«الزامل» اليمني.. فن الحرب والسلام

تتميز اليمن عن غيرها من البلدان بـ”الزامل”، كأحد الموروثات الثقافية، الحاضرة في جميع الأحداث، ضمن وسائل التأريخ، حيث يجتمع الناس في القرية لتلبية أي حادث، ويردد “البداع” شطرين أو ثلاثة، يرددها الصف الأول على درجات أولًا بأصوات قراءة للحفظ عن طريق التلقين، ثانيًا تجربة الأداء بأصوات خافتة.

وبعدما يتأكد “البداع” من حسن الصوت تتعالى الأصوات بالزامل، وإذا كان جمع الناس كبيرًا، تقسم إلى صفوف، ويشترط في لغة الزامل أن تكون منظومة على عدة أنغام متقاربة الإيقاع، وأغلبها من الرجز.

النشأة

الزامل في اللغة الفصحى يعني الصوت المختلط من عدة أصوات، وبمعنى آخر العدو المتمايل كسرعة الأعرج، وهو إنتاج جماعي روته أجيال عن أخرى، وأكثرية الزوامل المتداولة مجهولة القائل كزوامل الحروب والسياسة والأعراس والترحيب والاستقبال، يكون قائما على هيئة بيتين أو أكثر من الشعر، يتم تنسيقها بعدة ألحان وأنماط.

وحكى الشاعر عبد الله البردوني، وفي كتابه فنون الأدب الشعبي في اليمن، قصة نشأة فن الزامل، قائلا: “بعض القبائل فرت إلى كهوف الجبال خوفا من هجوم المعتدي، وفي هدأة الليل سمعت أصواتا جهيرة كثيرة العدد بديعة الإيقاع لم تسمع أجمل منها إثارة وتحميسا وكانت تردد باللغة الشعبية (زاملا) يهز النفوس ويرنح قامة الصمت”، وعندما أصغت إليه القبائل حفظت:

قبّح الله وجهك يا ذليل .. عاد بعد الحرايب عافيه

عند شبّ الحرايب ما نميل .. باتجيك العلوم الشافيه

وكانت أصوات الزاملين تقترب فتثير الفزع وتبتعد فتثيرها الريح وكانت القبائل المختبئة تخرج من مخابئها فلا ترى أحدا وإنما تسمع ضجيجا وتشاهد أمواج الغبار، فتأكد المختبئون من اشتعال حرب فحفزهم ذلك الزامل المتحمس فاجتازوا الخوف واندفعوا لمقارعة العدو، وقد استخدم هذا الزامل بعد روايته شفيها جيلا بعد جيل ومنه انطلق إلى مجالات عدة.

أنواع الزامل

يتضمن الزامل اليمني أنواعا وأنماطا مختلفة؛ فمنه ما يتميز بطول أنفاسه، ورتابة إيقاعاته وهذا تجده في مواقف الترحيب، والفخر، والزفاف، والرثاء، أما الزامل سريع الإيقاع فغالبا ما يكون في الحرب ليثير حماسة المحاربين في جبهات القتال ضد الغاز.

وللزامل أنواع عدة؛ فزامل العرس مثلا به الترحيب، والاستقبال، والزفاف كالتالي فيه يتقبل أهل العريس الوافدون للتهنئة بالزواج والزفاف فيتبادل الاثنان التحية.

أهل العريس:

يا مرحبا وأهلا وسهلا بالضيف ذي جانا عنية

الوافدون:

دام السرور يا سيد الأعراش.. جينا لكي بالعين والرأس

الزامل والحرب اليمنية

مع اشتعال الحرب اليمنية في مارس 2015، نشط فن الزامل من جديد، حيث تعد رقصة البرع من أكثر الرقصات تجسيدا للفن وتعبر عن الحرب ولحظات احتدامها، ويؤديها الذكور حاملين أسلحتهم البيضاء والنارية، ولعل الحوثيون نجحوا في تقديم إنتاج غزير، حيث يتّسم النشيد الحوثي بالأداء الجماعي، ويصحبه دائما إيقاع الطبل العسكري المنتظم ووحدة النبرة، وللحوثيين فرقتان فنّيتان في محافظة صعدة واثنتان من صنعاء، حيث تؤدي كل الفرق النشيد بأسلوبها الخاص وبنكهة مناطقها.

وعقب العدوان السعودي على اليمن، دارت السيارات حاملة الميكروفونات تذيع أناشيدهم مثل “ما نبالي ما نبالي” الشهيرة، أثناء عمليات القذف المستمرة لشحذ معنويات السكان وتشجيعهم على تحمّل القصف، كما ظهر أيضا زامل “قل لأصحاب السمو يكفي تعدّي”، والتي صاحبت استعدادات الجماعة لبدء المناورات ضد السعودية باستخدام السلاح الثقيل وتحذر الأنشودةُ السعوديةَ من التعدي على الحدود وتتوعّد قواتها بالموت، وتبعها “زوامل” دعت العامة لمواصلة المقاومة ومنها “تجندنا كتايب” التي تؤكد كلماتها على أن الحوثيين تعوّدوا القصف وأصبحوا يعرفون كيف يتعاملون معه.