صبا محمود.. حول نقد العلمنة (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

في ظل فوضى الأفكار والسجالات القائمة بين المجموعات الأيدولوجية المتباينة يصبح مجتمع المعرفة مهددا، والنقد العلمي في وضعية خطرة.. فليست الأحادية فقط هي ما يجب رفضه، بل إن الثنائيات المغلقة لابد أن تستدعي درجة أكبر من عدم القبول؛ لأن الصراع الدوجمائي في هذه الحالة لن ينتج سوى الخراب الإيديولوجي والضياع المعرفي.. وتذهب د. صبا إلى أن الخروج من هذا المأزق التاريخي لا يكون إلا من خلال المشروع النقدي الذي يقوم على الدفاع عن الحق في الاختلاف والتعددية الحقيقية لا التي تقوم على تباينات خادعة.

إننا كثيرا ما نلجأ إلى تعريفات رومانسية لتسويق فكرة ما، ومن المؤسف جدا أن هذه التعريفات تمثل- مع الوقت- جنوحا شديدا- يبتعد بالمفهوم عن سياقه الفكري والفلسفي، وبالنسبة للعلمانية تشير د. صبا إلى أن التسامح والتعايش اللذين يمثلان جوهر العلمانية لدى البعض ليسا إلا نزعا للمفردة من سياقها التاريخي، وهو ما يعد تكريسا لعدم وضوح المفهوم و “مطاطيته” واستعصائه على التحديد، كما أن الانتقال بالمفهوم ذاته إلى الحركية؛ كادعاء تأسيس تيار علماني، أو حركة اجتماعية علمانية، لا يشكل في حقيقته سوى تورُّم أو نتوء يُخرج المفردة من سياقها التاريخي منبئا عن أزمة حقيقية لدى النخب، وقصور شديد في التناول الفكري والفلسفي.

ترى د. صبا العلمانية كمفهوم إشكالي فكري، وتُرجع ذلك إلى ارتباطه بالتاريخ اللاهوتي المسيحي، وبالسياق التاريخي الأوروبي، وبسبب ما يمكن تسميته بضجيج الصراع الأيديولوجي- استقر في مخيلة الفرقاء مجموعة من المفاهيم اختلطت فيها العلمانية باللادينية والأيديولوجيا مما أوقعها في مأزق تلخصه د. صبا في نقاط ثلاث.

أولي هذه النقاط تلك الأهمية الكبيرة غير المبررة التي نوليها للعلمانية على حساب قضايانا الأخرى سياسية كانت أم اجتماعية أو ثقافية، وما يستتبع ذلك من النظر إلى العلمانية كحل أخير ونهائي لكل ما نعانيه من مشكلات، باعتبار أن الدين أهم أسباب تأزم مجتمعاتنا مما يمثل ضرورة أن ينحى جانبا، ويصبح ذلك هو الهدف والمحرك لدى المثقف العلماني فيصاب بخلل واضح في المعايير، خاصة معيار تحديد المشكلة؛ لأنه بالأساس يضع تصورا مسبقا لها مما يقعد به عن البحث الجاد، ويوقعه في حال الرفض والإقصاء.

في النقطة الثانية تشير د. صبا إلى أن تحول العلمانية إلى أيديولوجيا عقدية لدى بعض الفئات، مع بقائها كقالب فكري يحتوي حلولا للمشكلات الثقافية والاجتماعية والسياسية يجعل من العلمانية “عقيدة صدامية وإن لم تبرز في الوهلة الأولى، لكنها ستتحول إلى راديكالية صماء لا تعترف بشيء” وهذا ما يقودنا إلى النقطة الثالثة وهي تحول العلمانية إلى “دوجما” أي مذهبية مغلقة لا تتغير ولا تتبدل، كما “أصبحت مرادفا للإلحاد مما جعلها تيارا يواجه “الخطيئة الدينية” ووضع العلمانية في مواجهة الدين؛ يجعلها مفهوما مساويا للدين، “وهنا بقصد أو بدون قصد يتم الخلط بين العلمانية وبين اللادينية”. وتذكِّر د. صبا بأن مصطلح العلمانية قد نشا كمصطلح ديني في الأساس للتمييز بين الرهبان المنقطعين لخدمة الرب، والكهنة العاملين في النواحي الدنيوية ورعاية المؤمنين.

لذلك تعتبر د. صبا أن نشوء العلمانية هو بالأساس نشوء الدولة الحديثة التي طلبت أسباب التفوق على السلطة الدينية التي سيطرت على المجتمع واحتكرت العنف-باسم الدين- فكانت تلك الدولة استجابة لرغبة المجتمع في ابتكار سياسة مستقلة غير دينية؛ فكانت الدولة الحديثة وريثا لتلك السلطة الدينية إذ آلت إليها كل ممتلكاتها، وما كانت تتمتع به من صلاحيات كتحديد معنى الدين ووضع سياسات التعليم، بالإضافة إلى إعادة صياغة هوية المجتمع وفق رؤية مغايرة للتاريخ.. مما سبق “نفهم أن العلمانية مفردة متعلقة بفكرة الدولة، وليست أيديولوجية لفئة معينة، إنها المفهوم الذي يفصل بين عمل الدولة الزمني وعمل المؤسسات الدينية” وكما سبق أن كشفت د. صبا عن كون العلمانية فكرة دينية تمييزية تشير إلى أن فكرة التمييز صارت حاضرة بقوة في الحياة العامة كمثال تقسيم النخب إلى نخب سياسية ونخب دينية “حتى الدول التي تدعي أنها دينية مثل السعودية تعتمد سياسة قد نعتبرها نوعا من أنواع العلمانية، مثل صياغة مفهوم الدين وإعادة تشكيل التدين المناسب للدولة، ومن أبرز تجلياتها ما يعرف بـ وزارة الأوقاف التي تؤكد من خلال أدوارها أن الدولة تهيمن على الدين وليس العكس، وهذا هو غرض رئيس لنشوء العلمانية.

لا تستنكف د. صبا محمود أن تعلن أن الآمال المتعلقة بقدرات الدولة العلمانية على إنهاء الصراع القائم على التحيزات الدينية- هي آمال تنطوي على سوء فهم لما يجب أن تكون الدولة محايدة حياله، فهذه الدولة لا ترغب –في الحقيقة- في نزع التسيس عن الدين؛ إنها تحاول فقط إقصاءه عن المجال العام، وهو كما تقول صبا لا يمكن أن يكون هو المشكلة القصوى؛ لآن الدولة الليبرالية وفق هذا التوجه الذي تنزع فيه صفة التسيس عن المواطنين وتغلق المجال العام، وتعمل بوصفها “وسيطا مراوغا” تصبح هي المشكلة بامتياز!

وتستشهد د. صبا بما حدث في مصر من تحولات اقتصادية بدأت في السبعينات من القرن الماضي ومازالت مستمرة، وتسميها عملية “اللبرلة الاقتصادية” وما تضمنته من إجراءات انفتاحية كرفع القيود والخصخصة، أنها قد أدت فعليا إلى جعل “المؤسّسات الدينيّة أكثر مركزيّة للحياة المدنيّة والاجتماعيّة”. وهو ما يؤكد التماهي بين الدولة العلمانية “الليبرالية” والأنظمة السلطوية، والاستغلال الأسوأ للدين وتوظيفه كمبرر لتمرير السياسات التي لا تضع مصلحة الشعوب كأولوية لها.

في الأخير تؤكد د. صبا على أننا أمام أزمة نخبوية تتجلى في التباس المفاهيم وتكشف عن مشكلات معرفية تعيشها تلك النخب التي تعتمد على السجالات والنزاعات الأيديولوجية، وهذه السجالات دوما تفسد الحياة الثقافية وتعمل على تنميط المجتمع وقولبته بل اختصاره بين تيارين متعارضين، وهذا في الحقيقة تصور بدائي وغير حضاري. وترى د. صبا أن الدفاع عن حق الاختلاف والتعددية في الفهم والتفسير، وإعلاء قيمة النقد والموقف المعرفي بدل الموقف الأيديولوجي الذي يغتال العقل والمعرفة، هو سبيل المجتمعات التي تتكاثر فيها الميكروبات الفكرية إلى الخروج من تلك الأزمة المستحكمة.