التقارب الفرنسي السعودي.. محاولة ابتزاز أم بحث عن زعامة؟

تحالفات سياسية جديدة تبرز على الساحة تماشيًا مع موازين القوى الدولية الجديدة، فمع لعب السعودية دورًا هامًّا في المنطقة، بغض النظر عن الاختلاف حول كونه تدميريًّا أو إصلاحيًّا، وبروز اسمها في أزمات بشكل شبه يومي، تتجه بعض الدول وعلى رأسها فرنسا إلى التقارب مع المملكة؛ في محاولة لخطف الأضواء السياسية والعودة إلى دورها الإقليمي والدولي البارز، لكن في الوقت نفسه يرى البعض أن هذا التقارب ما هو إلا تمهيد لعملية ابتزاز كبيرة، ستحاول باريس من خلالها أخذ نصيبها من الكعكة الخليجية وخاصة السعودية، على غرار أمريكا التي سبقتها و”حلبت البقرة” وفق مصطلح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.
فرنسا والسعودية.. مواقف مشتركة
يبدو أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي يطمح منذ توليه منصبه إلى إعادة بلاده إلى الساحة السياسية بقوة ولعب دور هام، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، اختار أن يسير على خطى أكثر الدول العربية إثارة للجدل والأزمات في المنطقة، في محاولة للصعود على أكتافها للوصول إلى رأس قائمة القوى السياسية الدولية المؤثرة، وقد ظهر ذلك جليًّا خلال الأشهر القليلة الماضية، فالعلاقات بين السعودية وفرنسا لا بأس بها منذ عقود، لكن خلال الفترة الأخيرة على وجه التحديد سعت باريس إلى التقارب بشكل كبير مع المملكة، حتى إنها أصبحت تكرر مواقف الرياض فيما يخص بعض الملفات الساخنه في المنطقة، الأمر الذي دفع البعض إلى اعتبار باريس لسان حال الرياض أو المتحدث باسمها.
العراق نموذجًا
استقبل الرئيس الفرنسي، أمس السبت، وفدًا رفيعًا من إقليم كردستان العراق، برئاسة رئيس الحكومة، نيجيرفان بارزاني، وخلال اللقاء الذي يُعد الأول من نوعه من وفد حكومي كردي منذ أن أجرى إقليم كردستان استفتاء في سبتمبر الماضي، أجرى “بارزاني” محادثات مع الرئيس الفرنسي لبحث الأزمة بين إربيل وبغداد وقضايا ثنائية أخرى.
شدد الرئيس الفرنسي خلال اللقاء على أن فرنسا تحترم تضحيات قوات البيشمركة ضد تنظيم داعش، قائلًا إن “قوات البيشمركة مثلها مثل القوات العراقية جلبت نصرًا كبيرًا لكل العراقيين”، وأكد دعمه لعراق موحد حافظ لحقوق كافة مكوناته، مشددًا على ضرورة البدء بحوار وطني بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، وتنفيذ الدستور فيما يخص المنافذ الحدودية بالإقليم، ووجوب تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي، فيما تطرق “ماكرون” إلى ملف الحشد الشعبي الذي يساند الجيش العراقي في كافة معاركه ضد تنظيم داعش، حيث لفت الرئيس الفرنسي إلى ضرورة إنهاء وجود الميليشيات بما فيها الحشد الشعبي.
اللافت في هذه الزيارة، بعيدًا عن كونها رسالة مبطنة من باريس إلى العراق بدعم الأكراد في مواجهة الدولة العراقية، وبعيدًا عن تطرقها لملف الحشد الشعبي الذي سبق أن شددت الحكومة والبرلمان العراقي على أنه شأن عراقي داخلي محظور على أي دولة الحديث فيه، تأتي طريقة استقبال الرئيس الفرنسي لـ”بارزاني”، حيث تم استقبال الأخير في قصر الإليزيه استقبالًا حافلًا، وقد نصب علم كردستان إلى جانب العلم العراقي خلفه، وكتب على المنصة الرئيسية باللغة الكردية.
التصريحات الفرنسية أثارت غضب العراق بشكل كبير، حيث أعلن نائب الرئيس العراقي، نوري المالكي، رفضه لتصريحات الرئيس الفرنسي، معتبرًا إياها تدخلًا مرفوضًا يمس سيادة العراق، وأضاف: يفاجئنا الرئيس الفرنسي بتدخل مرفوض في شؤون العراق الداخلية، ويطالب بحل مؤسسة رسمية قانونية هي هيئة الحشد الشعبي المجاهد، وأضاف المالكي: هذه المواقف من فرنسا مرفوضة بشدة، وهي تمس سيادة العراق ومؤسساته، وتتعارض حتى مع الدستور الفرنسي.
إيران على رأس القائمة
باتت جميع دول العالم تعلم جيدًا أن التقارب مع المملكة السعودية يبدأ من معاداة إيران، وهو ما بادرت به فرنسا، حيث صعدت مؤخرًا لهجتها مع إيران، وهو ما ظهر خلال تصريحات أطلقها مؤخرًا وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، خلال زيارته للسعودية ولقائه وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، حيث أبدى “لودريان” قلق بلده من مشاركة طهران في أزمة الشرق الأوسط وبرنامجها للصواريخ الباليستية المثير للجدل، وأضاف أن “دور إيران في المناطق المختلفة التي تنشط فيها يقلقنا”، وأشار المسؤول الفرنسي إلى أن الاتحاد الأوروبي قد يناقش فرض عقوبات جديدة على إيران بسبب برنامجها الصاروخي، وقد سبق هذه التصريحات نظيرتها التي أطلقها “ماكرون” خلال زيارة أيضًا للمملكة، وقال فيها إن على طهران أن تكون أقل عدوانية في المنطقة، ويجب أن توضح استراتيجيتها حول برنامجها للصواريخ البالستية.
ابتزاز أم بحث عن الزعامة؟
تقارب المواقف السعودية الفرنسية في العديد من المواقف لم يمنع باريس من إبداء مرونتها في بعض الأوقات مع أعداء السعودية اللدودين، واعتراضها على بعض مواقف المملكة، وعلى الرغم من أن هذه الاعتراضات عاده ما تكون على استحياء، إلا أنها تعطي إشارة إلى أنه لا يزال هناك نقاط خلافية بين الطرفين، فقد سبق أن أعرب الرئيس الفرنسي عن استعداد بلاده للحوار مع إيران، وعبر مرارًا عن دعمه للاتفاق النووي الإيراني، وأكد في العديد من المناسبات على عدم انحيازه لأي من الأطراف الإقليمية، ناهيك عن خروج بعض التقارير التي تنتقد تحالف العدوان على اليمن والذي تقوده السعودية والإمارات.
بالنظر إلى المواقف المشتركة ونظيرتها المختلفة بين المملكة وفرنسا، نجد أن هناك ازدواجيه في المعايير الفرنسية في التعامل مع السعودية، لكن بعض الخبراء يرون أن هذا التقارب القوي الذي ظهر مؤخرًا بين باريس والرياض ما هو إلا محاولة من فرنسا لابتزاز المملكة وغرف الأموال من خزائنها قبل أن تصبح فارغة بفعل الأيادي الأمريكية، فباريس تحاول اللحاق بركب أمريكا في سياستها القائمة على “حلب البقرة إلى أن يجف ضرعها ليتم ذبحها”، وهو ما عده البعض سياسة براجماتية ستتبعها فرنسا مع الدول الخليجية؛ لتستغل تورطات هذه الدول في العديد من الجرائم والأزمات في المنطقة؛ لتحقيق مكاسب مالية من خلال عقد صفقات بيع أسلحة فرنسية للإمارات أو السعودية أو قطر.
محاولات أخذ قطعه ولو بسيطة من الكعكة الخليجية، وخاصة السعودية، ظهرت مؤخرًا في زيارة “ماكرون” للسعودية قبل نحو شهر، لطلب إعانة مالية من المملكة لتمويل القوة الإفريقية الجديدة التي تضم 5 دول في منطقة الساحل، هي موريتانيا ومالي والنيجر وبوكينافاسو وتشاد، حيث تعيش القوات الفرنسية المشاركة في قوة التدخل هناك تحت مسمى “عملية براخان”، مأزقًا حقيقيًّا بسبب تزايد قوة الجماعات الإرهابية في شمال مالي.
في المقابل يرى بعض الخبراء أن التقارب الذي تعيشه البلدين سياسًّا واقتصاديًّا هو تقارب حقيقي، لكن ذلك لا يمنع من تبادل المصالح، ففرنسا تريد أن تكون القوة السياسية الأولى في الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، حيث تتنافس مع ألمانيا على زعامة الدول الأوروبية، وهذه الزعامة تستوجب توثيق العلاقات بدول منطقة الشرق الأوسط التي تتفجر يوميًّا بالأحداث والأزمات، وهو ما تسعى إليه باريس حاليًّا مستغلة كركبة الوضع السياسي الداخلي في ألمانيا؛ لتحرز بعض الخطوات الاستباقية.