المخرج إلياس بكار لـ«البديل»: «تونس الليل» يعكس أزمات المجتمع

الفيلم يجسد غربة المثقف التونسي وليل القمع وغياب الحريات
الفقر والجهل والقمع السياسي.. أبرز أسباب ظهور التشدد في تونس
عملنا على قبول الاختلاف والانحياز للمبادي الإنسانية دون عنف
رغم اختلاف مساحات التعبير.. المثقف التونسي يعيش أزمة ما قبل الثورة
مشوار الثورة طويل.. والتجاذبات السياسية أبرز العقبات
أعكف على مشروع سينمائي جديد تدور أحداثه في مصر

زار الأوبرا منذ عشر سنوات، ولم يتوقع العودة إليها ودخولها من الباب الكبير، ليكون “تونس الليل”، الفيلم العربي الوحيد الذي شارك في المسابقة الرسمية بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 39، بل تذهب جائزة أفضل ممثل للتونسي رؤوف بن عمر، واليوم، الفيلم يستمر في رحلته للمشاركة بعدة مهرجانات دولية.

إنه المخرج التونسي إلياس بكار، الذي أكد أن فيلمه لا يحكي عن ثورة تونس، لكن يعبر عن أوجاع وهموم المثقف، في ظل مناخ القمع وتقييد الحريات خلال الـ30 عاما الأخيرة، ويرصد أوضاع وطن سيطرت عليه ظلمة الأفكار المتشددة والغربة بين أفراده، التقت به “البديل” للتحدث عن السياسة والسينما، وإلى نص الحوار.

10 سنوات من الغياب بعد فيلمك الروائي الأول “هو وهي”.. حتى ظهر “تونس الليل”؟

تخلل الفيلمان زيارة لأكثر من 24 دولة، أنجزت فيها العديد من الأفلام الوثائقية منها “باكستان”، و”حائط مبكى”، و”30 يوم”، بعد ثورة 30 يونيو بمصر، و”كلمة حمراء”، و”أنا فين”، كانت فترة مهمة في حياتي، اكتسبت فيها خبرات كبيرة، والتقيت بثقافات مختلفة وأفكار متنوعة.

الفيلم لا يعبر عن تونس فقط بل يرصد هموم الوطن العربي خلال السنوات الأخيرة قبل الثورة؟

الفيلم ليس سياسيا ولا يحكي عن ثورة تونس، لكن السياسة فرضت نفسها بالضرورة، “تونس الليل”، فيلم اجتماعي يعكس أزمات المجتمع التونسي في ظلال سياسة ما قبل الثورة، من خلال قصة عائلة تونسية تعاني التشتت وتفتقد للحوار والتواصل بين أفرادها، الصمت يسود في البيت معظم الوقت، تعاني من مشكلات كبيرة، الفيلم يرصد الحراك الاجتماعي والصعوبات التي عانى منها الفرد والأسرة والمجتمع التونسي بصفة عامة قبل الثورة، يُمكن أن تتشابه هذه العائلة مع عائلات وقصص عدة فى دول عربية.

الفيلم يركز على أزمة المثقف التونسي، التي جسدها رؤوف بن عمر في شخصية يوسف المذيع، الذي مرت عليه تقلبات سياسية واجتماعية عبر 3 أجيال من الاحتلال، وصولا إلى ثورة تونس، المثقف ومعاناته من التهميش والرقابة والتقييد، والشعور بالغربة في الوطن، ويمكن أن نجد تقاربات نوعا ما في بلاد مجاورة، بالإضافة إلى قضية التفكك الأسري الذي أصبح موجودا في كل البلدان العربية.

صرحت بأنك لا تميل لاستخدام الرمزية.. لكن “تونس الليل” يرمز إلى ظلمة تونس خلال هذه الحقبة؟

صحيح جدا، هناك أكثر من قراءة لاسم الفيلم؛ أولها البرنامج الإذاعي الذي يقدمه “يوسف”، وليل تونس هنا يأتي بمعنى الغربة والوحدة لكل فرد في العائلة وبحثه عن الحب والتواصل المفقود، قصدت أيضا ليل البلد، تناقض وخطورة الليل، والليل الداخلي النفسي السريالي الذهني للشخصيات، ليل اللاوعي، غربة المثقف التونسي وليل القمع وغياب الحريات التي كانت تعاني منه تونس خلال السنوات الأخيرة قبل الثورة، ليل التشدد وظلمة الأفكار السوداء، وهناك معنى آخر، من خلال مشهد سيدة عجوز ترفع “ورقة الجهل”، كدلالة أخرى لليل تونس هنا المقيد بالجهل والتطرف.

لاحظنا إدارة الممثلين وتسكينهم في أدوارهم بعناية.. السيدة العجوز ورجل البار وسائق التاكسي؟

كان يخضع لاستراتيجية واضحة، حيث نالت الأدوار الثانوية نفس الاهتمام في الكتابة والإعداد والبروفات مثل الشخصيات الرئيسية، فكانت بمثابة الأساس supporting actالذي يدعم الرباعي التمثيلي لعائلة “يوسف، والأم والابنة والابن”، لذا كان ينبغي أن يكون الأساس قويا.

عائلة يوسف تعيش تحت سقف واحد لكنهم في حالة تفكك واضحة.. ما الذي جعل المجتمع التونسى يصل لهذه الحالة؟

يعود إلى التضارب في الأفكار، وعدم قبول الآخر، وفقدان مبادئ وأدوات التواصل من الأساس، وغياب قواعد الحوار، فنجد الأخ والأخت “عزيزة وأمين” لا يستطيعون الحديث سويا دقيقتين، وهذه أزمة عدم تربية وغياب المعرفة وليس الأخلاق، فلا يتم تنشئة الطفل على إدارة حوار حقيقي ونقاش فعال مع المعلم، وهكذا في البيت وفي كل مكان، وبالتالي غابت أي أرضية مشتركة تجمع بين أشخاص مختلفة في الأفكار.

ألا ترى أن سيطرة الأنظمة الديكتاتورية على حكم الشعوب العربية خلفت هذا التفكير الأحادي؟

بكل تأكيد، نحن نسمع دائما كلمات “اسكت، عيب، خلاص بقى، معندكش المؤهلات لتقول رأيك، رأيك مرفوض”، وكل هذا لا يحدث في المجتمعات المتقدمة بكل صراحة، بل لديهم احترام للرأي الآخر، والاستماع لبعضنا بعضا، وآداب الحوار والتواصل، لذا المجتمعات العربية تعيش جميعها في ظل أزمة مبادئ، أهدافها غير مشتركة، أزماتها الاجتماعية والسياسية تتفاقم يوما بعد الآخر.

المجتمع المصري لديه تاريخ عميق مع التيارات الإسلامية المتشددة أما تونس فالوضع كان مختلفا.. ماذا حدث لنجد شخصية الابن المتشدد “أمين” الذي يرفض حرية اخته وغنائها؟

لم تشهد تونس تطرفا بهذه الكيفية التي ظهرت خلال الخمس سنوات الأخيرة بعد الثورة؛ لأسباب كثيرة مثل الفقر والجهل وغياب الوعي، والقمع السياسي وغسيل أدمغة الشباب، وكانت استراتيجية مبرمًجة واضحة ومسلطة على المجتمع ليذهب “في 60 داهية”، لكن أدركنا أن التيارات المتشددة لن تتمكن من الاستمرار في أهدافها ومساعيها الظلامية حتى لو نجحت في كل البلاد فالأمر مختلف بتونس؛ لأن تاريخنا مبني على التسامح واحترام الآخر والعلم والنور والمعرفة، تاريخنا إنساني ليس دمويا أو ظلاميا، لذا حاولت كثيرا التيارات المتشددة تغيير ذلك وفشلت، وبعض الشباب انساق نوعا ما معها حتى انكشف وجهها القبيح، وحسم الشعب التونسي موقفه تجاه التيارات الإسلامية التى لم يعد لها مكان، إلا إذا قبلوا العيش ضمن المجتمع التونسي، بشكل مشترك يسعى فيه الجميع للبناء والتقدم، في ضوء احترام اختلاف الآخر وعدم تجاوز الخطوط الحمراء.

نعود لدور”أمين”.. ابتعدت عن كليشيهات تقديم شخصية المتطرف التى تتناولها السينما دائما؟

لأن أمين لم يكن متشددا في الأصل، بل كان ملتزم دينيا، يُصلي ويصوم ويحترم دينه ولديه روحانيات خاصة، وهذا جيد جدا ومطلوب، فكان شخصا حليما، ينصح اخته بدافع الحب وليس بدافع التشدد، وكان الشخصية الإيجابية التي تبحث عن لم شمل العائلة، بل يرفض بوضوح في الفيلم الاستقطاب من جانب الجماعات الإرهابية، فهو ليس أداة للتخريب، وهناك فرق كبير بين شخص متدين وآخر إرهابي، حتى دور الأم التي جسدتها الفنانة آمال هذيلي، هي محجبة، لكن تدعو صديقاتها إلى حفلة سمر وغناء ورقص في بيتها، وهو ما يريده الفيلم التأكيد على الاختلاف والتنوع في المجتمع التونسي.

لكن لم نشاهد هذا التوافق بوضوح في نهاية الفيلم؟

صحيح، أنا لم أقرب كل العائلة من بعض في النهاية، لكن عملنا على لم الشمل وقبول الاختلاف وعدم تسلط من فئة على أخرى، وأن ينحاز الجميع للمبادئ الإنسانية فقط دون وصاية وعنف.

كيف أقنعت الفنان رؤوف بن عمر بالعودة إلى السينما بعد غياب طويل؟

رؤوف صديقي وجاري، وأشهر ممثل في تونس، شاهدته في الدور بعقلي، قبل الانتهاء من الكتابة على الورق، أردت شخصية تجسد يوسف تكون أنيقة، تمثل هذا المذيع من الجيل المتميز الذى يعرف يلبس ويحكي وعنده أناقة في كل شىء، وهذا مفقود نوعا ما الآن، أعطيته السيناريو وفوجئت برده أنه موافق وأنه دور حياته، وهكذا مع عودة الفنانة آمال هديلي بعد اعتزالها الفن وحجابها، أعجبتها الشخصية وقررت مشاركتنا التجربة وكان أدائها أسطوريا أيضا، ونفس الشىء مع أميرة شبلي وحلمى دريدي، جميعهم بذلوا مجهودا كبيرا في الفيلم.

الفيلم إنتاج مشترك مع محمد علي بن حمره.. هل مازالت أزمة الإنتاج تواجه السينما التونسية بعد الثورة؟

مازلنا نعاني من ضعف الإنتاج، بل انخفضت ميزانية وزارة الثقافة بعد الثورة، لكن يجب أن نرى أزمة الإنتاج السينمائي بواقعية في إطار أزمة اقتصادية تعاني منها البلد بالكامل، ورغم ذلك مازال لدى صناع السينما “صندوق الدعم”، الأمر الذي يُحسب لتونس في ظل أزمة وحالة اقتصادية صعبة، حيث يمول إنتاج الأفلام القصيرة والطويلة، لكن أزمة إنتاج السينما لن تُحل بمفردها بل تحتاج إلى الإنتاج المشترك مع فرنسا والنرويج وإسبانيا ومصر والإمارات، وأنا متفائل جدا بمستقبل السينما التونسية، في ظل آلاف من شباب المخرجين صاعدين بأفلامهم القصيرة المختلفة.

ذكرت أن الفيلم ليس عن ثورة الياسمين لكن قررت أن يتزامن حادث حرق بوعزيزي مع آخر حلقة يقدمها يوسف لبرنامج “تونس الليل”.. لماذا؟

التزامن كان موظفا دراميا واختيارا في الإسكريبت منذ البداية، لنرصد فيه أن المناخ المغلق المشحون الذي عاشته البلاد ورصده الفيلم في جيل “مسيو يوسف” وهموم عائلته، يؤدي بالضرورة إلى حرق شاب لنفسه في النهاية، فهو تزامن أزمة البلد مع أزمة عائلة يوسف، حيث تنسد كل شرايين التواصل بين أفراد العائلة لتقرر ابنته الانتحار، فكلا الحدثين مرآة الأخرى، ورصدت أيضا حالة القمع والرقابة على الإعلامي يوسف وقطع البث عن برنامجه عندما قرر الحديث عن الشاب ولم ينفذ تعليمات الإذاعة الوطنية بالحديث عن إنجازات الرئيس زين العابدين بن علي.

هل تغير حال المثقف بعد ثورة الياسمين وهل نال قسطا أكبر من الحرية والتعبير؟

المثقف التونسي يعيش نفس الأزمة، متأزم نوعا ما أكثر بعد الثورة، لا ننكر أن هناك مساحات أكبر للتعبير والاختلاف، ضمن مكاسب الثورة، لكن عدم وجود استراتيجية واضحة للسياسات الثقافية الموجودة في تونس، تصعب الأمور؛ لأن هذا الجيل المرتكز على الماضي والذكرى لا يجد نفسه حاليا، لدينا مثقفون كبار أمثال يوسف الصديق، ومحمد الطالبي، ورجا فرحات، عندهم خبرة كبيرة جدا في المجال الثقافي والعمل العام، لكن الاستهزاء الذي تعرضوا له بعد الثورة كان مؤسفا ويدعو للبكاء.

هل كانوا محسوبين على النظام السابق؟

لا، لكنه استهزاء الجاهل بالعالم من الميديا والشباب، وهو أحد المشكلات، نعم هناك حرية، لكن تم استغلالها بشكل خاطئ، وتم التفريط في فرصة الاستفادة بخبرات هذا الجيل، ورؤيته في المجال الثقافي، ومن ثم حدث لهم أحباط كبير أيضا بعد الثورة، لذا نحتاج إلى تعلم كيف أن تتعلم وكيف نتقبل اختلاف الآخر.

ما الذي غيرته الثورة في إلياس بكار؟

أعطتني مساحة تعبير هائلة، نجحت في تأسيس أول مهرجان أفلام حقوق الإنسان بتونس، وإنشاء “اكتيف” الجمعية التونسية للمجد والتكريم، التي تتواصل مع الجهات المحرومة لإنقاذ الفئات المهمشة بالبلد، والثورة منحتني فرصة عظيمة لإخراج فيلمين عن تونس “كلمة حمراء” في 2012، و”أنا فين” في 2016، يجوبون كل بلاد العالم، ويعرفهم على وطني، وهو أقل شيء نرده لتونس القلب النابض، البلد الجميل الذي أعطانا الكثير، الثورة ساعدتني على الخروج من المحلية للعالمية، والآن فيلمي “تونس الليل” يعرض بأحد أعرق مهرجانات العالم القاهرة الدولي السينمائي، بل يحصد جائزة أفضل ممثل.

شاهدنا أن حرق بوعزيزي جاء بعد تعسف إحدى ضابطات الشرطة تجاهه.. هل تحسنت أوضاع حقوق الإنسان بعد الثورة في تونس؟

حالة حقوق الإنسان تشهد اختلافا بعد الثورة؛ انخفضت وقائع التعذيب نوعا ما، وهى أحد المكاسب، والانتهاكات مازالت موجودة، لكن ليست بالحدة السابقة.

إلى أي مدى حققت ثورة الياسمين أهدافها؟

مازال المشوار طويلا، ربما تحققت التعددية، والدستور الجديد، وزادت حرية التعبير نوعا ما، وحقق المجتمع المدني مكاسب مهمة، لكن انعدام خطة واضحة والتجاذبات السياسية تحتاج إلى عمل وتوافق ونضج سياسي يُغلب مصلحة الدولة على مصلحة الأفراد.

خاض مخرجون عرب تجربة العمل السينمائي والدرامي بمصر.. لماذا لا تفكر أيضا؟

ليس لدي أي مانع، وبالفعل، أعكف على مشروع سينمائي جديد تدور أحداثه في مصر، وهناك بحث للتعاون مع أحد كتاب السيناريو المصريين، وسوف يكون فيلما اجتماعيا جماهيريا يستطيع المشاركة في المهرجانات لعام 2018، وسوف أكون سعيد لما تضيفه السينما المصرية لتجربتي والعكس أيضا.