الذئاب تتلاعب بالحملان.. صفقة القرن نموذجا!

إذا أردنا تكثيف تاريخ الصراع العربي-الغربي ،منذ مئة سنة وحتى الآن، والذي اتخذ تسمية الصراع العربي -الصهيوني بعد قيام كيان العدو في فلسطين، يمكن القول بدون أي مبالغة بأنه تاريخ مؤامرات ومشاريع تسوية.
وكانت البداية بمؤامرة سايكس بيكو، التي مهدت لمؤامرة أخرى أكثر وحشية بصدور وعد بلفور للصهاينة الأوربيين بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين.

وبما أن الصراع كان على الارض فكل مشاريع التسوية التي طرحت، منذ ماقبل قيام الكيان الصهيوني وحتى الآن، كان قاسمها المشترك هو الأرض. وقد ترافقت أولى مشاريع التسوية مع إندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي ١٩٣٣و١٩٣٩ حيث تبادرت لبريطانيا فكرة تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية مع تحديد منطقة دولية حول القدس.

وقد تأسس على هذه الفكرة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ١٨١ الذي صدر بتاريخ ٢٩نوفمبر ١٩٤٧ بتقسيم فلسطين بين العرب والصهاينة الأوربيين، تجاوزته الأحداث عندما أعلنت العصابات الصهيونية قيام دولتها على ٧٨٪‏ من فلسطين التاريخية. وبعد احتلال ما تبقى من فلسطين في العام ١٩٦٧، أصبح الصهاينة يتفاوضون مع أنفسهم حول مصير الاحتلال في غزة والضفة بما فيها القدس، فاتفقوا على وضع القدس النهائي بضمه إلى كيانهم واعتبارها عاصمتهم إلى الأبد، واختلفوا حول تعاملهم مع الكثافة السكانية الفلسطينية. فانقسموا بين من يطالب بالإنسحاب من المناطق الكثيفة بالفلسطينيين وربطها كونفدرالياً بالأردن كما جاء في مشروع آلون، وبين من يطالب بضمها وإعطاء الفلسطينيين حكماً ذاتياً دون الأرض كما كان يطالب الليكود، وبقي الخلاف ضمن الإطار الحزبي السياسي دون حسم، أما في الواقع فقد كانوا متفقين على تهويد الأراضي الفلسطينية المحتلة وإقامة المستوطنات عليها، واستمر هذا الوضع حتى بعد إتفاق أوسلو، ومع اتجاه الكيان الصهيوني نحو اليمين المتطرف تسارعت وتيرة الإستيطان، رغم كل التحذيرات الأوربية والأمريكية بأنه مع استمرار الإستيطان ستجد تل أبيب نفسها في مأزق بين تهديد الطابع اليهودي للكيان الصهيوني أو تطبيق نظام الفصل العنصري رسمياً على الفلسطينيين. فيما كانت حكومة نتنياهو تتعنت في المفاوضات وتواصل نهج الإستيطان، بانتظار تطورات إقليمية وعالمية تدفع باتجاه يتوافق مع أطماعها. وكانت اولى البشائر بانتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة، وهو المحاط ضمن حلقته الضيقة بصهاينة يهود مؤيدين وداعمين ومتبرعين لاستيطان الأراضي الفلسطينية المحتلة باعتبارها حقاً! لليهود، والمكونة من صهره جاريد كوشنر وجيسون جرينبلات وديفيد فريدمان والأخيريْن كانا على صلة وثيقة بترامب منذ عقود، ومن هذا الثلاثي تكون الوفد الأمريكي للتوسط بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني!.

وفِي أول لقاء جمعه بترامب بعد دخوله البيت الأبيض أثار نتنياهو ثلاثة مطالب، الأول تجاوز حل الدولتين، والثاني تنفيذ وعد ترامب بالإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، والثالث اعتراف الإدارة الامريكية بضم وسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل. وتحقق له المطلب الأول علناً عندما أعلن ترامب أنه مع ما يتوصل إليه الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي في المفاوضات متجاوزاً حل الدولتين ، وتحقق له المطلب الثاني قبل أيام.

والأمر ذو المغزى أنه بعد تشكيل ترامب لوفده لعملية السلام ؟! تم تسريب محاضرة ألقاها كوشنر على متدربين في البيت الأبيض، قال فيها أنه غير واثق من أن بمقدور إدارة ترامب عرض أي شيء “فريد” لحل الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي، وأضاف ربما لن يكون هناك حل، ولكن إحياء محادثات السلام هي إحدى الأمور التي طلبها منا ترامب للتركيز عليها، وعلى خلفية هذا التسريب كشف رئيس تحرير صحيفة “نيويورك تايمز” مارك لاندر الهدف من الوساطة الأمريكية بأن “إبقاء الفلسطينيين متورطين في المفاوضات هو انتصار للمفاوضين الأمريكيين”.

وهذا التسريب لما قاله كوشنر يجعل صفقة القرن، التي يجري الحديث عنها، موضع شك علاوة على تعدد مضامينها وتناقضها، وشطط بعضها عن الواقع، لكن يمكن إيجازها بصيغتين، الأولى تقوم على تبادل أراض بين الكيان الصهيوني ومصر لتوسيع غزة وتهجير بحدود مليون فلسطيني إليها بعد التوسيع مع الوعد بإقامة مشاريع وتقديم دعم مالي لمصر ودفع عملية التطبيع مع الدول العربية خصوصاً الخليجية منها، وكما يبدو فإن هذه الصيغة هي الأقل واقعية، أولاً لعدم قدرة النظام المصري على تنفيذها ورفض الفلسطينيين لها، ثانياً لصعوبة تنفيذها فعملية نقل الفلسطينيين من أرضهم في الضفة والقدس وبهذه الأعداد فضلا عن رفضهم، ليس بسهولة نقل بضعة مئات أو آلاف من منطقة عشوائية إلى منطقة منظمة . ولايمكن أن تنفذ صفقة القرن بهذه الصيغة في الواقع إلا من خلال الحرب.

أما الصيغة الأخرى لصفقة القرن والتي تبدو أكثر منطقية، ولا يعني ذلك أنها أكثر قبولاً ، هي الصيغة التي نشرها موقع. “ميدل إيست آي ” نقلاً عن مصدر دبلوماسي غربي ومسؤولين فلسطينيين، وبحسب الدبلوماسي الغربي فإن مشروع الإتفاق سيتضمن مايلي : ا- إقامة دولة فلسطينية تشمل حدودها قطاع غزة والمناطق (أ، وب) وأجزاء من المنطقة (ج) في الضفة الفلسطينية المحتلة . ٢- توفر الدول المانحة عشرة مليارات دولار لإقامة الدولة وبنيتها التحتية بما في ذلك مطار وميناء بحري في غزة والإسكان والزراعة والمناطق الصناعية والمدن الجديدة . ٣-وضع القدس وقضية عودة اللاجئين سيؤجلان لمفاوضات لاحقة.
٤- مفاوضات حول محادثات سلام إقليمية بين إسرائيل والدول العربية، بقيادة المملكة العربية السعودية.

وقال الدبلوماسي للموقع البريطاني إن جاريد كوشنر المستشار الخاص لترامب ورئيس فريقه لعملية السلام زار السعودية أخيرا، وأطلع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على الخطة، كما طلب كوشنر من السعوديين المساعدة في إقناع رئيس سلطة أوسلو محمود عباس بقبول الخطة التي سيتم تقديمها رسمياً في أوائل العام القادم، ويقال هنا أن ترامب بحماقة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارته إليها أفسد هذا المشروع، وقد يكون هذا الكلام صحيحاً لكن إذا ربطنا ترحيب حكومة نتنياهو بقرار ترامب سنستنتج أن تل أبيب إما رافضة لهذا المشروع أو أن الطرفين الأمريكي والإسرائيلي لم يتوقعا أو يجدا قبولاً لهذا المشروع من الطرف الفلسطيني، أو أنهما حاولا فرض أمر واقع على المفاوض الفلسطيني باستبعاد موضوع القدس نهائياً من المفاوضات، وهذا ما سيصعّب على المفاوض الفلسطيني قبوله مع وجود إحتمال آخر هو أن هذا المشروع لم يطرح للقبول أو الرفض بل للإلهاء وتضييع الوقت ريثما تتوفر الظروف المناسبة لتحقيق أطماعهم بالأرض وتهجير الفلسطينيين منها، عبر خطة غزة -سيناء أو غيرها، وهذا ما تشير إليه تصريحات المسؤولين الصهاينة بأنه من المستحيل إقامة دولة فلسطينية بين النهر والبحر لأسباب أيديولوجية وأمنية، كما قالت الوزيرة الصهيونية جيلا غامليل. أو ما طرحه حزب “الاتحاد القومي” الصهيوني والمتحالف مع حزب “البيت اليهودي” والمشارك في الحكومة بشكل رسمي، بفرض السيادة الصهيونية الكاملة على الضفة المحتلة وحل السلطة وبناء معازل عرقية يعيش فيها من يرغب بالبقاء من الفلسطينيين دون أي حقوق سياسية مع تشجيعهم على الهجرة.

كاتب سوري