صبا محمود.. حول نقد العلمنة (1)

تحتل الباحثة الأمريكية من أصل باكستاني صبا محمود مكانة مرموقة بين الباحثات المعاصرات المهتمات بالدراسات الأنثربولوجية المتعلقة بالإسلام والعلمانية والحركات الإسلامية وحقوق المرأة.. ومن الغريب أن التخصص الأصلي لصبا محمود كان الهندسة المعمارية التي عملت في مجالها لمدة أربعة سنوات.. لكن يبدو أن المهندسة اليسارية رأت أن العمل في مجال الدراسة الإنسانية أكثر نفعا للبسطاء من بناء بيوت لهم ما تلبث الرأسمالية المتوحشة أن تنتزعها منهم أو ترغمهم على دفع ثمنها أضعافا مضاعفة تقول صبا : “كان على الفقراء أن يفهموا عالمًا ألغى إلغاء كاملا إمكانيَّة وجود حياة هانِئة، وضرورة دأبهم على إعادة بناء هذه الإمكانية من خلال مواءمة أنواع مختلفة من الممارسات والعادات”.

هناك عامل آخر شديد الأهمية دفع الدكتورة صبا إلى تغيير مسارها العلمي، وهي أنها كانت شاهدة على التطورات الدراماتيكية في عصر ما بعد الكولونيالية في باكستان على يد الجنرال الانقلابي ضياء الحق الذي عمل على أسلمة المجتمع الباكستاني إرغاما وجبرا من خلال سن القوانين وتغيير التشريعات مستفيدا من عودة الآلاف من الباكستانيين من منطقة الخليج العربي بعد تشبعهم بالأفكار الوهابية، برغم أنه كان أداة طيعة في أيدي الأمريكيين حتى انتهاء فترة حكمه باغتياله في أغسطس 1988، وقد أصبح المجتمع الباكستاني من بعده كتلة من الصراعات التي لا تنتهي ولا تعرف الحسم.

ترجع صبا ما حل ببلدها من كوارث وغيره من بلدان الشرق الأوسط إلى ذلك “التحالف الآثم بین العواصم الغربیة (خاصة الولایات المتحدة) وممالك الخلیج أثریاء النفط (خاصة السعودیة والكویت والإمارات العربية المتحدة)” الذي حرص على ترسيخ أفكار الخنوع والانهزامية وقبول التسلط التي تتزيا بثوب إسلامي (وهابي) مع الاستفادة من تراجع الحركات التقدمية وعدم توصلها إلى صيغة تفاعل مع المجتمع تتيح لها القيام بدورها التنويري.

تذكر صبا التي تعمل الآن في جامعة كاليفورنيا – ولاية بيركلي أنها اضطرت لتغيير مكان بحثها الميداني الخاص برسالتها للدكتوراه من بلدها الأصلي إلى الجزائر ثم أخيرا إلى مصر التي رصدت فيه دور المرأة في الحركة الإسلامية، والتحولات التي طرأت على المجتمع المصري بهذا الخصوص متعقبة أصولها منذ بداية الخمسينات.

تحولت رسالة صبا إلى كتاب أسمته سياسة التقوى: الإحياء الإسلامي والشخصية النسوية، ولقي قبولا واسعا في الأوساط العلمية في الولايات المتحدة مما دفعها للانغماس في الدراسات المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط كقضية الأقليات الدينية، والعلمانية والحوكمة السياسية والاخلاق، وقد قدمت صبا في كتابها الأخير الصادر في العام قبل الماضي بعنوان “الاختلاف الدِّيني في عصر العَلمنة: تقرير حول الأقليَّات الدِّينيَّة” الذي ناقشت فيه التَّعدُد والتَّنوع الذي ميَّز منطقة الشرق الأوسط وبلدان آسيا الجنوبيَّة- رؤية جديدة لنقد العلمنة تقوم على الفصل بين العلمانية فكرا وممارسة من خلال “جينالوجيا نقدية” تلزمنا بمراجعة ما استقر في أذهاننا على شكل مسلمات بخصوصها..

تقول صبا “إن بعض التدقيق الذاتي والشك ضروريان فيما يتعلق بالیقین تجاه التزاماتي السیاسیة الخاصة، عند محاولة فھم حیاة الآخرین الذین لا یشاركونني بالضرورة ھذه الالتزامات. ھذا لیس ضربا من السخاء ولكنھ تولد من إحساسي بأنھ لم یعد بإمكاننا أن نفترض بغرور أن أنماط الحیاة العلمانیة والعلمانیة في تركیباتھا التقدمیة تستنفذ بالضرورة سبل المعیشة الھادفة والثریة في ھذا العالم. لقد قادني ھذا الإدراك إلى تضییق مدى الیقین السیاسي لدي بما أني أكتب تحلیلیا حول ما یبعث الحیویة في أجزاء من الحركات الإسلامیة وقد اضطرني ھذا إلى رفض أن یكون موقفي السیاسي تلك العدسة اللازمة التي ینبغي لتحالیلي أن تمضي قدما من خلالھا”.

وفي محاولة منها لكشف الدور الذي قامت به الحكومات العلمانية “الليبرالية” في دعم توغل الحركات الإسلامية في مجتمعات الشرق الأوسط تشير صبا إلى وجود منظمات الرعاية الاجتماعية التي تصاعدت أدوارها على نحو متسارع ” لملء الفراغ الذي تركتھ حكومات الاستقلال بما أن ھذه الأخیرة تأخرت في توفیر الخدمات الاجتماعية لمواطنیھا في ظل ضغوط الاقتصاد النیولیبرالي”.

تؤكد صبا على أن التفرقة الصارمة بين الدول الليبرالية والأنظمة السلطوية في الشرق الأوسط هي تفرقة متوهمة وغير ناجعة “لأنّها لا تعالجُ بصورةٍ كافيةٍ نمط الحكم السياسيّ الذي يتمّ تقاسمه عالميّا عبر الانقسام الجغرافيّ بين الدّول الغربيّة واللاغربيّة” كما أن الممارسة العملية أثبتت زيف كثير من القيم الليبرالية بدليل “ما يجري في ظلّ الأمن القوميّ في أمريكا الشماليّة أو في أجزاء من أوروبّا، حيث انتُهكَت كافّة أنواع الحريّات المدنيّة والحقوق الدستوريّة واستهزأت رقابة ضخمة من حقّ الخصوصيّة. هل يمكننا -بالتالي- أن نقول إنّ هذه الدّول ليست بدولٍ ليبراليّة حقّاً، أم الأمر -بالأحرى- هو أنّ التفرقة الصارمة التي نقيمها بين الأشكال الليبراليّة والسلطويّة للحكم؛ هي أكثر مساميّة في الواقع بكثير”.

ترنو صبا إلى فهم كيف وصل العالم إلى هذه النقطة من الصراع، وما الواجب علينا تجاه ذلك مع الوضع في الاعتبار “أنّ الطريق أمامنا لا يمكن أن يؤسَّس على مجموعة الافتراضات نفسها التي أتت بنا إلى هنا”.

ما يمكن استخلاصه من حديث صبا بهذا الصدد أننا مطالبون جميعا بإعادة “فحص وتقييم كلّ ما نعتز به -من سياساتٍ علمانيّة، وسياساتٍ تقدميّة، وسياساتٍ ثوريّة، وسياساتٍ نسويّة- وذلك للتوصّل إلى ما كان في هذه الرؤى من مساوئ عميقة، والهدف الذي لعبته في خلق المأزق الحالي الذي نحن فيه، بدلا من إلقاء اللوم على علّة خارجيّة واحدة مثل الأبويّة أو الكولونياليّة أو الجهاديّة أو الرأسماليّة”.

وبالقطع فإن صبا لا تطلب من أحد ان يتخلى عن أيدولوجيته او مشروعه السياسي، لكنها تدعو لإدراك أفضل لما آل بنا إلى ما صرنا إليه حتى يمكننا المضي قدما دون تكرار أخطائنا.