الرد الشعبي الفلسطيني على ترامب.. صعوبات الاستجابة لفرصة تاريخية

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

يتّسم النموذج الاستعماري الصهيوني بخصوصية تضيف إلى القضية الفلسطينية، مزيدا من التعقيد، ليس فقط في تحقيق الحد الأدنى من مصالح الشعب الفلسطيني المستعمَر، المهدرَة، بل أيضاً في الإمكانية الفعلية لمقاومته الاحتلال.

أحد أعمدة تطور الاستعمار الصهيوني الإحلالي الاستيطاني، نجاحه المتزايد على مراحل وحلقات في كبح الفعل الفلسطيني المقاوم، بالاستهداف العسكري المباشر والإزاحة الجغرافية والحرب السياسية في المراحل الأولى، ثم بتعميق إفساد وتفتيت نمط المعاش الفلسطيني ذاته، أي البنية الاجتماعية للشعب المستعمَر، في مراحل لاحقة، وهو ما نرى انعكاساته في الوقت الحالي، حيث الضعف النسبي لرد الفعل الشعبي العام على قرار الإدارة الأمريكية بشأن القدس.

بشريّا وسكّانيا، يمتلك الشعب الفلسطيني بالضفة وغزة ما يتيح قيام حركة فعلية مقاومة للاحتلال، في ظل الفارق الكبير والمتزايد  لصالح الفلسطينيين بين كتلتهم السكّانية والأخرى الصهيونية، أي قوة بشريّة ومادة خام قد يكفل لها عامل التنظيم تعويض التفوّق النوعي للاحتلال وتجاوُز قيود بنية الهيمنة، أو صياغة مشروع بديل يحصل على مكاسب حقيقية، في ظل العديد من المؤشرات الواقعية لقدرة الفلسطينيين على تقويض سيطرة الاحتلال، وردعه في الحدود الدنيا، منها تحقيقهم لذلك غير مرّة خلال السنوات الأخيرة.

الانقسام المركّب للكتلة السكانيّة

رغم تشظّي الشعب الفلسطيني استطاعت كتلته العامة، في مرحلة تاريخية سابقة، إنتاج مقاومة حقيقية انطلقت تنظيميا من أكثر من كتلة سكّانية شعبية فرعية، واعتمدت عسكريا وسياسيا على دعم عربي وحواضن مجاورة جغرافيا للأراضي الفلسطينية المحتلة، مما أقام العصر الذهبي للثورة الفلسطينية المسلّحة، وأتاح إقامة مشروع تحرر ساهمت فيها التجمعات الفلسطينية المنقسمة بين أكثر من كيان سياسي – دولة، بالتعاضد مع قوى سياسية عربية فاعلة.

استطاعت الحالة الجامعة تلك مغالبة الانقسام التفتيتي الذي أحدثه الاحتلال في كتلة الشعب نفسها عاميّ 1948 و1967، إلى أن شهد عاما 1970 و1982 إزاحتَين كبيرتَين للمقاومة الفلسطينية المسلحة حاملة مشروع التحرر، ليتمخض المشروع عام 1993، باتفاقية أوسلو، عن كيان للحكم الذاتي؛ قائم على أساس انقسام جغرافي وسكاني داخل الضفة الغربية نفسها، بفعل الاحتلال والاستيطان، ومحكوم بشروط وضعها الاحتلال، ويعمل بآلية وظيفتها التكيّف معه ولا تجمَع موارده البشرية في نشاط متبلوّر ومنتِج، ولا يحمل صفة التراكمية في الاقتصاد والتطور الاجتماعي العام، وحملت وضعية ما بعد أوسلو في الضفة وغزة نمطا سكانيّا انقساميا جديدا كجزء من نموذج “اللا دولة”، تجلّى في الانقسام الجغرافي والسكّاني الذي يقيمه الاحتلال بينهما بقوة السلاح والعمل الأمني.

انعكس الانقسام، في لحظة ذات شروط اجتماعية وسياسية وتاريخية محددة، في انقسام سياسي بين فتح وحماس، مع التوسّع المستديم لعملية “القضم” الاستيطانية في الضفة، التي ترسّخ وتغذّي غياب الترابط الطبيعي بين الناس، وبالتالي إمكانات تنظيمهم لأنفسهم، وتتكامل معها المنظومة الأمنية للاحتلال لعزل التجمعات السكانية الفلسطينية عن بعضها بعضا، وفي مقابل الواقع الجغرافي والسكّاني المفتت للضفة وحدها، وهي الأكبر مساحة وفيها القدس، انطلق واستمر عزل غزة التي ترتفع فيها عوامل: معدل النمو السكاني والكثافة السكانية ومتوسط حجم الأسرة ومعدّل الخصوبة الكلّي، مع تركّز أعلى لوضع اللجوء، أي نمط المخيّمات، فواجه المجتمع الفلسطيني قرار ترامب بشأن القدس، الذي يستلزم إطلاق انتفاضة ثالثة تردع تهويد المدينة، بكتلة سكانية أكبر لكنها مفتتة جغرافيا واجتماعيا وذات كثافة سكانيّة منخفضة وتسيطر عليها سلطة متعاونة مع الاحتلال، هي الضفة، وكتلة أخرى أصغر لكنها تتمتع بتماسك أعلى ومتعرّضة للعزلة الجغرافية والسياسية التامة عن الفعل الميداني والسياسي، هي غزة.

تشوّه التنظيم الاجتماعي والاقتصادي

تكمن معضلة اجتماعية كبيرة في حقيقة أن كل اجتماع فلسطيني لجهة جغرافية سياسية، الضفة وغزة، والأردن الخزّان البشري الفلسطيني الضخم، ولبنان وسوريا، يحمل ديناميكية اجتماعية وسمات ديموغرافية واقتصادية تختلف عن الآخر، فضلا عن الفلسطينيين المقيمين داخل الكيان الصهيوني، والملجومة فاعليتهم بقيود متنوّعة ووثيقة بحكم الأمر الواقع وفي طليعتها استيعابهم في الكيان من حال الأساس.

أنتج الواقع الاجتماعي لما بعد أوسلو شرائح ثلاثة مثّلت “النخبة الاجتماعية” الفلسطينية في الضفة الغربية، الأولى بيروقراطية ما يُعتبَر أنه سلطة حاكمة، منظمة التحرير وفتح، والتي تعمل على إدارة هيكل اللا دولة على تنوّع مستوياته، ومن ثم ترتبط مصالحها باستمرار شرعية أوسلو ذاتها كأساس لهذا الجهاز الإداري، والثانية يشكّلها العاملون بالمنظمات غير الحكومية، التي قامت على وضعية أوسلو وكفلت استيعاب النشاط المهني والاجتماعي لآلاف الشباب، وترتبط عضويا بالمنظومة السياسية الغربية العامّة التي التزمت من بعد أوسلو بتوفير مخصصات مالية وهياكل تنظيمية في المجتمع الضفاوي، والثالثة شريحة أصحاب المهن الحرّة ذات الطبيعة المعاصرة، القائمة على التكنولوجيا والعمل عن بُعد مع مؤسسات مرتبطة بمنظومة العولمة الاقتصادية وما يُعرَف باقتصاد المعرفة، وترتبط بالشريحة الثانية بشكل كبير؛ ترتبط الشرائح الثلاث بواقع العولمة السياسية والرأسمالية الواقع على الأراضي الفلسطينية بما يضمن مصالحها، من الحدود الدنيا وحتى القصوى، ومصالح العولمة والاحتلال، وقام المجتمع الفلسطيني بعد أوسلو، التي توازي تفعيلها تاريخيا مع انطلاق منظومة العولمة، على وضع يكفل استثمار موارده البشريّة وضخّ وإعادة تدوير الموارد المالية فيه وفي سوقه لصالح المنظومة، بالتنسيق مع واقع الاحتلال.

من هنا يمكن فهم غياب دور وطني طليعي مقاوم في الضفة، أي غياب كتلة اجتماعية تملك الحدود الدنيا المعيشية والموارد اللازمة لتحمِل مشروعا منظّما ومكتملا للمقاومة، سواء سلمية أو مسلّحة، فلم يكن غريبا أن يندلع التحرك الشعبي الفلسطيني الأخير في محطّاته، انتفاضة السكاكين وتحرّك إسقاط وضع البوابات الإلكترونية في الأقصى ثم الاحتجاج على قرار ترامب بخصوص القدس، من قواعد جماهيرية متناثرة ومبادرات فردية غير منظّمة، ووهبّات عفوية تتميّز بالعنفوان الشعبي والارتباط بالشارع الفلسطيني ومصالحه، لكنها تتسم في الوقت ذاته بالسيولة وانعدام التبلوّر في تنظيمات، فضلا عن غياب برنامج سياسي محدد وخطة عمل على الأرض.

في ظل الاحتلال والتبعية الاقتصادية له، من انعدام منظومة اقتصادية فلسطينية واعتمادية المستهلك الفلسطيني وقطاع من الأيدي العاملة على اقتصاد الاحتلال نفسه، واحتكار الاحتلال لخدمات وسلع وهيمنته على أخرى وإمساكه بالسوق وقواه، أقرّ أبو مازن من قبل برؤية فتح والسلطة الوطنية بأن إدارة حياة وشؤون الفلسطينيين هي مسؤولية الكيان الصهيوني، مهددا بسحب السلطة من عملية الإدارة، وليس بحلّ السلطة مثلاً، ليضع الاحتلال أمام “مسؤوليّاته” على حد قوله، رؤية تمثّل مدخلا لفهم مأزق اجتماعي لشعب يسيّر له مستعمِره حياته، وبالتالي يضمن كبح وتحجيم حيويته الاجتماعية بصفة عامة.

غياب شرعية القيادة والحكم

منذ اليوم الأول لقيامها، تمثّل السلطة الوطنية الفلسطينية شرعية الأمر الواقع وليس التمثيل السياسي لمصالح الفلسطينيين، إذ جاءت أوسلو كانعكاس مباشر لاندلاع وتطوّر الانتفاضة الثانية عام 1987، التي استثمرتها فتح للمقايضة على امتصاصها، مقابل تسوية سلمية تتيح لمنظمة التحرير التحوّل لجهاز إداري: يُشغّل كيانا سياسيا يوفّر لفلسطينيي الضفة وغزة محض حياة يومية، وينظّم سلاحه في إطار “معترف به دوليّا” أي ملتزم بسياسات الاحتلال، ويترجم النفوذ الاجتماعي والسياسي للمنظمة إلى سيطرة على السكّان ضمنت وتضمن الأمر الواقع الذي قامت عليه، أي الاحتلال مضافا إليه عملية الاستيطان، في غياب أي “سلطة” أخرى سوى الاحتلال بحكم الأمر الواقع.

من هنا لا يمكن القول إن التحوّل إلى سلطة، من خلال أوسلو، جاء كثمرة تراكميّة لنضال المنظمة، بقدر ما جاء كصفقة استطاعت قيادتها إقامتها في ظرف تاريخي بعينه صنعه الشعب الفلسطيني، بانتفاضته، وجنَتْ هي ثماره بوصفها إطارا جامعا لتنظيمات المقاومة حاز على “الاعتراف الدولي” بقبوله للصفقة لا أكثر، وليس لقيامه على الأرض بالتعبير العملي عن مصالح الفلسطينيين، فضلا عن حيازته اعتراف عربي رسمي منذ منتصف الستينات كممثل للشعب الفلسطيني، واستسلام عربي رسمي للواقع المفروض صهيونيا بإخراج المقاومة من لبنان، لتتحول وتنظيماتها، وليس الاحتلال، إلى المشكلة التي يتعيّن حلّها، أو “تصريفها” إلى شكل مقبول صهيونيا ويكفل تحجيم العربدة العسكرية لجيش الاحتلال على حساب الشعوب العربية المحيطة.

في المحصلّة الأخيرة، لا يعتبَر قرار ترامب، حتى اللحظة، التحدّي الأكثر جوهرية ولا الأخطر لسلطة أوسلو، ومشروعها (بتحوّلاته)، بقدر ما يعكس تصاعد التناقض بينه من ناحية والمتطلبات الموضوعية للواقع كاملا، اقتصادية وسياسية ومعيشية، من ناحية أخرى، وفي ظل انعدام الفاعلية الاقتصادية من حيث الثروة والسوق وانحصار “السلاح الشرعي” الفلسطيني في يد متعاونة مع الاحتلال، يقف الشعب الفلسطيني أمام قضية القدس بلا قيادة بالمعنى الاجتماعي أو السياسي، بعد سقوط مدوٍ لنموذج حماس وضياع فرصتها لتشكيل مرتكز مقاومة حقيقي وفاعل في غزة، ومع استمرار إحجامها عن القيام بدور طليعي حقيقي وفاعل، لتتشكّل أزمة تبدد ما يبديه الفلسطينيون من استعداد للعمل والتضحية، وتحضُر في الوجدان الشعبي الفلسطيني دروس عديدة أهمها أن الشعب و”ناس الشارع” يقدمون أعلى التضحيات دوما، ليتم استثمارها، لغير مصالحهم الحقيقية والمباشرة، على موائد التفاوض أو في أروقة العلاقات السياسية الإقليمية والدولية.