المنشد زين محمود لـ«البديل»: بدأت أولى حفلاتي في فرنسا بتلاوة القرآن

 تدهور التراث الشعبي المصري مسؤوليتنا في المقام الأول

أنشأت «كورال صوفي» من الفرنسيين وأقمت بهم حفلات كبيرة

التراث المصري الشعبي يتغلب على أي آلة غربية

حمل على عاتقه حلما لمدة تزيد على العشرين عاما تنقل فيها بين محافظات مصر المختلفة, حتى تمكن منه اليأس وقرر أن يترك البلاد, وتوجه إلى الغرب لتنفيذ مشروعه, وبعد نجاحه في مدينة مارسيليا الفرنسية واتساع شهرته, لم ينسَ الشيخ زين محمود، مهمته الأساسية وهي الحفاظ على التراث الشعبي المصري ومحاولة إحيائه مرة أخرى في بلده الأساسي فعاد إلى مصر بعد أن قضى في الخارج 10 سنوات.

وفي  إحدى حواري السيدة زينب العتيقة، وفي ريحها العطر تقع أكاديميته التي لطالما حلم بها, لقد حرص على اختيار المكان المناسب لتعليم تلاميذه فنون الإنشاد, والسيرة الهلالية وأغاني الفلكلور الشعبي, فبدأ تحقيق حلمه من أحد أقدم الأحياء المصرية للحفاظ على التاريخ, وفي حواره مع “البديل” كشف تفاصيل رحلة العمر.

وإلى نص الحوار..

ـ كيف كانت بدايتك في طريق الإنشاد؟

البداية كانت في المعهد الديني الأزهري في بني مزار بالمنيا حتى مرحلة الإعدادية، وتركت الدراسة لأن حياتي كانت مختلفة بعض الشيء, ولا يوجد وقت للدراسة لأني كنت منشغلا بالتصوف والقرآن, وكان جدي لوالدي محفظا للقرآن, وجدي لأمي كان شيخ طريقة, فصعب علي استكمال الدراسة لأني طوال الليل في حلقات الذكر, وفي المدرسة نائم, وعندما وصلت لسن الثالثة عشر توفي أخي الأكبر وكان مداحا, فخلفت مكانه ومنذ ذلك الوقت في الموالد وحلقات الذكر, حتى بلغت الـ24 من عمري, ومن ثم انتقلت لمرحلة أخرى, فقد كان لدي حلم بإحياء التراث الشعبي المصري.

ـ ما الفرق بين الفن الشعبي والمديح؟

المديح هو تضرع من المنشد لله عز وجل، أما الفن الشعب فمنه السيرة ومربعات ابن عروس المليئة بالحكم والمواعظ والنصائح, وهناك مواويل كموال الأم مثلا، ويقال بطريقة مؤثرة قد تدفع الابن العاق لوالديه لمراجعة نفسه تأثرا بالموال.

ـ وما ملامح مشروعك الذي أردت البدء به في سن الرابعة والعشرين؟

كان لدي أمل في إحداث نقلة ما بين الإنشاد والسيرة الهلالية فكنت أسمع عام 1975 في إذاعة الشعب الفنان جابر أبو حسين، مع الشاعر عبد الرحمن الأبنودي, وكنت أستمع للسيرة التي كان يسمعها كبار السن فقط, لأنها حواديت بطريقة صعيدية, لكن السيرة كنز لمن يعرفه لما تحتويه من نصائح وكان لدي حلم بغنائها, ومن هنا قررت الخروج من المنيا لتحقيق حلمي وجئت إلى القاهرة, خاصة أن الناس في المنيا كان يمكن أن تهاجمني كون الشيخ زين قارئ القرآن والمنشد اتجه إلى الغناء, مع أني لا أغني بطريقة مستفزة لمشاعر الناس, وعندما رآني أهل قريتي في التلفزيون أعجبوا بي, تعلمت في البداية الموال القصصي على يد المطرب محمد طه وبعض المغنيين في شارع محمد علي, وسافرت للأقصر للتعرف على سيد الضوي، رحمه الله.

ـ ولماذا كنت تتنقل بهذه الصورة بين المحافظات؟

كنت أريد أن يستمر هذا الفن, وبعد وفاة سيد الضوي الذي تعلمت على يده السيرة, أخذت على عاتقي تعليم أجيال جديدة لكي لا يختفي هذا الفن, ولكني واجهت صعوبات في تمويل المشروع, واستمرت المحاولات حتى جاء عام 2007 وسافرت إلى فرنسا, وعقدت النية على البدء من هناك.

ـ ولماذا اخترت فرنسا تحديداً لتحقق حلمك بها؟

قبل أن أستقر هناك ذهبت عدة مرات وأقمت حفلات أكثر من مرة, وعندي جمهور, بالإضافة إلى أن المكان متاح به كل شيء من ستوديو رخيص الثمن, والرخصة خرجت للنور في يوم واحد, ومريدو العلم كانوا كثيرين, ففي البداية أتى إلى الاستوديو 24 تلميذا, بجانب الفرق التي جاءت من أجل تعلم الوقوف على المسرح, استمر الوقت وأنشأت فرقة «زمان فابريك» مكونة من 4 موسيقيين فرنسيين, وخلال السنوات العشر التي عشتها في مدينة مارسيليا وجدت أن الوضع تدهور في مصر, وظهرت أشياء غريبة أطلقوا عليها المهرجانات، والغريب أن الشباب تجاوبوا معها وأصبحت بديلا للفن الشعبي المصري.

ـ ما أسباب تدهور الوضع برأيك؟

لأن من يهتمون بالفن الشعبي كأمثالي هجّوا وسابوا الساحة لأنهم لم يتمكنوا من تنفيذ ما يريدونه في بلادهم, فأصبحت الأجواء خالية لصناع الإسفاف، فالعيب علينا نحن في الأساس أننا تركنا الساحة لهؤلاء, ولكن هناك تقصيرا من جانب وزارة الثقافة لأن الفن الشعبي لم يأخذ حقه, ففي السابق كان المطرب الشعبي مثل محمد طه وسيد الضوي، يجوبون كل أماكن القاهرة في رمضان لإحياء لياليه, وكان الغناء الشعبي مثل الفوانيس من مظاهر رمضان، ثم بدأ المنحنى في الانهيار في خلال 4 سنوات من 1990 إلى 1994، ولو كان المسؤولون قد أدركوا قيمة الفن الشعبي لكانوا فعلوا الحفلات الرمضانية مرة أخرى. المطربون الشعبيون لا يعملون الآن, ووصل الأمر بهم أنهم لا يستطيعون توفير احتياجات بيوتهم, في الوقت الذي يملكون كنوزا في حناجرهم وعقولهم.

ـ إذًا وما الحل؟

أنا بدأت بنفسي وقدمت ألبوم «زمان فابريك» خاصة بعد اتجاه الشباب للموسيقى الغربية, ولم أطرحه للبيع, وتركته لمن يريد أن يطلع عليه من خلال موقع «يوتيوب», ودمجت بين الموسيقى الغربية والأغاني الشعبية.

ـ وهل يصحّ دمجهما وهل هو ممكن؟

التراث المصري يغلب أي موسيقى, المديح والفلكلور و«الميوزك وال» يتغلبون على أي آلة, لكن السيرة لا يجوز معها الإيقاعات المختلفة, لأنها حدوتة وتريد من يسمعها منتبها فيتم عزفها على الربابة والكَولة فقط.

ـ والآن هل أصبحت مقيما في القاهرة وهل تعلم الإنشاد فقط؟

نعم منذ 3 سنوات, أصبحت أذهب إلى فرنسا التي أحمل جنسيتها كزائر, وأيقنت أن الفن المصري مكانه هنا ورسالة لابد من تقديمها, فأنشأت الأكاديمية, تقام بها ورش, ويتردد عليها الآن أجيال مختلفة، وأدخلت بجانب ورش الإنشاد صناعة «الهاند ميد» وتعليم الخط العربي والنحت, وفي الفترة القادمة سيتم إضافة ورش لتعليم حرف المعمار المختلفة.

ـ على من تقع مسؤولية الحفاظ على التراث الشعبي؟

من المفترض أن هناك رقابة تحافظ على الهوية والتراث الشعبي المصري, وإذا تم الانحراف عن مسار الهوية المصرية في أغانيها بالشكل الذي وجدت عليه يكون هناك رد فعل, على سبيل المثال أغنية «بتناديني تاني ليه» اتبهدلت ولم تجد من يتصدى للانحراف الذي حدث لها.

ـ هل كان كل تلاميذك في فرنسا من العرب؟

عندما كنت في فرنسا كان يأتي إلى الحفلات والورش جمهور 75% منه عربي و25% فرنسيون, لأن مدينة مارسيليا التي أعيش بها أكثر سكانها من الجزائريين والمصريين والمغاربة, التلاميذ كانوا فرنسيين, كونت منهم فرقة أطلقت عليها اسم «كورال صوفي» وأتقنوا اللغة العربية, ومنهم واحدة كانت متيمة بأم كلثوم فأقمنا حفلة لها على أكبر المسارح هناك.

ـ لماذا يتربص بعض المتطرفيين بالصوفيين؟

العين تكره الناجح, والصوفيون ليسوا من مفتعلي المشاكل, المتصوف هو عارف بالله بطريقة صحيحة, ويعي أن الله قال للنبي إنك لا تهدي من أحببت, والله يهدي من يشاء, لذلك يترك الناس إلى أن يهديهم الله, فالصوفيون مع الله فقط, وينتظرون التائب يأتي إلى حلقاتهم فقط, ولا ينصبوا أنفسهم مراقبين ومحاسبين للناس, والدعوة التي يطلقها الصوفيون هي الأذان فقط, والله يهدي إليه من يصطفيه, والدعاء بين العبد وربه لشخص آخر أفضل دعوة إلى الدين, واللين أفضل شيء في الدعوة إلى الله.

ـ لماذا تبدأ حفلاتك بتلاوة القرآن ولماذا تعلمت الترانيم؟

في أول حفلة بفرنسا, كنت مترددا أبدأ بأي مقطوعة, وصعدت على المسرح وبدأت في قراءة القرآن، وبعدها دخلت الفرقة بنشيد «طلع البدر علينا» وبعد الحفلة تلقيت أسئلة ورسائل كثيرة عن القرآن الكريم ومن هذه الرسائل عدد كبير من الجمهور أعرب عن راحة القلب لذلك, ومن هنا أصبحت عادة لا تفارقني، وتعلمت الترانيم لأوجه رسالة للجميع أن البشر واحد, وأن المسلم يؤمن بالتعدد, وأن الحساب لله وحده.