ديسمبر ومتتالية الفقد والميلاد

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

ديسمبر، شهر البرد والنهايات الدرامية. عام ينتهي وآخر يبعث برياح قدومه، ذكريات تحملها قطرات المطر من السماء المخضّبة بدماء الوقت، الوقت الذي قتله الذهاب والإياب بين القصص المتعاقبة. ذهب الاحبّة إلى حيث ذهبوا، وذهبت معهم آلاف الحكايات والمُلابسات، ذهبت اللحظات الدافئة بذهاب صانعيها واحد تلو الآخر. ديسمبر، شهر الوِحدة… أو شهر تعلُّم الوحدة.

قبل أكثر من مائة عام من وفاة العم “نجم” وفي الشهر ذاته، وفي مثل هذا اليوم تحديدًا، كان يجلس نجيب باشا محفوظ -أحد أهم علامات الطب في التاريخ المصري- إلى جوار سيدة مصرية في حالة ولادة متعثّرة في منزل متوسط بميدان بيت القاضي بالجمالية، وقد تحرك الرجل لينقذ ما يمكن إنقاذه من أم في حالة حرجة وطفل ضعيف تفوق احتمالية فقدانه فرصه في النجاة، ولكنه نجا وخلّد اسم الطبيب الذي لم يتردد والده في إطلاقه عليه عرفانًا بالجميل… فأصبح لدينا نجيب ميخائيل محفوظ صاحب أهم متحف طبّي في مصر وأحد الآباء المؤسسين لطب النساء والولادة ورائد هذا التخصص في الشرق الأوسط بلا منازع، ونجيب محفوظ عبد العزيز الأديب المصري الحاصل على جائزة نوبل وخير من رسم شخصيّات أدبية وصنع أحداث خياليّة -وأكثر واقعية من الواقع ذاته- في تاريخ الرواية العربية وأحد أهم من أمسكوا بالقلم في تاريخ البشرية.

في الشهر الذي أكمل فيه نجيب محفوظ المئة عام، كان العم أحمد فؤاد نجم مستندًا إلى ذراعيّ شابّين متجولًا في ميدان التحرير على مقربة من منطقة الاشتباكات خلال أحداث مجلس الوزراء، كعادته كان بين الناس -الشباب تحديدًا- وبروح خفيفة تهيم على وجه العالم الذي نقطنه كان ينشر كلمات التحية والتشجيع والمرح بين قاطني الميدان، أبناء حلمه وأحفاده الذين حيّاهم باكيًا في أحد اللقاءات الأخيرة له في التلفزيون قائلًا: “هتفضلوا عايشين في قلب مصر، اوعوا تفتكروا إنّكم هتخرجوا من قلبها”… وفي الشهر ذاته بعد عامين، استيقظنا على مزحته الأخيرة، فقد غادرنا نجم دونما مقدّمة أو تنبيه في الثالث من ديسمبر عام 2013 وتم تشييع جثمانه الخفيف العاشق محمولًا بأيادي الكتّاب والفنانين والمارّة في مسيرة شعبية تشبه إلى حدٍ كبير جدًا مسيرات الطرق الصوفية في مولد السيد البدوي وعاشوراء ونفيسة العلم، أولياء الله الصالحين الذين كان نجم من محاسيبهم. شيّعه أحباءه من أبناء الشارع دون أي تنسيق وقد كان من وقت للآخر خلال المسيرة يظهر من يسأل عن المتوفي وبمجرد أن يعلم أنه “أحمد فؤاد نجم” كان يهرول آتيًا قائلًا “آجرني ياخويا” ليحمل الجثمان الذي ظل يتنقل بين أيادي المصريين حتى واراه الثرى.

قبل أن يشاركنا في الحكي والتدوين في الذكرى الرابعة لرحلة نجم للجانب الآخر، غادر إلى ذات الجانب الأديب الجميل وشيخ حارة وسط البلد البديع “مكّاوي سعيد”، الرجل الذي كان يمتلك قلمًا غاية في الرقة والعذوبة والقدرة على الوصف والسرد السلس، الرجل الهادئ الذي يمكنك أن تميّزه ببساطة بينما تمر على مقهى زهرة البستان بوسط البلد، ستجده مبتسمًا يصافح المارة الذين ليسوا سوى أصدقاء له من كافة الفئات والاتجاهات، رحل الرجل الباسم الرقيق وأدركنا في الثاني من ديسمبر 2017 كم كنّا نشعر بالأمان والصفاء لمجرد مصافحة هذا الرجل بينما يجلس بالمقهى أو يمر بشارع هدى شعراوي أو البستان أو صبري أبو علم لنقول لأنفسنا “مرحبًا بك في وسط القاهرة”، ليتضاعف برد ديسمبر هذا العام أكثر فأكثر.