النارية؛ حتى لا تنتبه القوات البريطانية المتواجدة بالقرب من البلدة.. وهذا الزعم لا يصمد كثيرا أمام الحقائق التي تؤكد أن كثيرا من هذا العمليات الإجرامية كان يتم تحت سمع وبصر القوات البريطانية، كما أن بعضها تم بالتنسيق.. بدليل أن بعض العمليات الهجومية الصهيونية على القرى الفلسطينية كانت تتم بعد نزع سلاح الفلسطينيين من جانب المحتل البريطاني.

وقد دُمِّرت -جراء هذا الهجوم- عشرات المنازل، وتم إخلاء أجزاء من القرية في غضون أسبوع من بدء الهجوم الذي أعلن فيما بعد أنه كان انتقاما لمقتل عدد من العمال الصهاينة قرب مصفاة النفط، بعد تفجير قنبلة في المنطقة ألقاها أفراد من عصابة “الآرجون” الصهيونية أودت بحياة عدد من العمال الفلسطينيين الذين ردوا بقتل 41 عاملا صهيونيا كانوا يقفون في صف طلب الاستخدام بالمنشأة النفطية.. بالطبع فإن هذه المبررات الواهية قد سيقت من أجل إخلاء البلدة الاستراتيجية وتهجير أهلها جميعا، وتحويلها لمستعمرة صهيونية نظرا لما لها من أهمية كبيرة في حسم الصراع الدائر على الأرض.

سقوط البلدة في أيدي الصهاينة بمعاونة بريطانية

كانت الخطة المسماة بالخطة “D” تقضي بأن يحتل لواء “كرملي” البلدة، ضمن عملية احتلال حيفا ذاتها. وبسقوط حيفا في الثاني والعشرين من أبريل، أُجلي عدد من نساء القرية وأطفالها إلى أماكن آمنة، تحسبا لهجوم قد يُشن.

ومع نسمات فجر الرابع والعشرين من أبريل عام1948م كانت وحدات من عصابة “الهاجاناه” تحاصر القرية وتطلب من السكان تسليم أسلحتهم.. فقام السكان بتسليم اثنتين وعشرين بندقية مع تقديم طلب للهدنة، لكن الصهاينة رفضوا قبول الهدنة ما لم تسلم بقية الأسلحة.. ود، فما إن حلت الخامسة صباحا سابق إنذار، وفي الخامسة صباحا كانت القرية تصطلي بقذائف مدافع الهاون والمدافع الرشاشة.. ولم يكن المدافعون عن البلدة في وضعية تسمح لهم برد نيران القوة المحاصِرة.

بعد نحو ساعة من بدء القصف المدفعي وصلت وحدة من القوات البريطانية قامت بإقرار هدنة تضمنت شروطها إخلاء القرية من سكانها تحت حماية بريطانية، وقد اتجه السكان المهجَّرون إلى عكا؛ لكنهم ما لبثوا أن فروا منها بعد أن جاءت الأخبار بقرب هجوم عصابات “الهاجاناه” على المدينة.

لقد سقطت بلدة الشيخ فعليا في أيدي الصهاينة في صباح الخامس والعشرين من أبريل عام1948م وأطلقوا عليها اسم “تل غِنان” نسبة إلى أحد قتلاهم في الهجوم ويدعى “غِنان زلينجر” قبل أن تصبح البلدة جزءا من مستعمرة “نيشير” في عام 1952م.

ما آلت إليه أحوال البلدة بعد الاحتلال

لم يبق الكثير من بيوت القرية الفلسطينية، فقد هدمتها دويلة الكيان إلا ما ندر. بيتان لعائلة السهلي – كما يقول شهود عاشوا في القرية حتى 1948 – موجودان اليوم في شارع “الرابموحا” وكلا المنزلين يستعمل ككنيس يهودي. أما في الحارة الغربية فيمكن رؤية منزل واحد كامل وآخر مهدوم جزئيا وعلى سفح التل الكثير من أطلال البيوت المهدمة بين نبات الصبار. وكما ذكرنا مقبرة القسام ما زالت موجودة قرب القرية – ويقام قرب المقبرة في هذه الأيام ملعب كرة قدم لمدينة “نيشير” أما مقبرة آل السهلي فتقع شمالي القرية وهي محاطة بسور ومحافظ عليها نسبيا وتقع بين مبان سكنية لصهاينة خلف مدرسة ابتدائية.

إن هذه الجريمة النكراء التي ارتكبها الصهاينة في مثل هذا اليوم تضاف إلى سجل جرائمهم الحافل بالجرائم البشعة في حق الشعب الفلسطيني، والتي تعتبر جرائم ضد الإنسانية لا يمكن أن تسقط بالتقادم، ومهما حاول دعاة الاستسلام الترويج لسلام مزعوم؛ فإن الحق العربي الفلسطيني هو حق يأبى النسيان، ويعلو على التفريط والضياع، ومهما طال الزمن سيعود الحق لأصحابه، ولن تضيع هذه الدماء الطاهرة هباء.. هذا هو الوعد الحق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.