«الرياض2» و«ورقة المبادئ».. ألغام تنسف جنيف 8

على الرغم من التصريحات التفاؤلية التي سبقت انطلاق مفاوضات جنيف 8، وخاصة تلك التي أطلقها المبعوث الأممي الخاص، دي ميستورا، والتي أكد فيها أن “الجولة الثامنة من محادثات جنيف هي الجولة الأولى من المباحثات الحقيقية حول السلام في سوريا”، وعلى الرغم من أن الجولة الجديدة من المفاوضات عُقدت وسط عدد من المتغيرات، سواء بشأن توحيد المعارضة أو الانتصارات العسكرية للجيش السوري أو انتصار المحور الروسي الإيراني في سوريا، كان من شأنها أن تلقي بظلالها على طاولة المفاوضات، وتحرز خطوات جديدة مختلفة عما شهدته الجولات السابقة، إلا أن المؤشرات التي سبقت الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف مالت إلى الناحية السلبية أكثر من الإيجابية، خاصة بعد أن أطلق وفد المعارضة السورية الموحد بيان “الرياض 2″؛ ليفجر أزمة جديدة قبل أيام قليلة من انطلاق المفاوضات، ويفضح رغبة بعض الدول الداعمة للمعارضة في إطاله أمد الأزمة السورية.

“الرياض 2” يفجر الأزمة

بمؤشرات سلبية انطلقت الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف، وعلى الرغم من تأكيد المعارضة على استعدادها لعقد مباحثات ومفاوضات مباشرة مع الوفد الحكومي السوري، إلا أن بيان “الرياض 2” نسف جميع المحاولات الأممية والدولية للخروج بحل سياسي في هذه الجولة، حيث خرجت المعارضة من اجتماعها الذي انعقد في الرياض في الفترة الممتدة بين 22 -24 نوفمبر الماضي، لتضع شروطًا مسبقة، وتعود إلى الوراء مائة خطوة، حيث أكدت في مسودة البيان الختامي على مطلب تنحي بشار الأسد عن السلطة مع بداية المرحلة الانتقالية، وأعلن المجتمعون تمسكهم بسقف المواقف التفاوضية للمعارضة، وفق ما نص عليه بيان “جنيف 1” بخصوص “إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تهيئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية”، وأنه “من الجوهري الحرص على تنفيذ العملية الانتقالية على نحو يكفل سلامة الجميع في جو من الاستقرار والهدوء”. وأكد المؤتمرون أنه لا يمكن تحقيق ذلك “دون مغادرة بشار الأسد وزمرته وأركانه سدة الحكم مع بداية المرحلة الانتقالية”. وتضمن البيان اتهام الحكومة السورية باستخدام “أسلحة الدمار الشامل المحرمة دوليًّا”.

ورقة المبادئ

مع انطلاق مفاوضات جنيف بنسختها الثامنة، قدم المبعوث الأممي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، ورقة “البنود الاثني عشر” إلى وفدي التفاوض من الحكومة والمعارضة، والتي طلب منهم نقاشها والتركيز عليها في هذه الجولة من المحادثات، وقد تشابهت هذه الورقة كثيرًا مع تلك التي قدمها “دي ميستورا” في جولة مباحثات مارس عام ٢٠١٦، إلا أن هناك بعض البنود التي تمت إزالتها من الوثيقة، حيث نجد أن هذه الورقة، بالمقارنة مع الورقة السابقة، افتقدت إلى البند السادس الذي يتضمن الحديث عن عملية الانتقال السياسي والدستور والانتخابات، والتي كانت الورقة الأولى قد أشارت إليه صراحة في فقرتها السادسة بنص صريح، هو “طبقًا لقرار مجلس الأمن 2254 لعام 2015، يشمل الانتقال السياسي في سوريا آليات حكم ذات مصداقية وشامل للجميع وغير قائم على الطائفية، كما يشمل جدولًا زمنيًّا وعمليةً لإعداد دستور جديد وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة، عملًا بالدستور الجديد، يجري إدارتها تحت إشراف الأمم المتحدة”.

أضف إلى ذلك أن الورقة الجديدة لم تتطرق للحديث عن قضية المعتقلين، بينما الورقة الأولى أفردت لهم بندها الحادي عشر، والذي نص على أنه “سيجري تمكين جميع اللاجئين والنازحين من العودة إلى ديارهم بأمان، إذا كانوا يرغبون في ذلك، بدعم وطني ودولي، وبما يتوافق مع معايير الحماية الدولية، وسيجري إطلاق سراح الأشخاص المحتجزين تعسفيًّا وحسم مصير الأشخاص المختفين أو المختطفين أو المفقودين”، فيما أزالت الورقة الجديدة الفقرة الأخيرة من البند العاشر في الورقة الأولى، وإلتي نصت على أنه “ستمارس الدولة ومؤسساتها بعد إصلاحها الحق الحصري في السيطرة على السلاح، ولن يُسمح بأي تدخّل من جانب مقاتلين أجانب على الأراضي السورية”.

ورقة المبادئ لقيت استحسانًا لدى وفد المعارضة، حيث سلّم الوفد إلى المبعوث الأممي الخاص وثيقة تضم رد المعارضة على المبادئ الـ12، وقد وصفت الوثيقة مبادئ دي ميستورا بأنها “ورقة حية قابلة دومًا للتجديد والتطوير”، معلقة على كل منها بالتفصيل، فيما أثارت الورقة غضب الوفد الحكومي، حيث أعلن رئيس الوفد، بشار الجعفري، أمس الجمعة، أن دمشق كانت سابقًا تؤيد الورقة؛ لأنها “مدخل لايجاد حلول وبناء قواسم مشتركة ذات صفة وطنية”، مؤكدًا أن المبعوث الأممي تجاوز صلاحياته كوسيط بين أطراف التفاوض، حين قدم ورقة مبادئ دون التشاور مسبقًا مع وفد الحكومة، وقال الجعفري: دي ميستورا في هذه الجولة طرح علينا ورقة مبادئ دون أن يتشاور معنا، نحن لا نتفاوض مع دي ميستورا، نحن نتفاوض من خلاله ومجرد طرحه للورقة هو بمثابة تجاوز لمهمة الوسيط، مشيرًا في نفس الوقت إلى أن هذا لا يعني صدامًا بين وفده والمبعوث الأممي، مؤكدًا: نحن معنيون بجنيف، ولن نفوت أي فرصة للحضور.
في ذات الإطار انتقد الجعفري بيان الرياض 2، الذي أعلنته المعارضة قبيل انطلاق مفاوضات جنيف 8، حيث أكد أن وفده لن يدخل في مفاوضات مباشرة مع المعارضة طالما ظل بيان “الرياض 2” الذي أعلنته المعارضة قائمًا، واصفًا إياه بأنه يستخدم شروطًا مسبقة، وأضاف “الجعفري”: الوفد الذي انبثق في الرياض، وأطلق على نفسه اسم وفد موحد، بالنسبة لنا ليس وفدًا موحدًا؛ لأنه استثنى طيفًا كبيرًا من المعارضة الوطنية، مشددًا على أنه “لا يوجد شيء اسمه مناطق كردية شمال سوريا، بل مناطق سورية يتواجد فيها المكون السوري الكردي”، وأكد الجعفري أن الجولة الحالية من المحادثات انتهت بالنسبة لوفد دمشق، وأنه سيغادر جنيف، اليوم السبت، على أن تقرر دمشق مسألة عودته الثلاثاء المقبل لاستئناف المحادثات، بعدما أعلنت الأمم المتحدة توقف الجولة الراهنة لثلاثة أيام.
فشل المحادثات وتمديد مدتها
بالنظر إلى مواقف المعارضة الاستفزازية قبل أيام من انعقاد مفاوضات جنيف، ورد فعل الوفد الحكومي الذي اختار قلب الطاولة على المعارضة، التي لم تضع في عين الاعتبار الوقائع الميدانية الحالية، وتحاول الخروج بحفظ ماء الوجه، يمكن الاستنتاج بأن الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف قد فشلت في اتخاذ أي خطوة جديدة باتجاه الحل السياسي عن الجولات السابقة، وبدأت الوفود تبادل الاتهامات بإفشال الجولة الحالية، فيما اختار “دي ميستورا” مد فترة المفاوضات إلى 15 ديسمبر؛ في محاولة للخروج بأي تقدم يذكر.

من جانبه حمل مندوب روسيا لدى مقر الأمم المتحدة في جنيف، أليكسي بورودافكين، المعارضة السورية مسؤولية عدم إحراز تقدم يذكر في جولة جنيف الثامنة، مشيرًا إلى أن إعلان وفد المعارضة الموحدة أنه وصل إلى جنيف من أجل مناقشة رحيل الرئيس السوري هو الذي أبطل الجهود المبذولة من قبل الأمم المتحدة لتحقيق التقدم في العملية التفاوضية، وأضاف “بورودافكين”: لقد جاءوا لمناقشة استقالة الأسد، ليس هذا موقفًا للتفاوض، إنما هو مطلب فارغ لا يمكن قبوله، بل ويمثل استفزازًا سافرًا في حق الوفد الحكومي الذي حضر إلى جنيف للمفاوضات.