في دولة الرسول.. العزة لله جميعا (2)

“لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلامَ وَذُلا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ”

كان المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه منذ البداية يؤكد على أن أمر الإسلام إنما هو أمر عزّة لا مكان فيه لقبول الدَّنيَّة والصغار، والصبر في حال الاستضعاف لا يصدر عن خنوع واستسلام بل عن يقين بالنصر مهما طال العسر، فـ ” والله ليُتمنَّ هذا الأمرَ حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ والذئبَ على غنمِه، ولكنكم تستعجلون”.

وكان الرسول في يوم الحديبية يرى الأمر فتحا ونصرا، وإن رأى كثير من المسلمين غير ذلك؛ لأن الهدف الذي سعى إليه كان اعتراف قريش بدولة المدينة ونديتها لمكة، كذلك استثمار الهدنة في نشر دين الله بين القبائل العربية ليزداد الإسلام قوة وعزة ومنعة، وقد كان له ما أراد؛ حتى أن المصادر أكدت أن المسلمين تضاعفوا أضعافا خلال عامين فقط قبل أن تنقض قريش عهدها.. فقد توجه الرسول لمكة معتمرا في ألف وأربعمئة رجل لا يحملون إلا السيوف في أغمادها، وكان ذلك غرة ذي القعدة في العام السادس للهجرة، وكان دخوله مكة بعد ذلك في رمضان عام ثمانية هجرية في أكثر من عشرة آلاف مقاتل كاملي العدة والعتاد، وكان الرسول قد أرغم قريشا على التماس إلغاء أشد شروط الصلح إجحافا وهو التزامه برد من يأتيه من قريش مسلما بعد ما كان من أمر أبي بصير ومن معه من قطع طريق عير قريش والإغارة على تجارتها، وتجدر الإشارة إلى إصرار الرسول على استثناء النساء من هذا الشرط.

لقد كان منطق العزة الإسلامية حاكما فيما يصدر عن العصبة المسلمة من أفعال حتى أن عروة بن مسعود الثقفي الذي أرسلته قريش مفاوضا عنها، وكان من أحكم العرب وأعزهم حتى قيل أنه المقصود بقولهم “رجل من القريتين عظيم” يقول لقريش بعد ما رأى من أمر المسلمين “يا قوم، إني قد وفدت على الملوك، على كسرى وهرقل والنجاشي، وإني والله ما رأيت ملكاً قط أطوع فيمن هو بين ظهرانيه من محمدٍ في أصحابه؛ والله ما يشدون إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلا أن يشير إلى أمرٍ فيفعل، وما يتنخم وما يبصق إلا وقعت في يدي رجلٍ منهم يمسح بها جلده، وما يتوضأ إلا ازدحموا عليه أيهم يظفر منه بشيءٍ؛ وقد حرزت القوم، واعلموا أنكم إن أردتم السيف بذلوه لكم؛ وقد رأيت قوماً ما يبالون ما يصنع بهم إذا منعوا صاحبهم؛ والله لقد رأيت نسياتٍ معه إن كن ليسلمنه أبداً على حال؛ فروا رأيكم، وإياكم وإضجاع الرأي، وقد عرض عليكم خطةً فمادوه! يا قوم، اقبلوا ما عرض فإني لكم ناصح، مع أني أخاف ألا تنصروا عليه! رجلٌ أتى هذا البيت معظماً له، معه الهدي ينحره وينصرف”.

ونرى عزة الإسلام منهجا واضحا لا يمكن غض الطرف عنه في رسائله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك، وكذلك في اختياره لحاملي رسائله التي تضمنت عبارات حاسمة كما يقتضيه الأمر..” أسلم تسلم” وكذلك “فإن أبيت فعليك إثم…” و لا عجب أن تصل هذه الرسائل إلى بلاط أقوى ملوك الأرض، وأن تلقى من معظمهم القبول برغم أن دولة الإسلام آنذاك لم تكن لتضم أكثر من ثلاثة آلاف نسمة، ولا تمتد خارج مدينة رسول الله إلا قليلا.. لكنها روح العزة التي تعلن عن نفسها في كل لحظة ترسيخا لمعانيه في النفوس، وبعثا للرجاء في أفئدة تلمست النور؛ فضحت من أجله بالغالي والنفيس، وإيعازا لأصحاب البطش بأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة المطلقة على التضحية والفداء من أجل المبدأ والغاية النبيلة.

ويرى المؤرخ الأمريكي “ميتشل هارت” أن الرسول محمد هو الوحيد الذي نجح نجاحا لا نظير له على المستوى الديني والدنيوي، بالرغم من نشأته في محيط بسيط، بعيدا عن الفنون والعلوم، إلا أنه استطاع في زمن قصير أن يستقطب جميع القبائل في جزيرة العرب، ويجعلها بحكمته وسياسته تدخل في الإسلام عن قناعة وايمان مستعينا بالقرآن الكريم”.

وبالنظر في جميع المعاهدات والاتفاقيات التي أبرمها الرسول الأعظم نجد أن السياسة الخارجية للدولة الإسلامية تنوعت تنوعا كبيرا، وإن كان أساسها هو تقدير الضرورات ما بين تحييد بعض القوى، واستمالة كيانات أخرى والتعاون القائم على حسن الجوار مع قوى رأى النبي أنها من الممكن أن تقوم بأدوار تخدم الدولة الإسلامية فيما بعد، كما كان في حلفه مع خزاعة.

وفي عام الوفود تتجلى صورة إسلام العزة في كثير من المواقف، فكانت المدينة تتهيأ لاستقبال تلك الوفود، وكان الرسول يحرص على استقبالهم بنفسه ويرحب بهم”.. ويوسع لرؤسائهم في المجالس، ويجلس إليهم، ويؤنسهم في الحديث، ويتلقاهم بالبشر وطلاقة الوجه، ويكلمهم باللين والرفق واللطف، ويسألهم عن أهاليهم وبلادهم، ويدعو لهم، ويغير الأسماء غير الجميلة منهم إلى أسماء حسنة، ويحلم عن جاهلهم، ويعفو عن مسيئهم”.

كما كان يستجيب لمطالبهم ما وسعه ذلك، ويجزل لهم العطاء، حتى قال عنه أحدهم لقومه عندما عاد إليهم “جئتكم من عند رجل يعطي عطاء من لا يخشى الفقر” وكان إغداقه على العرب أظهر لعزة الإسلام من غيره، لاعتبار العرب الجود رأس الفضائل، وعندما أرادوا أن يصفوه بعد ذلك قالوا عنه “كان أجود بالخير من الريح المرسلة”.. وهو القائل “ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار..” فهكذا يكون القائد غزيزا أبيا كريما معطاء لا يسبقه أحد في سعيه نحو الفضائل.

ما أحوجنا للاقتداء بك في عصرنا هذا، ما أحوجنا إلى تمثل صفاتك وأخلاقك يا رسول الله، ما أحوجنا لتلك العزة التي كانت المحرك والأساس لكل ما يتعلق بالدولة الوليدة، حتى بلغت بك المجد من أطرافه؛ ما أحوجنا لعزتك وعلو همتك؛ لنؤكد لكل ذي غرض أن الذلة والصغار والتهاون ومداهنة الأعداء لا يمكن أن تكون سبيلا للخير ولا طريقا لنيل الحقوق، ولو كثر السالكون.