الصحة في شمال سيناء.. حق مفقود يمنعه الأمن الغائب

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

خبر جديد مختلف ينطلق من محافظة شمال سيناء، وسط أحداث القتل والتفجير وانتشار الفوضى والإرهاب التي صارت خبرا معتادا وشبه يومي، وهو ذلك الخبر المتعلق باختيار شمال سيناء كأولى المحافظات الحدودية في تطبيق قانون التأمين الصحي الاجتماعي الجديد، الذي طال انتظاره لأكثر من 12 عامًا.

في هذا الإطار، أعدّ باحثون من وحدة العدالة الجنائية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بدعم إداري وفني من فريق المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تقريرهم الأول عن الحق في الصحة في محافظة شمال سيناء، التي ستُطبق بها خلال أيام، أولى مراحل التأمين الصحي الاجتماعي الشامل.

“الحق في الصحة في شمال سيناء.. إخفاقات وحلول على لسان أهلها”.. كان هذا هو عنوان التقرير الحقوقي الذي يبدأ بعرض بعض المعلومات الديوغرافية عن المحافظة، ثم يتناول التزامات الحكومة المصرية فيما يخص الحق في الدواء، وكيف يدار النظام الصحي المصري، وصولًا إلى توصيات لحل أوجه القصور في المنظومة الصحية في شمال سيناء، بناء على مقترحات أهالي المحافظة والمعايير الدولية المتعلقة بالحق في الصحة.

الإرهاب عدو التنمية

تعتبر شمال سيناء واحدة من المحافظات التي تعاني من قلة عدد المستشفيات الحكومية فيها، إذ تبلغ 7 مستشفيات فقط، متساوية بذلك مع محافظة البحر الأحمر، ووفقًا لمشروع تنمية سيناء كان من المخطط أن يصل عدد الأسِرّة في مستشفيات سيناء إلى نحو 6 آلاف سرير موزعة على 500 منشأة صحية تابعة لوزارة الصحة و23 مستشًفى خاصا، ولكن ما طرأ على المحافظة من أعمال عنف وإرهاب وعمليات عسكرية لمواجهة العنف المسلح الجاري في الأعوام الأخيرة أثر بشكل بالغ في تنفيذ تلك الخطط.

وعن تقييم أهالي المحافظة الحدودية لوضع الخدمات الصحية في مستشفيات شمال سيناء، أكد غالبية المواطنين أنهم يحصدون اليوم ثمار أكثر من 35 عاما من التهميش والإهمال لسيناء وأهلها.

اثنان من أطباء التكليف الذين تم تعيينهم بوحدات صحية في شمال سيناء قبل عام 2012 وصفوا المشهد الصحي في المحافظة الحدودية.. قال أحدهم: ذهبت لتسلم تكليفي في عام 2011 في وحدة صحية بشمال سيناء، الوحدة كانت في حالة جيدة وتجهيزها معقول، ولكن الخدمة الصحية التي كنت أقدمها لا تصلح بأي شكل من الأشكال، فتدريبي وقدراتي كطبيب حديث التخرج لا تؤهلني لخوض أول تجربة عمل لي في عزلة تامة بعيدا عن أي إشراف أو تعليم أو تدريب، خاصة أن الإنترنت الذي كنت أستخدمه في القاهرة بحثا في المصادر وتقليلا لاحتمالية الخطأ، لم يعد متاحا.

كانت النتيجة، كما قال الطبيب، أنه قام بما يقوم به الكثير من زملائه وهو التواجد “على الورق”، ليكون إجمالي الوقت الذي قضاه فعليًا بالمحافظة طوال فترة تكليفه (من 3 إلى 5 سنوات) لا يتعدى العشرين يوًما.

الطبيب الثاني أوضح أنه قدم استقالته من وزارة الصحة بعد شهر ونصف من تكليفه بمحافظة شمال سيناء، قائلا: “لا أتعلم ولا أفيد ولا أستفيد.. كنت بمفردي مطالبا بأن أعالج حالات معقدة دون متابعة من أي شخص يعلمني أو يوجهني”.

ولكن هذه الظروف، إن صعبت على طبيب شاب حديث التخرج، فهي تعد شبه مستحيلة لإقامة حياة أسرية مستقرة هناك، فالسكن المتوفر داخل الوحدة إن تقبله هؤلاء الأطباء الشباب لن تتقبله باقي أسرته، فتواجد أسرة من زوجة أو أبناء في محافظة شمل سيناء يعد مستحيلًا، فمقومات الحياة الأساسية غير متوفرة هناك، والوضع الأمني كذلك.

الأهالي على الهامش

عند سؤال عدد من أهالي سيناء عن رأيهم في الخدمات الصحية المقدمة يتطرقون إلى الحديث عن الوضع العام داخل المستشفيات، فالسؤال عن الصحة مقترن بالمستشفيات، وقلمّا يتطرق حديثهم إلى وحدات صحة الأسرة أو ما يسمى بالمستوى الأَّولي من الرعاية الصحية المنوط به علاج نحو 80% من الحالات، على أن يتم تحويل الباقي إلى مستوى العلاج التخصصي.

غالبية انتقادات وتعليقات المواطنين على مستوى الرعاية الصحية المقدمة بالمحافظة للأمراض التي يشملها المستوى الأوّلي من الرعاية ينصب حول مدى تواجد الأطباء بالوحدات الصحية وتجهيزها وما يتوفر فيها من أدوية ومستلزمات طبية، والتطعيمات وخدمات الولادة ومتابعة الحمل وصحة الطفل، ثم يبدأ التطرق إلى الخدمات الأخرى مثل الإسعاف والطوارئ وعلاج الحالات المتقدمة، واتفقت الأغلبية على أن هناك وحدات صحية مجهزة جيدًا في القرى والمراكز، كلفت الدولة والجهات المانحة الدولية كثيرًا من الأموال، إلا أنها، بشكل عام، لا تعمل لعدم وجود أطباء أو أطقم تمريض، وفي الكثير من القرى تم قصف الوحدات الصحية فيها لأسباب عسكرية.

أعباء ثقيلة

أما في العريش، فالمستشفى العام يتحمل عبء جميع أنواع الخدمات الصحية للمنطقة المحيطة بالكامل، رغم قدرته المحدودة، ورغم أن الإتاحة الجغرافية للخدمات تزداد أهمية فيما يخص حالات الولادة الحرجة، فلم تخل شهادة سكان المحافظة من قصص عن أمهات أو أطفال حديثي الولادة فقدوا حياتهم لعدم قدرتهم على الوصول إلى وحدة للرعاية الطبية في وقت مناسب، في ظل الصعوبة البالغة في التنقل بين القرى والمدن بسبب الوضع الأمني الذي يزداد صعوبة يوما بعد يوم.

كافة قرى المحافظة الحدودية انعدمت منها تماما التطعيمات ولا يوجد غير مكان واحد للحصول عليها يخدم كل المدينة وهو الإدارة الصحية في الشيخ زويد، بحسب الأهالي.. إحدى الممرضات بمستشفى بئر العبد نقلت جزءا من المعاناة قائلة: “الأدوية اللي بتيجي بتبقى كلها مضادات حيوية إلا لو دكتور كويس بيكتب علاج من بره، فالمريض يجيبه من بره بأسعار مابيقدرش عليها غير عدد قليل من الناس، دا لو لقيوا الأدوية يعني”.

غياب التثقيف الصحي

وفيما يخص التثقفيف والتعزيز الصحي، فإن الأمر غائب تمامًا عن أهالي شمال سيناء، فوحدات صحة الأسرة المنوط بها تقديم هذه الخدمة لا تعمل بشكل عام، والتواصل بين مقدمي الخدمات الصحية ومتلقيها شبه منعدم إلا في حالات الطوارئ، وهذا الإطار يجعل من تقديم التثقيف والتوعية وتعزيز صحة المواطنين أمرًا مستحيلًا من خلال المنظومة الصحية الحكومية، وتبقى بعض الجمعيات الأهلية وحدها من تقوم بحملات توعوية حول الإدمان ومخاطره والأمراض المعدية بشكل محدود لا يغني عن الدور الأساسي لإدارات التثقيف والتعزيز الصحي والرائدات المجتمعيات، وغير ذلك من المعنيين بهذا العنصر الحيوي في منظومة الرعاية الصحية الأولية.

“مستشفى رفح كان فيها جهاز أشعة مقطعية متقدم ما شفتوش قبل كده في أي حتة، بس مافيش حد يشغله أو يقرأ نتايجه”.. يكشف طبيب مقيم بمستشفى رفح جزءا من الخدمات الناقصة، وأما مستشفى العريش العام والذي يعتبر المستشفى الأساسي للتحويلات في المحافظة فقدراته محدودة للغاية مقارنة بعدد الحالات والتحويلات التي تصله.. من الطوارئ للعيادات الخارجية مرورًا بالتخصصات المختلفة، وصولًا إلى الرعاية المركزة وبنك الدم، التي أجمعت الشهادات أن خدماتها غير كافية نظرًا لكثرة الحوادث.

وعند سؤال بعض العاملين في المستشفى، كان الرد أن غالبية الحالات الصعبة يتم تحويلها إلى الإسماعيلية كما حدث في واقعة تفجير مسجد الروضة الأخير، الأمر الذي يستغرق حوالي 11 ساعة نظرًا للوضع الأمني على الطريق. وتبقى الشكوى عامة من قبل الأهالي، من أن كافة المستشفيات العامة غالبًا ما تطلب من المرضى وذويهم شراء المستلزمات والأدوية من الخارج.

نقص في المستلزمات

يُجمع الأطباء على وجود نقص شديد في الأدوات والمستهلكات الأساسية في المستشفيات، ففي الجراحة، على سبيل المثال، لا يوجد جهاز كي حراري، رغم أنه أساسي في حالات النزيف والحوادث التي يتم تحويلها إلى المستشفيات الأخرى، كما لا توجد جوانتيات في مستشفى العريش، ويوجد نقص حاد في المحاليل وأشرطة تحليل السكر.

“يعني يجيلي عيان عنده إغماء وأضطر أحلله السكر في المعمل وأفضل مستني لما نتيجة التحليل تظهر، وفي مستشفيات كبيرة في شمال سيناء زي رفح ونِخِل وبئر العبد، كلهم بيحولوا على العريش حالات بسيطة زى كسر أو غيبوبة سكر أو أشعة لأن ماعندهمش جهاز ولا طبيب عظام”.. هكذا يقول أحد الأطباء في العريش، علاوة على ذلك فإن عملية نقل المرضى تتم بناءً على مبادرات شخصية وفردية وليست جزءًا من إجراءات متبعة بشكل منظم.

 

أعداد مرضى الفشل الكلوي في المحافظة الحدودية مفزعة، المستشفى به وحدة غسيل واحدة، بينما يتردد عليه يوميًا حوالي 100 مريض، وأعمار صغيرة جدًا ومن أسرة واحدة أب وابنه وأم وأختها، وهكذا بصورة لا تكفي، وتكررت ملاحظات عن زيادة حالات الجلطات والأورام في المحافظة، ما دفع جمعيات المجتمع المدني إلى تبني مبادرات شعبية لبناء مستشفى أورام أهلي في المحافظة، ولم يستقبل مستشفى الشيخ زويد حالة واحدة في أقسامه الداخلية منذ أكثر من عامين، نتيجة الظروف الأمنية الجارية وعدم تجهيزها.

خدمات الإسعاف والطوارئ

في ظل الظروف الأمنية الصعبة ووجود مخاطر مستمرة على المواطنين تمثل خدمات الإسعاف والطوارئ ضرورة أساسية لسكان شمال سيناء، وبالرغم من ذلك فربما تكون تلك الخدمات الأكثر تأثرًا بالوضع الأمني الجاري.

البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تبين أنه يوجد نحو 43 مركز إسعاف في المحافظة، يعمل فيها 289 عاملًا، منهم 94 من المسعفين، ويبلغ إجمالي عدد سيارات الإسعاف الموجودة ضمن مرفق إسعاف شمال سيناء 76 سيارة، أكثر من نصفها في مدينة العريش فقط، ولا توجد أي من سيارات الإسعاف في المناطق التي احتدم فيها العنف وتزايدت الهجمات المسلحة، والتي أعلنت الدولة رسميًا الحرب على الإرهاب فيها، وهي رفح والشيخ زويد.

أغلب الأطباء والممرضون العاملون في مستشفى العريش العام، تدريبهم والإشراف عليهم محدود للغاية، ويعاني المستشفى من غياب تخصصات أساسية، ومن قدرة محدودة على التعامل مع الإصابات التي تصل إليه، وتلخص “أ.س”، إحدى طبيبات التكليف بالعريش، المعاناة بقولها: “لو قالولي عندك زايدة وهتموتي في الطريق مش هعملها في العريش وهنتظر أرجع القاهرة”.