الذكرى الـ (70) للقرار الجائر

قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم (181)
في 29/11/1949
* ذكرى مؤامرة تكشف عن حجم تواطؤ الدول الاستعمارية مع الحركة الصهيونية.
* ذكرى مشؤومة سوداء تكشف ليس فقط عن حجم الضعف الذي انتاب الحكام العرب آنذاك، بل عن حجم الهوان والذل والانكسار والتبعية.
* شعبنا الفلسطيني يحتاج إلى التضامن، إلى التضامن الفعال وليس المخادع، ودون تصحيح الخطيئة التاريخية التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني، يظل كل حديث عن تضامن يفتقد الجدية والمصداقية.
حلت على شعبنا وأمتنا ذكرى قرار التقسيم الجائر والظالم، وغير الشرعي القاضي بتقسيم فلسطين، وما نتج عنه من تأسيس دولة (الكيان الصهيوني) على أرض فلسطين.

وفي الذكرى الـ 70 نستحضر حجم تواطؤ الدول الاستعمارية مع الحركة الصهيونية، ومدى الضعف الذي انتاب حكام أمتنا في ذلك الوقت، وحجم الذل والهوان والانكسار والتبعية التي كانت عليه.

ونستحضر في نفس الوقت صفحة نضالية، تظل خالدة في صفحات تاريخ نضال شعبنا وكفاحه المجيد، وقد عبر عن رفضه لهذا القرار (المؤامرة)، وعن مدى تمسكه بكامل وطنه دون أي انتقاص، وبكامل حقوقه دون أي مساومة، وهو موقف جرى التعبير عنه بالكلمة والموقف والتضحيات الكبيرة والدماء الغزيرة التي سالت على أرض فلسطين في مواجهة الحركة الصهيونية والاحتلال البريطاني في آن.

ويعد قرار التقسيم هذا قرار غير شرعي بمنطوق القانون الدولي فأن تمنح عصبة الأمم لبريطانيا صك الانتداب لتتولى بموجبه إدارة فلسطين، لا يحرم الشعب الفلسطيني من حق السيادة، فلفلسطين وضع دولي مستقل، وللشعب الفلسطيني السيادة على أراضيه، ولفلسطين شخصيتها الخاصة المتميزة عن شخصية الدولة المنتدبة.

أحالت بريطانيا الملف للأمم المتحدة بدعوى عجزها عن حل الصراع، وأنها ليست مخولة بموجب صك الانتداب منح فلسطين لليهود، ولا للعرب، وغير مخولة بتقسيم فلسطين، وهي بهذا الموقف مارست أحط أشكال الخداع والتضليل، وتنصلت من مسؤوليتها المباشرة عن المؤامرة التي حلت بالشعب الفلسطيني، متناسية وعدها المشؤوم (وعد بلفور)، للحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ومتناسية دورها في فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية، ومنح المهاجرين المستوطنين الأراضي لبناء المستعمرات، وتسليحهم وتدريبهم وتمويلهم والقتال معهم وإلى جانبهم، مستخدمة أسلحتها الجوية والبرية لقمع الثورات والانتفاضات والهبات، وإصدار الأحكام بالإعدام على الثوار الفلسطينيين، وملاحقة العديد منهم وزجهم في السجون والمعتقلات.

تلقفت الولايات المتحدة الأميركية الملف وأعدت مشروع قرار التقسيم وأحالته للجمعية العامة للأمم المتحدة دون الأخذ بعين الاعتبار أن إنهاء الانتداب البريطاني يعني بشكل رئيسي أن القيود المفروضة على ممارسة الشعب الفلسطيني لسيادته الكاملة قد زالت، وأنه أصبح بموجب هذا الحق، وحقه في تقرير المصير مؤهلاً لأن يحكم نفسه بنفسه، لم تحترم الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الحق ، ورغم أن صلاحياتها تقتصر على إصدار التوصيات، إلا أنها أجرت تصويتاً بإصدار قرار ملزم، متجاوزة أيضاً أنه ليس بوسع الأمم المتحدة أن تنشأ دولة جديدة أو تلغي دولة قائمة.

أما بشأن اعتبار هذا اليوم يوماً دولياً للتضامن مع الشعب الفلسطيني وقد أعلنته الأمم المتحدة في 2/12/1977، وبعد مرور 30 عام على صدور قرار التقسيم، فهو ليس إلا خداع وأفخاخ جديدة، فاختيار يوم 2/12، يأتي بعد مناسبة سوداء أخرى تصادف جريمة وعد بلفور في 2/11، الأمر الذي يطرح سؤالا ً كبيراً لماذا لم يجر اختيار يوم صدور وعد بلفور يوماً للتضامن، ولماذا لم يجر اختيار يوم 15/ أيار يوم الإعلان عن إقامة الكيان الصهيوني، يوماً للتضامن، مما يؤكد أن هذا الإعلان الخديعة لم يأت كصحوة ضمير عند المجتمع الدولي والأمم المتحدة، ولا في سياق إعادة النظر بقرار جائر اتخذته بحق الشعب الفلسطيني، ولم يأت في سياق التضامن مع النضال العادل والمقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني بهدف التخلص من الاستعمار الاستيطاني الذي يرزح تحت نيره وتسلطه.

ما قيمة هذا الإعلان المخادع إذا لم يحمل رسالة واضحة من المجتمع الدولي والأمم المتحدة لقادة الكيان الصهيوني أن يكفوا عن استباحة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، والانسحاب الكامل دون قيد أو شرط، والتوقف عن مشاريع التهويد والاستيطان، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين والألوف منهم موقوفون دون وجه حق بحكم قانون التوقيف الإداري الصهيوني.

شعبنا الفلسطيني يحتاج إلى التضامن الفعال وليس المخادع، يحتاج إلى تضامن أبناء أمته معه، وإلى دعم ومساندة نضاله العادل والمشروع، بل والمشاركة في صد الغزوة الصهيونية التي تجتاح فلسطين، يحتاج إلى تضامن شعوب العالم الإسلامي لدعم كفاحه المجيد، والتصدي للاختراقات الصهيونية، ورفض كل أشكال الاعتراف والتطبيع معه، ويحتاج إلى تضامن قوى الحرية والتقدم والسلام في العالم، القوى المناهضة للحرب والغطرسة والعدوان والعنصرية، وممارسة أعلى الضغوط من أجل قطع العلاقة مع الصهاينة الغزاة وإعادة الاعتبار للقرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 القاضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية والعمل على ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة.

وهذا كله يحتاج أولا وقبل كل شيء إلى إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، إلى اعتبار وثيقة الاعتراف بالكيان الغاصب لاغية وباطلة وكأنها لم تكن، إلى التوقف عن الالتزام باتفاق أوسلو وكل ما تربت عليه، إلى إعادة الاعتبار للميثاق الوطني الفلسطيني، وإلى التوقف عن التنسيق الأمني مع أجهزة العدو الصهيوني.

وأخيراً لابد من القول أن هذه الذكرى الـ (70) تحل في وقت، تطل فيه مشاريع التقسيم والتجزئة على أيدي نفس المعسكر المعادي لأمتنا، يشاركهم الكيان الصهيوني وحكام عرب باعوا ضمائرهم، وخانوا شعوبهم وأمتهم، ووضعوا أنفسهم في خدمة أسيادهم المستعمرين، فلقد كان قرار تقسيم فلسطين بمثابة بروفة للتجزئة والتقسيم على أساس طائفي، والكيان الصهيوني الذي يطالب بالاعتراف به كدولة (يهودية)، يتكئ على هذا القرار.

لقد ناضل شعبنا وواصل كفاحه المجيد ولم يتوقف ولن يتوقف حتى تحرير وطنه، لم يوافق على قرار التقسيم، ورفضه رفضاً كاملاً، ويؤكد على أن كل الدعاوى التي صدرت في مراحل مختلفة تخطئ رفض قبول التقسيم على قاعدة نظرية اختلال موازين القوى، دعاوى استسلام وتفريط، ومن يتمسك الآن بنفس النظرية ويسير في دهاليز التسويات ويعترف بحق الكيان الصهيوني بالوجود، يقطع الصلة بتاريخ شعبه المناضل، ولا يعبر عنه، أو يمثله.

فهل جرى الاستفادة من الدرس القاسي والمؤلم، بإعادة النظر ببرامجهم ومشاريعهم الحالمة، وبالعودة إلى الشعب صاحب المصلحة الحقيقية في الثورة والنضال، لمواصلة النضال حتى تحقيق أهداف شعبنا في التحرير والعودة، أم أن الخيار كان ولا يزال خيار المفاوضات ولا شيء غيره.

أمين السر المساعد لحركة فتح الانتفاضة