رؤوف بن عمر لـ”البديل”: لم أتوقع جائزة أفضل ممثل بمهرجان القاهرة

فوجئت بثقافة المصريين السينمائية.. وتفاعلهم مع «تونس الليل» أدهشني

الجهل هو الخطر.. وعلينا تأسيس جيل مثقف «وإلا هنروح في داهية»

«النهضة» استوعب درس الإخوان.. والشعب حسم موقفه من الإسلاميين

  طوال 40 عاما من التمثيل، كان الفنان التونسي الكبير رؤوف بن عمر، يبحث عن “مسيو يوسف”، بحسب قوله، وهي الشخصية التي لمح فيها أبناء جيله من المثقفين والفنانين والكتاب، وكل من دفع ثمن قوله للحق باهظا في ظل الرقابة والقمع خلال الثلاثين عاما الأخيرة قبل ثورة تونس.

وفي حواره لـ”البديل” قال رؤوف بن عمر، الفائز بجائزة أفضل ممثل بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ39 عن دوره في فيلم “تونس الليل”، إنه لم يكن يتوقع إطلاقا الفوز بالجائزة، بل وكان متخوفا من عرض الفيلم بمصر، ولكنه اكتشف وجود ثقافة سينمائية جيدة لدى المصريين.

 وإلى نص الحوار..

ـ “مسيو يوسف” أعادك للسينما بعد غياب سنوات.. ما الذي جذبك في الشخصية؟

دور هام في مسيرة أي فنان، وعميق جدا ومختلف تماما عن كل الأدوار التي لعبتها في حياتي على مدار 40 عاما من التمثيل، وافقت على الشخصية منذ القراءة الأولى للسيناريو وهذا عكس طبيعتي التي تقرأ أكثر من مرة وتناقش الدور وتطلب تعديلات، ولكن أعجبتني قصة الفيلم جدا، وزاد اطمئناني فريق العمل سواء الشخصيات الثلاث الرئيسية المكونة لعائلة يوسف أو الأدوار الثانوية، ونجح إلياس بكار في اختيارها بعناية.

ـ هل توقعت جائزة أفضل ممثل بمهرجان القاهرة.. وكيف كانت ردود فعل الجمهور المصري تجاه الفيلم؟

إطلاقا، بل كنت متخوفا من عرض الفيلم بمصر، ولكن كل الأسئلة في الندوة التي لحقت بعرض الفيلم تعكس أن المصريين لديهم ثقافة سينمائية جيدة، تحدثوا عن تفاصيل تقنية وفنية أدهشتني، حتى النقد لم يكن سلبيا أو لاذعا، عكس تونس.. هناك أكلوني بأسئلتهم ونقاشهم الحاد.

ـ ظهرت عائلة يوسف كعائلة حقيقية.. فكيف نجح المخرج في إدارة الممثلين لهذا الحد؟

نتميز في تونس بروح فريق العمل، هناك تحضير طويل قبل التصوير للفيلم مثل تلك الجلسات التي نلجأ لها في المسرح، جميع الممثلين يتناقشون على طاولة واحدة في الأدوار وكل منهم يضيف للآخر فكرة، ومن ثم يحدث التناغم بين الممثلين قبل التصوير، فضلا عن طريقة إلياس في موقع التصوير، فهو ليس مخرجا ديكتاتوريا بل يتناقش ويعطي مساحة لكل ممثل لإخراج أفضل ما لديه، ويتدخل فقط وقت الضرورة من خلال إبداء اقتراح والنقاش حوله مع الممثل.

ـ “يوسف” شخصية مركبة صامتة معظم الوقت ولكن قادرة على توصيل الإحساس بتعبيرات الوجه.. ما تعليقك؟

الاحتراف وتراكم التجارب والعمل المسرحي قيمة كبيرة لأي ممثل، تعلمت كثيرا من كل المدارس الفنية، كان يلهمني من أمريكا جيمس دين، ومارتن بروندو، ومن مصر حسين رياض، وعماد حمدي، وأحمد مظهر، وشكري سرحان، ومن تونس أستاذنا عبد العزيز علي، حين كنت صغيرا فتنت بالمسرح الذي أزوره مع أبي، لاشك أنه أثر في شخصيتي جدا، وعندما كبرت درست مع أبناء جيلي من الفنانين محمد إدريس، محمد بن فرحات، توفيق الجبالي، بفرنسا وإيطاليا والتشيك، وعدنا جميعا في سنة واحدة وتبادلنا الخبرات، فأصبحنا نحضر للعمل المسرحي في 6 أشهر بدلا من أسبوعين، وهذا التراكم في المسرح والتليفزيون والسينما أسهم في خلق شخصية “مسيو يوسف” والوصول لهذا المستوى من الأداء.

ـ بين الاجتماعي والسياسي.. كيف يمكن قراءة الفيلم؟

يجب التأكيد على أن الفيلم لا يحكي عن ثورة تونس، بل يرصد كل التغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها تونس قبل الثورة، ويحدث أن يتزامن دراميا حرق البوعزيزى مع آخر حلقة من البرنامج الإذاعي “تونس الليل” الذي يقدمه يوسف، وشخصية يوسف هنا ترمز لجيل كامل من المثقفين والمبدعين سواء كتابا أو شعراء أو رسامين أو فنانين وكل من قال كلمة حق في وجه الظلم رغم الرقابة والتضييق وقمع الحريات، وهو ما كلف البعض الاضطهاد والتهميش.. يوسف هو جيل كامل يعكس ألم المثقف التونسي وطموحاته وآماله وإحباطاته، وإقصائه.. عندما قرأت الشخصية، لمحت فيها هذا الجيل يمر أمام عيني، أردت تقديمها على الشاشة لتكون فرصة وتحية لكل من عرفتهم من أبناء هذا الجيل وأناروا عقلي وغذوني ثقافيا، ودفعوا الثمن باهظا من حرياتهم وحياتهم، واعترافا بالجميل لكل من تعرض للقمع وتكميم الأفواه من أجل كلمة حق وأدى واجبه تجاه تونس.

ـ عائلة “يوسف” تعاني التشرذم.. ما أسباب وصول المجتمع التونسي لهذا الحال؟

هذه العائلة هي انعكاس لحالة المجتمع التونسي قبل الثورة، عندما ضاعت القيم والمبادئ، كل فرد شت في طريق، الابنة مغنية متحررة ترفض كل العادات والتقاليد وتشرب كوكايين، والابن انضم للتيار الإسلامي، والزوجة تحجبت، وها هو يوسف المثقف المأزوم سكير أيضا، ولكن رغم كل هذا التشتت والتفكك مفروض علينا أن نعيش معا تحت سقف هذا البيت أو البلد، وهذه هي رسالة الفيلم.

ـ ما الذي دفع “أمين” الابن للتشدد الديني؟

ليس هناك تطرف في تونس، وبالمناسبة “أمين” لم يكن متشددا، بل كان وسطيا بدليل أنه رفض استقطابه من جانب إحدى الجماعات الإرهابية، هو فقط كان ينصح أخته لتكون أفضل، وكان ملتزما بالصلاة والصوم.. في السابق لم يكن ممكنا لمن درس في مدارس وجامعات تونس أن يصبح إرهابيا متطرفا، ولكن في السنوات الأخيرة حدث غسيل عقول لكثير من الشباب التونسي دفعهم للذهاب لسوريا وغيرها بسبب الجهل، الذي حدث نتيجة تدهور التعليم والثقافة على مدار 30 عاما، إذ لم يعد هناك من يقرأ، كان التجريف السياسي والثقافي هو سيد الموقف، ومن ثم عانى الشباب الضياع وغياب الوعي وتمت السيطرة على عقولهم تحت شعارات مزيفة بعيدة تماما عن الدين السمح.. التعليم هو البداية، والاهتمام به اليوم واجب حتى نرى جيلا في المستقبل يقرأ لطه حسين، لو لم نؤسس جيلا مسلحا ثقافيا هنروح في داهية! 

ـ هل لهذا السبب أعطت السيدة العجوز “يوسف” ورقة كتبت بها كلمة الجهل، بعد قمعه وقطع البث عن برنامجه؟

صحيح. الخطر الذي يهدد الوطن العربي بأكمله هو الجهل، فالجهل هو الذي أحضر الإرهاب والخراب، لذا فدورنا كبير كمثقفين ومبدعين أن ندرك حجم المسؤولية الكبيرة الملقاة على أكتافنا، وأن نسعى لتقديم أفلام عميقة تناقش الواقع العربي المأزوم وتفتح نقاشا حقيقيا حول مشكلاته من أجل إنارة العقول والقلوب.

ـ هل أحدثت الثورة تغييرا للوضع الذي عانى منه “يوسف” وتمثل في قطع بث برنامجه؟

 لا، ولن يحدث الآن هذا التغيير سواء في تونس أو مصر ولا الأوطان العربية، لأن بعد كل ثورة هناك فترة من الفوضى، مثلما حدث بالثورة الفرنسية التي استقرت بعد 50 عاما، ونحن في تونس ضيعنا 10 سنوات وليس 7 وتأخرنا، لا شك أن هناك مساحة أكبر من حرية التعبير ولكن تم استغلالها بشكل سلبي.. بعد الثورة يمكن أن تقول كل ما تريد، ولكن إذا لم تمتلك الزاد الثقافي والوعي الكافي والالتزام، تحولت حرية التعبير إلى لعبة للفوضى مثلا، وتقتصر فقط على شتم فلان وفلان فقط، بدلا من استغلالها في وضع الحلول للإصلاح، وهذا الذي جعل الأمور تتأخر كثيرا.

ـ ما الفرق في مسار الثورة بين مصر وتونس في ظل بقاء حزب النهضة في الحكم بعكس الإخوان؟

إخوان تونس أخذوا درسا جيدا من إخوان مصر، إخوان تونس اعتقدوا أن الشعب يريد تطبيق الشريعة الإسلامية، والعودة لقرون ماضية، كان لديهم وهم أن الشعب سيتبعهم بالملايين، ولكن المجتمع المدني وخاصة المرأة التونسية تصدت بقوة لهم في البرلمان والشارع والجمعيات الأهلية والجامعات، وأدرك حزب النهضة أن الوضع مختلف في تونس فتراجعوا، هم يفرقون الآن بين وجودهم الدعوي والسياسي، سواء كانوا صادقين أو غير صادقين، فهذا أمر يخصهم.

ـ هل يعني ذلك أن الشعب التونسي حسم موقفه من التيارات الإسلامية؟

بالطبع، على أرض الواقع هناك حقيقة واحدة هي أن الشعب التونسي يستحيل أن يذهب مع الإسلاميين إذا كانوا لا يريدون تعديل أفكارهم حتى يكونوا في السياق التونسي الوسطى، فأي شيء وسطي مقبول، أنت إسلامي افعل ما تريد ولكن لا تحكم على غيرك، وهذا هو صلب الدين الحقيقي.

ـ هل أثرت الثورة على السينما التونسية؟

نعم وبشكل إيجابي، أصبح هناك وعي بدور السينما، بعد الثورة شهدت وزارة الثقافة تغييرا وزاريا سنويا، وكانوا جميعا شبابا مدركين لأهمية الفن والإبداع، لذا كان الاختلاف واضحا جدا، فقبل 50 عاما من الثورة كانت تونس تنتج فيلمين فقط وأحيانا قليلة 4، أما الآن وصل إنتاجنا لأكثر من20 فيلما طويلا و40 فيلما قصيرا، لا ننكر أن الميزانية انخفضت ولكن عوضها تطور التكنولوجيا والتقنيات السينمائية الحديثة، ومن ثم سار المال المتاح رغم انخفاضه كافيا لإنتاج عمل جديد، وبعد الثورة شاهدت كثيرا من أفلام قصيرة لشباب المخرجين، وهم جيل واعد، يجعلني مطمئنا على مستقبل السينما التونسية.

ـ من من المخرجين المصريين شغفت بهم؟

يوسف شاهين، وشادي عبد السلام.. المومياء، شريط سينمائي واحد لهذا الرجل ولكن يحمل الكثير من الأفكار السينمائية شديدة الحداثة، فالفنان هو حصيلة هذه الخبرات المتراكمة والاطلاع المستمر على الأعمال الجادة والمتميزة، وأن يظل في منافسة دائمة مع نفسه من أجل أعلى مستوى موجود من الأداء، وحتى لو لم يصل فعليه أن يبقى في مستوى محترم.