شفيق البطل وشفيق الخائن… “يا اختي كده ينفع وكده ينفع”!

لا تعبر مظاهر القوة التي يتباهي بها البعض عن امتلاكهم قوة حقيقية، فأحياناً يحلو للضعيف والمتردد والمهزوز الاختباء خلف القناع نفسه، إما لتعويض ما ينقصهم من قوة أو خشية أن يفتضح أمرهم، فإن سقط القناع ضاعت معه مكتسبات الهيبة والوجاهة والسطوة.

أطلق أحمد شفيق رصاصة واحدة فقط من مسدس صوت، فأصابت في مقتل هذا الكائن العملاق صاحب الأيدي الباطشة والرأس الكبير، حتي كاد يهوي وحده علي الأرض من هول الصدمة وشدة تأثيرها.. هي مجرد “رصاصة فشنك” لكنها أحدثت هزة قوية في بنيان هذا الضخم الذي بدا يترنح يميناً ويساراً، وكأنه يقف علي قدمين نحيلتين جداً لا تحتملان بدانته ووزنه الزائد.

لم تستطع بعض أركان النظام الحاكم إحكام السيطرة علي صوابها فور إعلان شفيق عزمه الترشح للرئاسة، فبدا المشهد هيستيرياً يوحي بقوة المفاجأة التي أصابت هؤلاء بالكثير من الخوف والغيظ والارتباك.. كانت وجوههم غاضبة وأصواتهم صارخة وأصابعهم تشير إلي الوافد الجديد بلائحة اتهامات ضخمة، أخفها ثقلاً هي محاولته ضرب استقرار الدولة وخيانة دماء الشهداء والتحالف مع الإرهاب.

تبارت “الفاترينة” الإعلامية المحسوبة علي نظام “أد الدنيا” بإعلان ولائها المطلق لسيدها، فانطلق سباق المزايدات بينها دون اعتبار لحسابات العقل والمنطق.. أحدهم رمي “المنافس السابق للإخوان” بحجر “الأخونة”، وآخر حاول أن يربط بين توقيت ترشحه وبين مخطط إرهابي لإسقاط الدولة عبر تنفيذ سلسلة عمليات عنف، والبعض الآخر انحصر خطابه الأبله في استخدام مفردات رنانة ذات مدلول سلبي مثل “الهارب والخائن والمدلس”.

في ليلة وضحاها، تغيرت ألحان البطولة والتضحية التي تغنت باسم شفيق من قبل، لتعزف الفرقة ذاتها سيمفونية مغايرة تماماً جعلت من ابن المؤسسة العسكرية هذه المرة خائناً للوطن، كما جعلته في مرمي نيران “بهلوانات” مبارك بوصفه الابن البار للنظام البائد.. فآلة النفاق التي تعودت علي إنتاج خطاب “تأليه مبارك” تغير بوصلتها وفق المصالح، والمصالح الآن تستدعي إطاعة الساكن الجديد للقصر، حتي لو اضطروا جميعاً إلي التعري وهم يرقصون دفاعاً عن النظام الحالي.

لم يحرك إعلان ترشح شفيق المياه الآسنة فحسب، بل جرفها للأمام بقوة وأحدث بها دوامات عنيفة، وهو ما بات يستلزم من النظام السياسي إعادة الحسابات وإجراء تعديلات جوهرية علي الخطة المجهزة سلفاً، والتي كانت تضمن ولاية انتخابية ثانية مريحة للرئيس السيسي.. ومن واقع المستجدات يبدو أن المشهد الانتخابي تغير تماماً يا “برايز”، فأصبح لدينا الآن 3 اسماء بدلاً من اسم واحد.. الرئيس الحالي وأحمد شفيق وبينهما خالد علي.

كل المطروح حالياً حول ترشح “صديق المخلوع” مجرد تكهنات لا ترقى إلى مرتبة الحقيقة.. فلا أحد يعلم يقيناً ما يجري وراء الخطوط الخلفية، ولا دقة فيما يتردد حول سبب ترشحه؟ من يدعمه؟ هل يرتكن إلى قوي إقليمية ودولية؟ ما صدي هذا الترشح لدي النظام الحاكم؟ وهل سيتقبله علي مضض ويتعامل معه سياسياً، أم سيحاول دهس المنافس المزعوم بنفس الأساليب المعتادة من التشويه إلي التضييق والمنع والملاحقة؟.

المؤكد من المؤشرات أن جوقة الحاكم تلقت ضوءا أخضر لبدء المعركة ضد شفيق، وهي معركة فيما يبدو ستخلو تماماً من أي قواعد أخلاقية أو إنسانية أو سياسية.. فما عاد النظام الذي أخفق علي نحو غير مسبوق في كل الملفات، يملك منطق أو حجة قوية يدافع بها عن وجوده، وهو ما يزيد احتمالات لجوءه إلى “القوة الغاشمة” في محاولة للحفاظ على ورقة التوت الأخيرة.

هذه المرة لا تبدو الفريسة سهلة، ولن يفلح صيدها باستخدام نفس أسلحة “ذبح” خالد علي عقب إبداء نيته الترشح للرئاسة.. فالأخير حاولوا اغتياله سياسياً بالمدفعية الخفيفة فتم تلفيق صورة تظهره وكأنه “خمورجي وبتاع نسوان”، أما المنافس الجديد فهو بحساب كتلته التصويتية التي تجاوزت 12 مليوناً في انتخابات 2012، يلزم لهزيمته استخدام كل ما في خزائن النظام من صواريخ باليستية، بل وضربه بـ”السلاح النووي” لو تطلب الأمر ذلك.

أيقظ شفيق التنين من سباته بعد أن كان اطمأن وتوهم بأن الأرض صارت ملكاً فضاءً له، فبدا إزاء تلك المتغيرات أمام خيارين وحيدين.. إما أن يعود لرشده فيصحح الأوضاع عسانا نقبل توبته، أو تتملكه الغطرسة فينقض علي غريمه وينقث نيرانه في كل مكان، فينهار المعبد وتسقط أعمدته فوق الجميع، وأولهم هو.. وأخشى أنه لجأ بالفعل إلي الخيار الأخير، وبدأ معه العد التنازلي للحظة السقوط!