الحدود الأيرلندية تهدد مفاوضات «بريكست»

فشلت رئيسة وزراء بريطانيا، تيريزا ماي، في التوصل إلى اتفاق كامل خلال جولة جديدة من مفاوضات المرحلة الأولى التى عقدت أول أمس في بروكسل بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن مغادرة المملكة عضوية الاتحاد الأوربي.

ونشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا للكاتب هنري فاريل، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، تؤكد فشل مفاوضات البريكست في إيجاد تسوية مناسب لقضية الحدود الأيرلندية، خاصة أن المملكة المتحدة تعتبر دولة اتحادية تتكون من أربعة أقاليم وهي: إنجلترا وأيرلندا الشمالية واسكتلندا وويلز، وتعد أيرلندا الشمالية القسم الوحيد من المملكة ذا الحدود البرية التي تفصلها عن جمهورية أيرلندا.

أوضح التقرير أن مفاوضات بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي بشأن مغادرة المملكة المتحدة عضوية الاتحاد الأوربي (البريكست) فشلت في التوصل إلى اتفاق بشأن قضية النزاع الحدودي الأيرلندي لعدة أبعاد.

دور الاتحاد الأوروبي في اتفاق السلام بأيرلندا

قرار بريطانيا مغادرة الاتحاد الأوروبي له عواقب كبيرة على كل من جمهورية أيرلندا وأيرلندا الشمالية، الجزء الوحيد من جزيرة أيرلندا الذي لا يزال تحت الحكم البريطاني، وانتهت عقود من العنف عندما تفاوضت بريطانيا وأيرلندا على اتفاق سلام اتفقت فيه الأولى على أن ينضم الجزء للشمالي من الجزيرة “أيرلندا الشمالية” إلى المملكة المتحدة، إذا ما رغب الشعب الشمالي الأيرلندي، ووافقت جمهورية أيرلندا على التخلي عن مطالبتها الدستورية تجاه الشمال.

أحد الشروط التمكينية الرئيسية للصفقة أن بريطانيا وجمهورية أيرلندا كانا عضوين في الاتحاد الأوروبي، وسمح ذلك لهم بالتخلص من المراكز الجمركية على الحدود بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا، وكان من الأسهل بكثير التوصل إلى اتفاق والحفاظ عليه عندما كان كلا البلدين جزءا من اتحاد سياسي أوسع.

عقبات لـ«البريكست»

الآن، تغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي بعد استفتاء البريكست، وهذا يطرح بعض الأسئلة الصعبة جدا بالنسبة لكل من بريطانيا وجمهورية أيرلندا؛ أولا، لن يكون لديهم سياق سياسي مشترك، مما يهدد استقرار اتفاق السلام، ثانيا، عليهم الآن مواجهة أسئلة جديدة، إذا لم تعد بريطانيا عضوا في الاتحاد الأوروبي، بالتالي لن تكون جزءا من الترتيبات الجمركية للاتحاد الأوروبي، وقد تضطر أيرلندا وبريطانيا إلى إعادة فرض الرقابة الجمركية على طول الحدود.

في الوقت ذاته، إذا تم إعادة فرض ضوابط حدودية جديدة، فإن العلاقات البريطانية الأيرلندية ستصبح في خطر نظرا لما سيواجهه الاقتصاد الأيرلندي من تداعيات سيئة، حيث الاقتصاد الأيرلندي والشمال أيرلندي متشابكان بشكل وثيق والسلع تعبر طوال الوقت على طول الحدود.

والحدود بين أيرلندا الشمالية وأيرلندا، واحدة من القضايا الرئيسية الثلاث العالقة، التي أدخلت محادثات البريكست في نفق مظلم، وعلى بريطانيا والاتحاد الأوروبي، حلها في مفاوضات المرحلة الأولى قبل البدء في التفاوض على أي علاقة في المستقبل.

بموجب قواعد الاتحاد الأوروبي، جمهورية أيرلندا، مثل أي عضو آخر، لها حق النقض (الفيتو) على أي مرحلة في أي اتفاق، وأوضح رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، أن الدول الأعضاء الأخرى لن تضغط على أيرلندا لقبول اتفاق يتنافى مع مصالحها.

أيرلندا وبريطانيا في موقف صعبة

يتعين على كل من أيرلندا وبريطانيا البدء في إجراءات توازن صعبة؛ من ناحية، ترغب الأولى في التوصل إلى اتفاق لا توجد فيه ضوابط حدودية جديدة بين الجمهورية والشمال الأيرلندي.

ويخشى السياسيون الأيرلنديون من أن إعادة فرض الرقابة على الحدود سيؤدي إلى غضب الجمهوريين الأيرلنديين ويضعف اتفاق السلام الذي بالفعل، يواجه بعض المشاكل، هم يريدون أيضا حدودا غير مقيدة لأسباب اقتصادية.

ومع ذلك، يخشى الأيرلنديون أيضا، مما قد يحدث إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق على الإطلاق بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، حيث خروج بريطاني حاد من الاتحاد دون التوصل إلى اتفاق حول التبادل التجاري والاقتصادي سيلحق ضررا بالغا بالاقتصاد الأيرلندي لأن بريطانيا أكبر شريك تجارى لأيرلندا.

الاتفاق المثالي لأيرلندا، أن تبقى بريطانيا في الاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي وكذلك في سوقها الموحد، وفي حال فشلت، سترغب أيرلندا أن تمنح بريطانيا وضعا خاصا لأيرلندا الشمالية حتى تتمكن من الحفاظ على قواعد الاتحاد الأوروبي.

بريطانيا، في المقابل، لا ترغب في الالتزام بالبقاء في السوق الموحد والاتحاد الجمركي، ويعتقد البعض داخل حزب المحافظين الحاكم أن هذه فكرة سيئة، وأن بريطانيا يمكن أن تقوم بتفاوض أفضل نيابة عن نفسها في الأسواق العالمية.

آخرون داخل حزب تيريزا ماي أكثر انفتاحا على بعض التنازلات مع الاتحاد الأوروبي، لكنهم لا يريدون تقديم تنازلات الآن؛ لأنهم يأملون في ربط التنازلات البريطانية بتنازلات الاتحاد الأوروبي بشأن القضايا الحرجة بالنسبة لبريطانيا، مثل قضية الهجرة.

علاوة على ذلك، تتشكك الحكومة البريطانية بشكل مكثف من أي اقتراحات بشأن منح أيرلندا الشمالية وضعا خاصا، لأنهم يخشون أن هذا قد يفصل أيرلندا الشمالية بشكل متزايد عن بقية بريطانيا، مما يجعل دعوات من أجل أيرلندا متحدة أكثر احتمالا.

الصفقة الفاشلة

في وقت سابق، اعتقدت الحكومتان البريطانية والأيرلندية أنهما توصلا لصفقة، واتفق الطرفان على شكل من أشكال الصياغة بموجبه يمكن أن تكون هناك “مواءمة تنظيمية” بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا.

وكان الهدف استمرار حركة تجارة أكثر سهولة؛ فإذا اشترك كلا الجانبين في لوائح مماثلة ومتوافقة، قد لا يكون من الضروري إجراء عمليات تفتيش أو قيود جمركية.

ومع ذلك، أعلن حزب الديمقراطيين الأحرار في بريطانيا أنه لا يزال متشككا للغاية وليس على استعداد لقبول الصفقة، وقال زعيمه إن أيرلندا الشمالية يجب أن تغادر الاتحاد الأوروبى على نفس الشروط مثل بقية المملكة المتحدة دون أي اختلاف تنظيمي من شأنه أن يفصل أيرلندا الشمالية عن بقية بريطانيا.

والنتيجة، أن الصفقة المقترحة انهارت، في حين أن كل من بريطانيا وأيرلندا تقترحان أنهما سوف يواصلان المحادثات وأن اتفاق جديد سيظهر قريبا، فمن المرجح أن يحدث فقط إذا تساهل أحد الأطراف وغض الطرف.

ربما تقرر جمهورية أيرلندا أن صفقة حدود ضعيفة المستوى أفضل من خطر خروج بريطاني حاد دون اتفاق، لكنها تواجه مرة أخرى ضغوطا سياسية حادة في الداخل، كما أن لديها حكومة الأقلية التي سقطت تقريبا الأسبوع الماضي بفضل فضيحة غير ذات صلة، ومن غير المحتمل أن يرغب قادتها في تقديم تنازلات يمكن استخدامها ضدهم في الانتخابات.

وأخيرا، يمكن أن توافق الحكومة البريطانية (كما اقترحت المعارضة بالفعل) على علاقة أطول أجلا لبريطانيا ككل مع السوق الموحدة، لكن من المحتمل أن يؤدي إلى حرب أهلية داخل حزب المحافظين الذي فيه الفصائل المختلفة تستعد بالفعل لمعركة القيادة المقبلة، وفي حين لا أحد يريد انهيار المفاوضات، فإنه من الصعب معرفة الجانب الذي سيكون مستعدا لتقديم تنازلات.

المقال من المصدر